علاقة ميزان الأعمال بالثقلين: هل نعتبر الثقلين ميزان أعمالنا؟
ما المقصود بالثقلين؟ وهل ثمّة صلة بين الثقلين وميزان أعمالنا؟ أشرنا في الدروس السابقة إلى أن أن معيار تقييم أعمال الإنسان في الآخرة هو الحقّ.[1] ونعني بالحقّ هنا كل ما يتوافق مع الغاية من خلق الإنسان ويهديه نحو كماله الإنساني.[2] فكلما كانت أفعالنا، سواء في علاقاتنا أو سلوكنا أو حتى أفكارنا واختياراتنا، أقرب إلى الحقيقة والواقع كما أراده الله، كانت قلوبنا أكثر سلامة ونقاءً، وكانت أعمالنا في الميزان الإلهي أثقل وأرجح. ولأن القلب السليم هو السبيل الوحيد لنجاة الإنسان وسعادته الأبدية، تصبح معرفة “الحق” وتمييز مصاديقه أمرًا بالغ الأهمية. ولكن كيف نتمكّن من العمل وفق الحق، فنثقل ميزان أعمالنا في ميزان الله؟ يكمن الجواب في التمسّك بالثقلين. ما الثقلان؟ سؤالٌ يتردد في أذهان الكثيرين عند سماع هذا المصطلح. ولتوضيح معنى الثقلين، نقول إن كلمة “الثقلين” الواردة في حديث الثقلين الشريف مشتقة من الجذر “ثقل” الذي يحمل معنى الرُّجحانِ والقيمةِ العظيمة. وقد بيَّنَ رسول الله محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين المشهور قوله: “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ ثَقْلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي”.[3]
يؤكد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على أن الناس لن يضلّوا ما داموا متمسّكين بهذين الأمرين؛ فبالاتباع الحثيث لهذين المصدرين الموثوقين وحدهما يستطيع البشر أن يهتدوا الهدايةَ القويمة، وأن يسلكوا الدرب الصحيح دون انحراف. ومن جهة أخرى، فإن الاقتصار على التمسّك بأحدهما دون الآخر من هذين المعيارين الحقّين لا يمكن أن يكون مرشدًا كافيًا، بل لا بد من الاستعانة بكليهما معًا لبلوغ النتيجة المنشودة، ألا وهي الهداية السديدة التي توافق الغاية من الخلق. ببساطة، ليس الثقلان مجرد مرشدين يقوداننا نحو الأفضل، بل هما أيضًا المعيار الأساسي الذي تُقاس به أفعالنا ويُهتدى به إلى السعادة الدائمة. القرآن الكريم، بصفته وحياً إلهيًّا، يمثّل خارطة طريق لحياة الإنسان، وأهل البيت(عليهم السلام)، بصفتهم المعصومين المختصين العالمين بكلّ أبعاد الوجود الإنساني، يقدمون لنا التفسير الحقيقي لهذا الوحي. هذا الحديث يبرز أهمية وقيمة القرآن وأهل البيت كمقياس ومعيار لأعمال البشر في الحياة الدنيا والآخرة.
ما هو ميزان الأعمال وما علاقته بالثقلين؟
بشكل عام، الحقّ هو ما يستحقه المرء ويليق به، وهو ما يرتقي بنا ويحقق الغاية من خلقنا. لذا، فإن أفضل الأعمال لأي شخص هو التزامه بالحقّ. بالطبع، قد يختلف العمل بالحقّ باختلاف الأشخاص والظروف. فعلى سبيل المثال، بالنسبة لشخص مريض والدته وتحتاج إلى رعايته، فإن الحقّ يتمثل في إلغاء سفره للزيارة والاعتناء بوالدته. أما بالنسبة لشخص آخر، فإن الذهاب إلى تلك الزيارة هو عين الحقّ ويرتقي به. إن الالتزام بالحقّ يملأ حياتنا سعادة وسلامًا وحبًا. ولا شك أن العمل بالحقّ يتطلب أولاً معرفة الحقّ، ولتحقيق هذه المعرفة نحتاج إلى مصادر موثوقة لتعريفنا بالحقّ، وهذه المعرفة متضمنة في الوصول إلى الإجابة الصحيحة عن سؤال: ما الثقلان؟ إن القول بأن ميزان الأعمال في يوم القيامة مرهون بمفهوم الحق، يعني أن المرجعية الأصيلة لتقدير قيمة الأفعال ليست شيئًا آخر سوى القرآن الكريم والعترة الطاهرة. فميزان يوم الحساب يتجلى في مدى استيعاب الإنسان لحقيقة “الحق” وجوهره. فأولئك الذين يستنيرون بهدي القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام، يكونون أقرب إلى جوهر الحقيقة، وبالتالي تكون أعمالهم في الميزان الإلهي أرسخ قيمة وأعظم أثرًا. وعلى هذا الأساس، فإن الإنسان الذي ينهل من هذين المنبعين الصافيين، لا ينعكس ذلك إيجابًا على مصيره الأخروي فحسب، بل يمتد أثره ليضفي على حياته الدنيوية شعورًا عميقًا بالرضا والسكينة.
يمثل القرآن الكريم التجسيد المكتوب لإرادة الله، وهو بمثابة الخطة الشاملة والقواعد المنظمة لحياة الإنسان ورحلته نحو هدف الخلق، وولادته الروحية السليمة التي تفضي به إلى الخلود. وبما أن المعرفة الكاملة بالإنسان لا يحيط بها إلا خالقه، فإنه لا يوجد حق أرفع وأجل من كلام الله وهديه، ولا يمكن تصور معيار أو ميزان أدق وأوثق من القرآن الكريم لتقييم هذه الرحلة.
مع الأسف، فإن الإنسان بسبب جهله بنفسه، يضع برامج للحياة تختلف عن البرامج الدقيقة والكاملة التي وضعها الله، فلا توصله إلى غاية حتى في حياته الدنيوية، فضلًا عن سعادته الأبدية في الآخرة. تشير الإحصائيات المرتفعة والمتزايدة للاكتئاب والقلق والتوتر والانتحار والطلاق إلى هذه الحقيقة. فكلّما تقدّمت العلوم الطبيعية، وازدادت وسائل الراحة والرفاهية، قلّ مستوى السعادة والسكينة الداخلية والعاطفة بين البشر. ولا عجب، فمن لم يعرف حقيقة الإنسان، ولم يدرك ماهيّته، لن يستطيع أن يحدّد الطريق الصحيح نحو السعادة. بينما الله سبحانه قد وضع جميع قواعد وفُرَص السعادة الدنيوية والأخروية بين أيدينا في القرآن الكريم.
تكمن النقطة الجوهرية والأساسية هنا في أن القرآن الكريم يمثل برنامجًا شاملاً ومتخصصًا في آن معًا، وهو بطبيعته يستدعي الشرح والتبيين. وبعد الله عز وجل، فإن أهل البيت عليهم السلام، بصفتهم الخبراء المعصومين، هم وحدهم الذين يحيطون بكل أبعاد الوجود الإنساني ولديهم إلمام كامل بالقرآن الكريم. ومن جهة أخرى، فإنهم تجليات كاملة لأسماء الله وصفاته الحسنى؛ ولهذا فإن جميع أفعالهم تجري وفق الحق المطلق، بل هم الحق بذاته بتعبير أدق. وعليه، فإن طاعة أهل البيت عليهم السلام والاقتداء بنمط حياتهم، إنما هو في حقيقته اتباع لله وللقرآن الكريم، وهو السبيل الأوحد لبلوغ الغاية من الخلق والسعادة الأبدية. ولهذا السبب، يُطلق على أهل البيت عليهم السلام لقب “الميزان”،[4] أي أنهم المعيار الدقيق لتقييم أعمالنا. إذن، في سياق العلاقة بين الثقلين وميزان الأعمال، يجب القول بأن الثقلين هما الحق الذي يؤدي اتباعه إلى رجحان ميزان أعمالنا، ويختم عاقبتنا بنعيم أبدي وسعادة سرمدية.
الفرق بين المعايير الإنسانية والمعايير الإلهية
في عالمنا المعاصر، يميل كثير من الناس إلى الاستناد في آرائهم وأفعالهم إلى أذواقهم الخاصة وتصوراتهم الفردية. لكن هل يمكن لهذه الأمور أن تكون هي المعيار الذي يُحتكم إليه؟ فكم من الأمثال السائرة والأشعار الرائقة، بل وحتى بعض المفاهيم العرفانية الشائعة، قد تكتسي بمظهر جذاب وجميل، إلا أنها تفتقر إلى ختم الاعتماد الإلهي وتأييد المعصومين عليهم السلام. وفي هذا السياق، يؤكد رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله بليغ الدلالة: “المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل، أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء”.[5] وهذا يشير بوضوح إلى أن القيمة الحقيقية للأعمال تكمن في توافقها مع الأسس الشرعية المستمدة من الوحي والسنة النبوية الشريفة وسيرة أهل بيته عليهم السلام، لا في مجرد المبالغة فيها أو استحسانها الذاتي.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عندما نواجه آراء متنوعة وأحيانًا متناقضة، حيث يجب أن نثق فقط بما تم تأييده من قبل الله والمعصومين. كما يقول القرآن الكريم في الآية 25 من سورة الإسراء المباركة: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ)، فإن الهداية الحقة والرشاد السديد لا يأتي إلا ممن أذن لهم الباري جل وعلا، فهم وحدهم القادرون على تقديم الحلول الصحيحة والرؤى القويمة.
في هذا العالم المليء بالمعلومات والآراء المتعددة، قد يقع الإنسان بسهولة في شَرَك الضلال. وفي مثل هذه الظروف، لا سبيل أوثق للوصول إلى الطريق القويم سوى التمسك بالثقلين. فالحق أنه ليس ثمة ما يرشد الإنسان ويحميه من التيه مثل هذين المنبعين الثمينين. ولهذا، فإن أبلغ تعريف للثقلين هو أنهما سبيل واضح لاهتداء الحقيقة، ومنارة تنير دروب الحياة الصحيحة والمليئة بالمعنى في عالمنا اليوم.
عندما نتأمل في تاريخ الإسلام وسيرة أهل البيت عليهم السلام، نجد بوضوح أن هذين المصدرين، القرآن الكريم والعترة الطاهرة، كانا على الدوام المعيار الأساسي لحل المعضلات والإجابة عن مختلف التساؤلات. فقد قام أهل البيت(عليهم السلام)، بصفتهم المفسرين والمبلغين الأصليين الصادقين للقرآن الكريم، بدور محوري في هداية الناس نحو الفهم الصحيح للدين والحياة المتوافقة مع أوامر الله عز وجل.
لقد تناولنا في هذا الدرس استجلاء ماهية الثقلين، وبيان الصلة الوثيقة بينهما وبين ميزان الأعمال، كما أوضحنا الأهمية القصوى لمعرفة هذين المصدرين المعتبرين والعمل بمقتضاهما. وخلاصة القول، فإن معيار تقييم أعمال العباد يتم وفق مدى تطابقها مع الحق، الذي يتجلى بوضوح في القرآن الكريم والعترة الطاهرة.
[1] “وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ…” (سورة الأعراف، الآية 8)
[2] يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “أفضل الأعمال لزوم الحق.” (أمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 817)
[3] إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ
[4] . يقول الإمام الصادق (عليه السلام): “نحن موازين القسط.” (فيض الكاشاني، محمد بن شاه مرتضى، تفسير الصافي، ج 2، ص 182)- “السلام على ميزان الأعمال.” (زيارة مطلقة لأمير المؤمنين)