ما هي سنة الاستدراج؟ ومن الذي يقع فيها؟

جدول المحتويات
سنة الاستدراج: السقوط التدريجي وغير الملحوظ في العذاب

سنة الاستدراج: السقوط التدريجي وغير الملحوظ في العذاب

قد ترى ظالمين وفاسدين وهُم يتمتعون بالنِّعَم، فتتساءل في نفسك: لماذا لا يُعاقَب هؤلاء رغم ما يرتكبونه من ظلم وفساد؟ بل على العكس، يعيشون في رغدٍ وهناء، وتتزايد أموالهم يومًا بعد يوم! لماذا لا يتدخّل الله لمعاقبتهم؟ ولماذا، أنا، بمجرد أن أقترف ذنبًا صغيرًا، أرى عقوبته مباشرة؟ أليس الله عادلًا؟ فلماذا يعامل عباده بهذه الطريقة المزدوجة؟

قد تبدو مثل هذه التساؤلات والأفكار طبيعية ومنطقية جدًا، لكنّ النقطة الجوهرية هي أننا غالبًا لا نرى سوى ظاهر الأمور، بينما نجهل حقيقتها العميقة. يظن كثيرٌ من الناس أن النِّعَم الدنيوية علامة على محبة الله، ويعتقدون أن من أُعطي أكثر فهو أقرب إلى الله، لكن الحقيقة ليست دائمًا كذلك. قد تكون النِّعَم نتيجة الشكر، وأحيانًا أخرى، تأتي نتيجة الكفران والمعصية. وإذا كان الشخص من الصنف الثاني، فإنه واقع في سُنّة الاستدراج.

تُعد سُنة الاستدراج من السُنن الإلهية، وتعني الانزلاق التدريجي وغير المحسوس نحو العذاب. في هذه الحالة، كلما ازداد الإنسان في معصية، زادت معه النِّعَم والأموال، حتى يظن أنه بمنأى عن مكر الله وانتقامه، فيتمادى في ظلمه وجرأته، ويواصل فساده بلا تردّد، غافلًا عن أن الله يراقب، ويُمهِل، لكنه لا يُهمِل. فما هو فيه من نِعَم، ليس تكريمًا، بل غطاء يُخفي تحته الاقتراب التدريجي من العذاب الإلهي. إن قصة الاستدراج تُشبه بعض الأمراض الخطيرة التي تنتشر في الجسد بهدوء، في حين لا يشعر بها المريض، حتى تتمكّن منه فجأة، وتُنهِكه في وقتٍ قصير، ويكون الأوان قد فات.

 ما العلاقة بين النِّعَم وسُنّة الاستدراج؟

إن الله سبحانه، برحمته الواسعة ومحبّته العميقة لعباده، يمنح كل من انحرف عن الصراط المستقيم مهلة وتأنٍّ، لعلّه يرجع، ويتوب، ويقلع عن الكفر والظلم والمعصية. وكثيرون بالفعل، يغتنمون هذه الفرصة، ويعودون إلى فطرتهم النقيّة ويتوبون إلى الله بصدق.

لكن قد يكون الفرد العاصي عنيدًا ومُصرًّا على الضلال، ولا يقبل بأي نصيحة، ولا ينثني عن غيّه مهما كانت الظروف. وهنا، يُسلِمه الله إلى مكره واستدراجه: فيُترك وشأنه، ويُمنَح من النِّعَم ما يشاء، ويُفتح له في الرزق والصحة والبركة، بل وقد يُستجاب دعاؤه أسرع من دعاء المؤمنين الصالحين!

الدعاء هو وسيلة للتقرّب من الله، وعندما تتأخر استجابة بعض دعوات المؤمنين، فذلك لأن الله يُحبهم ويريدهم أن يتوجهوا إليه مرارًا، ويطرقوا بابه في كل حاجة، أما أولئك الذين تكلّمنا عنهم، فإنهم – لكثرة عنادهم – قد سقطوا من عين الله، حتى لا يحب الله أن يراهم على بابه ولو بدعوة واحدة! فلهذا، يُستجاب دعاؤهم بسرعة… لا تكريمًا، بل صرفًا لهم.

ولكن، من الواضح أن التمتع بالنِعَم أو سرعة الاستجابة للدعاء لا تعني دائمًا أن الشخص واقع في الاستدراج. فالله يرزق بعض الناس لأنهم شاكرون، ويستخدمون النعمة في طريق الحق والخير. أما إن كان العبد يستخدم نعمة الله في سبيل الباطل والظلم والفساد، فذلك لم يعد النعيم رحمة بعدئذ، بل مصيدة من مصائد الاستدراج. ولهذا، ورد في الروايات: “یَا ابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ، فَاحْذَرْهُ” .[1]

سُنّة الاستدراج وأسباب الوقوع فيها

من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في سُنّة الاستدراج هو غياب الخشية من عواقب الأفعال، والجرأة في مواجهة الله دون حياء. لا شك أن للمعصية آثارًا وضعية تُظلم بها القلوب، وتفسد بها الأرواح، أيًّا كانت دوافعها. ولكن رغم ذلك، لا ينبغي أن نضع كلّ العُصاة في كفّةٍ واحدة. فالكثير من الناس يُذنبون بدافع الغفلة، أو لضعفٍ أمام شهواتهم، ثم لا يلبثون أن يندموا ويعودوا نادمين باكين، أما البعض الآخر، فيُقدِمون على المعصية بوعيٍ، وبوقاحة، وبلا خجل أو توبة، كأنهم يرون أنفسهم في موضعٍ أعلى من أن يُحاسبوا أو يُردعوا. ومع ذلك، فإن الله، بلُطفه، لا يُغلق باب التوبة في وجوههم مباشرة، بل يفتح لهم أبواب التوبة والهداية مرارًا، ولكنهم، بتعمّدٍ وعناد، يُعرضون عن نداءات الله، فيُترَكون وشأنهم.

إن الانغماس في النعم ولذائذ الحياة المادية حدّ الغفلة، هو من أخطر أسباب الوقوع في سُنّة الاستدراج الإلهي. فالنِّعَم والكمالات ليست دائمًا خيرًا محضًا، بل كثيرًا ما تُبعد الإنسان عن ذاته الحقيقية، وتُنسيه ربّه، وتُضلّه عن غاية خلقته.

تقتضي العلاقة السليمة مع النعم أن لا تُفقدنا التوازن، ولا تجرّنا بعيدًا عن الصراط المستقيم. أولئك الذين تزداد في حياتهم النعم والمكاسب، دون أن ترافقها مجاهدة للنفس وتهذيب للروح، سرعان ما يهْوَون من مقام الإنسان الكامل، وربما ينحدرون إلى دركات أدنى من الجمادات والنباتات والحيوانات!

من الأسباب الأخرى التي تُفضي إلى الوقوع في فخ الاستدراج هي تكذيب  الآيات الإلهية[2] والسخرية من الأنبياء أو المؤمنين[3]. هذا السلوك المنكر يعود جذوره إلى التمرّد والعناد الذي سبق الحديث عنه.

ولا يخفى أن امتلاك بعض الأشخاص غير المؤهلين لقدرات استثنائية أو قيامهم بأفعال خارقة لا يُعدُّ دليلاً على صدقهم أو قربهم من الله، بل هو في بعض الأحيان نموذج صريح للاستدراج.

والآن، بعدما تبيّن لنا معنى الاستدراج الإلهي، وأبرز عوامله، يبقى السؤال الأهم: ما هي سُبل الوقاية من هذا البلاء الخفيّ، وكيف ننجو منه؟

كيف يمكننا أن نكون في أمان من سنة الاستدراج؟

• تعزيز الإيمان والالتزام بالتقوى

لا شكّ أن من أهم السُبل للوقاية من الوقوع في سُنّة الاستدراج: ترسيخ الإيمان والمواظبة على التقوى. فالمؤمن الحقيقي، الذي وصل إلى مراتب من معرفة النفس ومعرفة الله، إن زلّ أو وقع في معصية، فإنما يكون ذلك عن غفلة، لا عن تمرّد أو عناد. وهذا النوع من الناس، يعاملهم الله برحمة ولطف، ويمنحهم الفُرص كي يصحوا، ويعودوا إلى حقيقتهم الإنسانية النقية.

• ذِكر الله وشكر نعمه

إن ذِكر المحبوب الحقيقي، والدعاء والتضرع إليه، وشكر نعمه، هو الحبل المتين الذي ينقذ الإنسان من السقوط في هاوية الاستدراج. ولعلّ الشكر على وجه الخصوص له دورٌ جوهري ومحوري في هذه المسألة. فقد سأل أحدهم الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: “طلبتُ من الله مالاً فأعطاني، وطلبتُ منه ولدًا فأعطاني، وطلبتُ منه منزلًا فأعطاني، وأخشى أن يكون هذا استدراجًا!” فأجابه الإمام: “كلا، مع الشكر، ليس استدراجًا.”

المراقبة والمحاسبة

المراقبة تعني أن يعتني الإنسان بكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، وبكل قراراته وخياراته وسلوكياته، وأن يحرص على أن تكون منسجمة مع رضا الله وأوامره. أما المحاسبة، هي أن يُراجع الإنسان نفسه في نهاية اليوم، ويُحاسبها على ما فعلت.

من يُداوم على هاتين العادتين، ويلتزم بها لا يقع فريسة الغفلة، ولا يغرق في ملذات المعصية، ولا يَسكر بنِعَم الله، وبالتالي، يكون في مأمن من الاستدراج.

• الاستغفار والتوبة

إن شدّة محبّة الله وعشقه لعباده لا يمكن أن تُحاط بها العبارات أو تُقاس بالمقاييس. فالله عزّ وجلّ لا يريد لنا العذاب، ولا يحبّ أن نقاسي الألم بسبب ما اقترفناه من ذنوب، لكنّنا في نهاية المطاف مختارون في الطريق الذي نسلكه، والله تعالى لم يشأ أن يسلب منّا حرّية الاختيار. فإذا رأى أنّنا ننحرف عن سواء السبيل، يبعث إلينا رسائل هداية، ويقرع في قلوبنا أجراس التنبيه، ليرشدنا إلى الطريق الحقّ. وإذا ما عقدنا النيّة على التوبة والاستغفار، فتح لنا باب رحمته، وبسط ذراعيه ليؤوينا، وغضّ الطّرف عن كلّ ما بدر منّا من زلّات وخطايا. إنّ الاستغفار والتوبة من أعظم العوامل التي تُبدّل سنّة الاستدراج وتقطع الطريق أمام وقوعها.

• التوازن بين الخوف والرجاء

كما لا يجوز أن نيأس أبدًا من رحمة الله الواسعة، فإنّ الاغترار الزائد بها والشعور بالأمن من مكر الله، خطرٌ لا يقلّ عن اليأس، بل قد عدّه القرآن الكريم من الكبائر المهلكة. المؤمن الحقيقيّ يجب أن يعيش دومًا بين الخوف والرجاء؛ فلا يغفل عن عقاب الله، فيرتدع عن المعصية، ولا يقنط من رحمته، فيظلّ أمله حيًّا بمغفرة ذنوبه. تحقيق هذا التوازن هو أحد السدود التي تحمي النفس من الوقوع في فخّ الاستدراج الإلهي.

 

تأمّلنا في هذا الدرس في إحدى السُنن الإلهية المعروفة بسُنّة الاستدراج، وهي سُنّة تُعبّر عن الاقتراب التدريجي من العذاب، وهي لا تصيب إلا أولئك الجاحدين، المصرّين على الفساد والمعصية. فالله يُغدق عليهم من النِعَم، ويُمهلهم، فيغترّون، وينسون الشكر والتوبة،وحتى تأتي اللحظة التي تنقلب فيها النعمة إلى نقمة، ويجدون أنفسهم في قبضة العذاب. وقد شهد التاريخ نماذج كثيرة لأولئك الذين أصابتهم هذه السنّة، من الملوك الظالمين إلى أشخاصٍ عاديين أصرّوا على ظلمهم وغفلتهم.

وأنت، ما رأيك في سُنّة الاستدراج؟ هل رأيتَ حولك من يمكن أن تنطبق عليه ملامحها؟


[1]  (نهج البلاغة، الحكمة 25)

[2] سورة الأعراف، الآية 182

[3] سورة الرعد، الآية 32

اكتب رأيك