كيف تتشابك تعلقات الإنسان وإمام الزمان (عج) في رحلة الانتظار؟
الإنسان مخلوقٌ تغمره الرغبات وتحيط به الجاذبيّات من كلّ جانب، ولا يكاد يُعثر على أحدٍ متحرّرٍ تمامًا من التعلّق. فكلّ إنسانٍ قد ربط قلبه بشيءٍ ما؛ فتارةً تكون هذه التعلّقات واضحةً ومادّية، كالارتباط بالمال أو السلطة أو مكانة اجتماعية أو الشهرة، وتارةً تتشكّل في طبقات خفيّة للعقل والقلب، في هيئة معتقداتٍ ومعارفَ يرفض الإنسان مراجعتها أو إعادة النظر فيها. ومهما اختلفت صور التعلّق، فإنّها تؤدّي دورًا حاسمًا في مسيرة حياة الإنسان؛ فكلّ ما يشدّ القلب ويمنعه من التحرّك الحرّ نحو الحقيقة، يدخل في دائرة التعلّقات.
وفي هذا الدرس، نتأمّل في العلاقة بين تعلّقات الإنسان وبين الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ونحلّل كيف يمكن لهذه التعلّقات أن تتحوّل إمّا إلى حاجزٍ يمنع من نصرة الإمام، أو إلى أرضيّة تمهّد للوقوف بين يديه. فالتعلّقات استجابة فطرية لحاجات الإنسان الطبيعية؛ كالأمن، والراحة، والعائلة. وإذا أُديرت بتوازنٍ واعتدال، أصبحت جزءًا مهمًّا من نموّه الروحي والاجتماعي. أمّا حين تتقدّم على الحقيقة والعدل، فإنّها تتحوّل إلى عائقٍ يحول دون النضج الروحي والقدرة على السير مع الإمام.
لقد حذّر القرآن الكريم من تقديم محبّة الأهل والأموال والتجارة على محبّة الله وأهل البيت (عليهم السلام) والجهاد في سبيله؛[1] لأنّ هذا التقديم يخرج الإنسان عن الطريق القويم ويفقده القدرة على نصرة الإمام. كما تُظهر التعاليم الدينية أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو التجسيد الحيّ للعدل والحقيقة، ولا يسير في نهجه إلا من أعتق قلبه من قيد التعلّقات. ومن هنا، يجب البحث عن جزءٍ من سرِّ غيبة الإمام في سُلطان التعلّقات على القلوب؛ تلك التعلّقات التي تعوق الاستعداد للنهضة وتمنع الإنسان من الالتحاق بركب الإمام. ولذلك فإنّ من أهمّ الخطوات للوقوف في طريق نصرته، أن نسأل أنفسنا: هل نملك القدرة على تجاوز هذه القيود؟ أم سننكفئ في اللحظات التاريخية أمام أعظم نداءٍ للحرية والعدالة؟
إنّ هذه الأسئلة تدعو كلَّ إنسانٍ، على اختلاف الأديان والمذاهب، إلى تأمّل عميق. وكما قال الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: «يَا شِيعَةَ آلِ أَبِي سُفْيَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَ كُنْتُمْ لاَ تَخَافُونَ اَلْمَعَادَ فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ…»[2]
تعلّقات الإنسان؛ عائقٌ أم رصيدٌ في طريق نصرة الإمام المهدي؟
يعيش الإنسان في حياته محاطًا بمجموعةٍ من حاجات وارتباطات طبيعية؛ كالأمن، والراحة، والعائلة، والاحترام الاجتماعي، بل وحتى العلم والمكانة. هذه الميول ليست مذمومة في أصلها، بل قد تكون أساسًا للنموّ والرشد. غير أنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل هذه التعلّقات إلى قيودٍ تشدّ الإنسان، وتجعل اتخاذ القرار الصحيح في اللحظات المصيرية أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا.
فما دام المرء يعيش في بحبوحة الحياة ونعيمها، قلّ أن ينتبه إلى أنّه أسيرٌ في شبكة التعلّقات؛ كمن يظنّ نفسه قادرًا على النهوض، وهو لا يعلم أنّ رباط حذائه قد التفّ حول رجل الكرسي. وحين ينهض فقط، عندها يدرك أنّه كان مقيّدًا. هكذا هو حال التعلّقات أيضاً، لا تكشف وجهها الحقيقي إلا عند المنعطفات الكبرى.
من هنا، فإنّ تحديد العلاقة بين تعلّقات الإنسان وبين الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يبيّن لنا بوضوح: هل ستكون هذه التعلّقات أدواتٍ للوقوف مع الإمام؟ أم ستتحوّل إلى عقبةٍ خطيرة في طريق السير مع الحقيقة؟
فالتعلّقات الدنيوية تُخلّف في الغالب آثارًا ثقيلة؛ كالطمع، والخوف، والحزن، وضياع العمر فيما لا ينفع. ولعلّ تاريخ عاشوراء أوضح مرآةٍ تكشف أثر التعلّقات في تحديد مصير الإنسان. كثيرون ممّن رأوا الإمام الحسين (عليه السلام) بأعينهم، مُنعوا من نصرته لأنّ قلوبهم كانت متعلّقة بالمال أو النفس أو الأهل أو الجاه.
ومن الأمثلة البليغة على ذلك، ما قاله عُبيدالله بن حُرّ الجعفي حين دعاه الإمام الحسين (عليه السلام): “يا بن رسول الله، لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك؛ ولكن خُذ فرسي هذا، فوالله ما ركبته قط وأنا أروم شيئاً إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه.”[3] هذه العبارة تختصر مأساة التعلّقات؛ فقد شدّ حبّ الحياة قلبه، فترك الإمام ووقف خارج صفّ أنصاره.
وكذلك شَبَث بن رِبعي الذي كان يومًا إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن بدّل مواقفه مراراً بسبب ولعه بالمكانة الاجتماعية والمكاسب السياسية، فانتهى به الأمر في مواجهة الإمام. وأمّا ضَحّاك بن عبدالله المشرقي، فقد اشترط منذ البداية أن يُعفى من القتال إذا خشي على نفسه، ثم انسحب عند أوّل منعطف متذرّعًا بأهله وديونه، تاركًا الإمام في أشدّ ساعة الحاجة.
هذه النماذج تكشف أنّ رؤية الإمام لا تكفي، ولا يكفي أن يعرفه الإنسان معرفةً عقلية؛ فالتعلّقات قادرة على أن تعمي البصيرة وتشلّ القدرة على اتخاذ القرار، وأن تجرّد الإنسان من أهليّة الوقوف مع الحق حين يحين الامتحان. والرسالة الصافية التي تقدّمها عاشوراء أنها ليس كلّ من شهد الحدث يصل إلى المقصد؛ فالعلاقة بين تعلّقات الإنسان والإمام هي علاقةٌ مصيرية؛ إمّا أن تتحوّل التعلّقات إلى جدارٍ يسدّ الطريق، أو تكون الحرّية من أسرها بابًا يُفتح للسير مع الإمام. وإنّما يفوز في هذا الطريق من استطاع أن يعتق قلبه من القيود، وأن يجعل تعلّقاته خادمةً للحق لا حاكمةً عليه، وفي خدمة نصرة الإمام لا في صدّ الإنسان عنه.
قراءة معاصرة للعلاقة بين تعلقات الإنسان وإمام الزمان (عج) في الاختبارات التاريخية
إنّ تجربة عاشوراء ليست حبيسة الماضي، ولا هي مقصورة على أهل الكوفة وكربلاء؛ فكما أنّ القوم يومها تراجعوا عن نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) خوفًا من الفقر، أو بسبب التعلّق بالأهل، والمال، والجاه، فنحن اليوم نعيش الامتحانات ذاتها، وإن تغيّرت أشكالها وأسماؤها. فالتشّبث بالثروة، والغرق في الرفاه، والتعلّق بالشهرة، أو الجمود على أفكار ضيّقة، كلّها قد تفصل الإنسان عن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، كما فصلت أسلافًا عن إمام زمانهم. ولهذا لا بدّ في كلّ عصرٍ من العصور أن نولي اهتمامًا خاصًا للعلاقة بين تعلّقات الإنسان وبين الإمام المهدي (عج)؛ فعوائق قطعت الطريق على الناس في كربلاء، هي ذاتها التي قد تُغلق أبواب الانتظار الحقيقي في وجوهنا اليوم.
إنّ نمط الحياة الاستهلاكي، والتعلّق المفرط بالراحة والمكانة، أو الإصرار العنيد على قناعاتٍ محدودة، هي أشبه بحبال تشدّ الإنسان إلى الأرض وتشلّه في لحظات أخلاقية واجتماعية حرجة. ومن أراد أن يفهم علاقته بالإمام، فعليه أن يتأمّل: كيف تنتزع هذه التعلّقات الدنيوية القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حين تشتدّ الفتنة؟
ومن أهمّ ضرورات مسار الانتظار، أن يُعيد الإنسان النظر في تعلّقاته، وأن يُعدّل أسلوب حياته. فالمال، والسلطة، والعلم، والعائلة، إذا وُضعت في خدمة الحقّ ونصرة الإمام، صارت رصيدًا وبركة. أمّا إذا طغت على الحقيقة، تحوّلت إلى أعظم العقبات في وجه الإنسان. ولذا قال الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه): «التحرّر من التعلّقات شرط بلوغ مقام الإنسان».[4] وهذا هو جوهر الانتظار الحقيقي؛ فهو ليس حالةً ساكنة، بل تدريب مستمرّ على التحرّر من الهوى، وتأهيل القلب لتقديم الحقّ على المنفعة.
إنّ تعلّقات الإنسان ودعوة الإمام المهدي (عج) يمثّلان اتجاهين متباينين: إحداهما جذورٌ أرضيّة تشدّ الإنسان إلى الأسفل، والأخرى أفقٌ سماويّ يدعوه إلى الحقيقة. وعاشوراء شاهدٌ خالد على أنّ التحرّر من أسر التعلّقات هو الشرط الأول للالتحاق بركب الإمام. وعلى الإنسان المعاصر، إذا أراد أن يكون من أنصار الإمام الحقّ، أن يتهيّأ للتحرّر من تعلّقات تأسره وتمنعه من الانطلاق.
فما العلاقة التي تراها أنت بين تعلّقات الإنسان والإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؟
وأيّ تعلّقات خفيّة قد تُعيقك عند لحظات فاصلة عن اتخاذ القرار الأصوب؟
شارِكْنا تأمّلاتك ورؤاك.
[1] قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ؛ سورة التوبة، الآية 24
[2] اللهوف، ص۱۲۰
[3] الامام سجاد (علیهالسلام): «ثُمَّ سَارَ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَتَّى نَزَلَ اَلْقُطْقُطَانِيَّةَ فَنَظَرَ إِلَى فُسْطَاطٍ مَضْرُوبٍ فَقَالَ لِمَنْ هَذَا اَلْفُسْطَاطُ فَقِيلَ لِعُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْحُرِّ اَلْحَنَفِيِّ [اَلْجُعْفِيِّ] فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ أَيُّهَا اَلرَّجُلُ إِنَّكَ مُذْنِبٌ خَاطِئٌ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ آخِذُكَ بِمَا أَنْتَ صَانِعٌ إِنْ لَمْ تَتُبْ إِلَى اَللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي سَاعَتِكَ هَذِهِ فَتَنْصُرَنِي وَ يَكُونَ جَدِّي شَفِيعَكَ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَقَالَ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ وَ اَللَّهِ لَوْ نَصَرْتُكَ لَكُنْتُ أَوَّلَ مَقْتُولٍ بَيْنَ يَدَيْكَ وَ لَكِنَّ هَذَا فَرَسِي خُذْهُ إِلَيْكَ فَوَ اَللَّهِ مَا رَكِبْتُهُ قَطُّ وَ أَنَا أَرُومُ شَيْئاً إِلاَّ بَلَغْتُهُ وَ لاَ أَرَادَنِي أَحَدٌ إِلاَّ نَجَوْتُ عَلَيْهِ فَدُونَكَ فَخُذْهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيكَ وَ لاَ فِي فَرَسِكَ – «وَ مٰا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِّينَ عَضُداً» وَ لَكِنْ فِرَّ فَلاَ لَنَا وَ لاَ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْنَا كَبَّهُ اَللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.» ابن بابویه، محمد بن علی، الامالی للصدوق، 150