ما هي الحاجة إلى وجود إمام معصوم في حياتنا؟ لماذا نحتاج إلى إمام معصوم؟
“المعصوم” مصطلح تحدثنا عنه كثيرًا. في هذا المقال نهدف إلى الخوض في السؤال: لماذا يتوجب أن يكون الإمام معصومًا؟ فماذا تعني العصمة بالضبط وكيف تتحقق؟ لكشف الإجابات عن هذه التساؤلات، لا بد من توضيح مصطلحي “الإمام” و”المعصوم“. من الناحية اللغوية، “الإمام” اسم مشتق من المصدر ويدل على الشيء الذي يلفت انتباه الإنسان، وهو مرادف لكلمات مثل الزعيم، القائد، المرشد والهادي، ويمكن الإشارة من بين المعاني المذكورة الأخرى لكلمة المعصوم في المعاجم اللغوية إلى الحفظ والوقاية، وعدم القدرة من الوقوع في الذنوب والمعاصي، والنقاء، والطهارة، والعفة، وعدم القابلية للإثم.
وبهذا المعنى، فإن كلمة الإمام المعصوم من الناحية اللغوية تعني القائد المعرض عن الخطأ أو المرشد الذي لا يخطئ.
تناولنا في مقالة “ما هي العصمة؟ وما هو سبب عصمة الملائكة؟” ماهية العصمة وكيفية تحقيقها للملائكة، حيث أكدنا أنّ العصمة أو الابتعاد عن الخطيئة يكون في ظروف يتحقق فيها عدم ارتكاب الشخص للخطيئة و شددنا على أنّ الملائكة قد خُلِقوا من عقل محضٍ خالين من المستويات الوجودية الأخرى، مما يجعلهم غير قادرين على ارتكاب الخطيئة بسبب عدم وجود الوهم، إذ أن ارتكاب الخطيئة ينجم عن اختلاط العقل بالوهم وتأثير القوة الواهمة على القوة العقلية وبما أن الملائكة لا يمتلكون الوهم، فليس من الممكن اندماج القوة العاقلة في وجودهم مع الوهم.
ولكن هل يمكن أن تُعتبر عصمة الإمام من هذا النوع؟ هل يكون الإمام معصومًا لأنه ليس لديه قوة واهمة؟ سوف نصل إلى إجابة نهائية على هذا الإستفسار من خلال الرد على الأسئلة التي طرحناها.
هل المعصومية للإمام اختيارية؟
لدينا فهم بأن الإمام هو الظهور الكامل لصفات الله وأسمائه. ولكن كيف ظهرت هذه الصفات والأسماء في وجود الإمام؟ هل كان هذا الظهور والتجلي نتيجة غير إرادية وفقًا لإرادة الله، أم كان مكتسبًا بشكل آخر وناتجًا عن جهود المعصومين أنفسهم؟
يتعين علينا في شرح هذه النقطة، أن ندرك أننا جميعًا كبشر نحمل صفات الله وأسمائه بشكل كامل. كما أشرنا سابقًا، إننا نفخة من الوجود الإلهي، وهذا ما يجعل من الممكن ظهور وتجلي كل صفات الله في وجودنا. إنّ مجيئنا إلى الأرض هو لتحقيق هذه القدرات الإلهية والخصائص الإنسانية الفريدة، والاختلاف الوحيد بيننا وبين الإمام المعصوم هو أن هذه الأسماء والصفات قد تحققت في وجود الإمام.
لقد قام الإمام بتفعيل صفات الله في وجوده بشكل طوعي من خلال التحكم في المدخلات العقلية والسلوكية لذاته. ونتيجة لذلك، فإنه يشكل نموذجًا عمليًا مثالياً لنا للوصول إلى مرتبة التشابه مع الله في صفاته. في الواقع، إذا لم يكن للإمام اختيار في عصمته، فإنه لم يعد يكون نموذجا مناسبا لنا. حياة المعصومين وسيرتهم هي المسار الذي يمكننا من خلاله تحقيق مرتبة العصمة، وإذا كانت هذه الخاصية قد وجدت بطريقة غير طوعية ومنذ بداية الخلق في وجود أئمتنا، فإن كونهم نموذجًا قد يثير شكوكًا عامة ولن يكون بإمكانهم أن يكونوا معيارًا مناسبًا لتوجيهنا نحو هدف خلقنا.
يكمن السبب الفارق بين الأئمة والملائكة في أنّ الإمام المعصوم لديه حرية الاختيار لعصمته، مما يعني أن لديه القدرة على ارتكاب الخطيئة، لكنه اختار عدم الانجراف إلى الذنب. كانت لديه القدرة على ارتكاب خطأ على مستوى أعلى، ولكنه لم يقع في الخطأ أبداً. الحقيقة أنّ الإمام المعصوم يشكل نموذجًا بارزًا لتحقيق التوازن الإنساني، إذ أنه يحافظ دائمًا على هذا التوازن من خلال التحكم في مدخلاته والسيطرة على جوانب وجوده الأخرى. وبالتالي، فإنه يصبح نموذجًا يستلهمه الآخرون للنمو والسير في طريق الفهم الحقيقي لذواتهم حتى يصلوا إلى تحقيق التوازن الإنساني. هذا يعني أن الفرد تتسنى له فرصة الوصول إلى فهم شامل لحقيقة وجوده و يصدق نفسه كإنسان. نتيجة لذلك، فإنه الإنسان يُتاح له فهمًا صحيحًا لتأثيرات تصرفاته المتنوعة على النفس الاجتماعية. ولكن لماذا نحتاج إلى نموذج معصوم في رحلتنا نحو التشبّه بالله في صفاته وأسمائه؟
ما هو السبب الضروري واللازم على وجوب عصمة الإمام؟

تخيّل أنك مُصاب بمرض خطير يتطلب سلسلة من العلاجات والرعاية التي يجب أن تتم تحت إشراف طبيب ماهر. بعد فترة طويلة من البحث، تختار طبيبا وتعتمد على علاجه. إنك تستجيب إلى علاجه وتتبع التعليمات بانتظام، ولكنك عندما تعود للطبيب، تكتشف أنه قد غيّر طريقة علاجه، ويعترف بخجل أن جميع الرعايات التي قدمها لك كانت خاطئة، وعليك أن تبدأ العلاج من جديد وتحدث هذه الأحداث مرارًا وتكرارًا. هل ستستمر في مراجعة هذا الطبيب؟
إن الطبيب يتوجب عليه أن يكون ذا عصمة في مجال تخصصه وعلمه ومعرفته بالمعلومات الحديثة، حيث يمتنع عن الوقوع في الأخطاء والتحولات الخاطئة في الإجراءات التي يقوم بها وإلّا فإنه لن يكون خيارًا ملائمًا لتقديم العلاج وتقديم الرعاية للآخرين. تبرز هذه المسألة في كافة المهن والتخصصات، فعندما نلتجأ إلى الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات والفنون، نتوقع منهم أن يتّسموا بعصمة ما في مجال تخصصهم، أي أنهم يتجنبون الخطأ في إطار العلوم الحديثة. إذ أننا لا يمكننا قبول الأخطاء الناتجة عن نقص المعرفة وعدم تحديث الفرد المتخصص. حتى الأخطاء العفوية لا يُمكن قبولها نظرًا لأنها قد تسفر إلى أضرار لا يمكن تصحيحها.
نتيجة لما تم ذكره، يظهر لنا أن أي تخصص معين يقوم على درجات منخفضة من العصمة، وفي الأساس نحن نعتبر الشخص متخصصًا إذا سلك طريقًا معصومًا في مجال عمله، حيث يحاول تجنب الأخطاء إلى أقصى حد ممكن. إنّ الإمام المعصوم هو الذي يقود حياتنا كمتخصص، أي شخص مكلف بتوجيه حياتنا بأكملها من خلال توجيهاته المباشرة وغير المباشرة. وبناءً على ذلك، يجب على الإمام أن يكون مزودًا بمعرفة شاملة ومتخصصة في مجال تخصصه الذي يشمل فهم مصدر الحياة البشرية، وفهم الهدف النهائي وبنية النظام الأخروي، وفهم بنية الجسم، وفهم علاقة النفس بالجسم، وفهم العلاقة بين النفس والطبيعة(الدنيا). هذه المعرفة هي تخصصية بالكامل وليس من السهل على علم الإنسان استيعاب أي جزء منها، وبالتالي يكون هذا العلم حكرًا على الإمام.
عندما تواجه طبيبًا متخصصًا في صحة الرئتين وتكتشف أنه يدخن بنفسه، أو تعثر على حقيقة أن طبيب علاج السكري الخاص بك يعاني من زيادة وزن كبيرة بسبب ادمانه على الحلويات بينما يعاني من مرض السكري، فلابد وأن يثير ذلك بعض التساؤلات حول نظرتك له، ولكن هذا لا يعتبر مشكلة كبيرة بالنسبة لك، لأن أداؤه لهذه الأفعال لا يُلقي بظلال من الشك على اختصاصه. إذا كان الطبيب الذي اخترته لإجراء جراحة القلب يواجه تحديات في حياته الشخصية، أو إذا كان يواجه صعوبات مع أفراد عائلته، فإن ذلك لا يؤثر كثيرًا على ثقتك به، لأن تخصصه في جراحة القلب هو الذي دفعك إليه، وليس مشاكله الشخصية. ومع ذلك، إذا كان محللك النفسي أو طبيب النفس يعاني من مشاكل عائلية متعددة، فقد تجعلك هذه المشاكل تشك في مصداقيته وتمتنع عن قبول علمه، حيث أن تخصصه لم يكن حلاً لمشاكله الشخصية.
يُعتبر الإمام المعصوم إمامًا لجزءنا الوجودي الإنساني الذي يمتد ليشمل كل جوانب حياتنا، حيث يكون حاكمًا وسيدًا لجميع جوانب حياتنا. يعني ذلك أن إمامة الأئمة هي إمامة تشمل جميع مظاهر حياتنا، سواء في مواجهة المشكلات، أو التعامل مع القضايا، أو اتخاذ القرارات، أو بناء العلاقات، أو حتى توجيه الأفكار والتصرفات في جميع جوانب وجودنا. وبالتالي، لا يمكن ولا ينبغي أن يخطئ في أي من هذه الجوانب والأبعاد. بمعنى آخر، يظهر أن الشخص الوحيد الذي يستحق إمامة الجانب الإنساني من وجودنا هو من يكون متخصصًا ومعصومًا في جميع هذه الأبعاد، ويحرص على الابتعاد عن أي أداء خاطئ، حيث أن الحد الأدنى من الخطأ أو الانحراف في مسار الإمام المعصوم قد يضع حياتنا الأبدية في خطر، ويحرمنا من السعادة والحب. يظهر هذا المثال بوضوح الحاجة الماسة والواجب الكامل لعصمة الإمام بشكل عام.
استعرضنا في هذه المقالة الحاجة الملحة لاختيار الإمام المعصوم في العصمة، وتناولنا أسباب ضرورة عصمته وتخصصه. شرحنا أن الإمام المعصوم يشكل قدوتنا في اتباع طريقة حياة تشبه الله، وبالتالي ينبغي له اتخاذ هذا المسار باختياره لنتمكن من اتخاذه كإمام لنا بثقة في صلاحية أسلوب حياته. يعتبر الإمام المعصوم المتقدمًا في الإنسانية، إذ أن أسلوب حياته ي سيوجه جميع جوانب حياتنا، و تكفل لنا عصمته أن طريقته ستقودنا نحو الهدف بالتأكيد.
تعد عصمة الإمام أحد البنى الرياضية في الكون. ما هي وجهة نظرك حول هذا التدبير الإلهي لمسار الإنسان في الحياة؟ نرجو منك أن تشاركنا إلى أي حد استفدت من منهج الأئمة المعصومين عليهم السلام في مواجهة تحديات حياتك.