معيار سلامة القلب في نسبته الوجودية إلى الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)
يلجأ الإنسان في تفاصيل حياته اليومية إلى أدوات القياس كلّما أراد ضبط أمرٍ أو تقويمه: فالميزان لمعرفة الوزن، والساعة لتحديد الزمن، والمرآة لمراجعة المظهر. في هذه الأمثلة، تبرز قاعدةٌ واحدة تتكرّر على الدوام: حيثما حضرت «المقادير» حضرت معها ضرورةُ «القياس». وليس العالم، في جوهره، حشداً من وقائع عشوائية؛ بل تقوم بنيته على حدودٍ ومقادير ونِسَبٍ تضبط العلاقات وتُتيح إمكان التقييم.
إذا نقلنا هذا المنطق من دائرة الأشياء والظواهر الخارجية إلى ما هو أعمق، برز سؤالٌ أدقّ: ماذا عن حقيقة الإنسان؟ هل يمكن قياسها هي الأخرى بمعزلٍ عن جسده وسلوكه الظاهر؟ إن الجواب هنا لا يقتصر على كونه موقفًا أخلاقيًا؛ بل يفضي إلى نتيجةٍ أنطولوجية: فالكائن الذي يحيا في عالمٍ قائمٍ على المقدار لا بد أن يكون هو أيضًا قابلًا للتقويم والاختبار بما ينسجم مع مرتبته الوجودية. ومن ثمّ يعيش الإنسان، من البدء إلى المنتهى، في أفقٍ من المراجعة والتقويم، ويُطالَب بتحديد موقعه من هذا الأفق. وضمن هذا التصوّر، لا تعود «المحاسبة» مجرّد وصيةٍ تربوية؛ بل تصبح انتقالاً بالقياس من الخارج إلى الداخل، بحيث يراجع الإنسان مساره قبل أن تستقرّ النتائج وتُحسَم المصائر.
غير أنّ المحاسبة لا تقوم بلا معيار. فكما أنّ ميزاناً بلا تدريج لا يعطي وزناً، ومرآةً مكدّرة لا تعكس صورةً واضحة، كذلك يحتاج تقويم الباطن إلى «ميزان» يُميّز بين الصواب والخطأ، وبين النموّ والانحراف، وبين الصلاح والفساد. وقد قدّم القرآن معيار الوزن والحكم النهائي بوصفه «الحقّ»: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾.[1] وعليه، تتبلور إشكالية محورية في السؤال الآتي: كيف ينتقل «الحقّ» من كونه معنىً كليّاً إلى كونه معياراً فاعلاً وعمليّاً، يكشف نسبة الإنسان الواقعية إلى الحقيقة، لا مجرّد تصوّره الذاتي عن نفسه؟
وهنا تظهر عقدةٌ أمور: إذا كان الحقّ هو معيار القياس، فبأيّ شيءٍ يقيس الإنسان الحقّ ويفهمه في مقام العمل، كي لا تتحوّل محاسبة الباطن إلى مزاجٍ شخصي، أو تبريرٍ انتقائي، أو خداعٍ للذات؟ ولتجاوز النزعة الذهنية، لا بدّ أن يمتلك المعيار خصيصةً مزدوجة: أن يكون معرفياً يهدي إلى الطريق ويكشفها وأن يكون هدايتياً في الوقت نفسه يفتح إمكان الاتّباع وتصحيح المسار. ويكتمل هذا المعيار حين يصبح قابلاً للرجوع إليه في صلته بـ«وليّ الحقّ»؛ أي حين توجد مرجعيةٌ للهداية يغدو الحقّ في نسبته إليها أوضح، وأقرب إلى القياس، وأيسر متابعةً في الواقع.
ومن هذا الموضع يتّضح وجه الصلة بين بحث «القياس» وبين «القلب»، ثم بين الإنسان وبين الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): فإذا كان موضع التقييم الأعمق في الإنسان هو القلب، فإنّ موضوع القياس الحقيقي هو نسبة هذا القلب إلى الحقّ وإلى محور الهداية.
منطق التقييم في نظام التكوين
يستند الكون في قيامه إلى نظامٍ هندسيّ دقيق؛ حيث لا يخرج كائنٌ فيه عن «القدر» والحَدّ والنسب الثابتة. ومن مقتضيات هذه البنية الوجودية أن يكون كلُّ ما له «قَدَرٌ» قابلاً للقياس والتقويم؛ فالتدقيق في هذا المنظور ليس مجرّد إجراءٍ عارض أو تواضعٍ بشريّ صِرف، بل هو حقيقةٌ تنبثق من صميم البناء التكويني. فحين توضع الموجودات في إطار التقدير، تصبح «القابلية للتقييم» صفةً ملازمةً لذات ذلك التركيب.
والإنسان ليس بمعزلٍ عن هذه القاعدة الكونية؛ بل هو ـ بوصفه كائناً يمتلك الإرادة ويتحمّل المسؤوليةـ الأكثر التصاقاً بضرورة القياس والارتباط بالميزان. ولما كان الاختيار يفتح الآفاق للسموّ كما يفتحها للانحراف، برزت «المحاسبة» بوصفها ضرورةً عقليةً وجودية؛ إذ يتحتّم على الإنسان رصد اتجاه حركته وجودة مساره باستمرار، كي لا تتحول خياراته العابرة إلى انحرافاتٍ متجذرة. وفي هذا الأفق تحديداً، تتجلى الحكمة العميقة الكامنة في وصية الإمام الكاظم (عليه السلام)[2] بوجوب محاسبة النفس؛ فالمحاسبة في جوهرها هي محاولةٌ لمواءمة الحياة الفردية مع المنطق الساري في ملكوت الخلق: منطق المقدار والنسبة والميزان.
ميزان الحق ومعيار التقويم الباطني
يستوجب ما سبق سؤالاً جوهرياً: ما هو المعيار الذي ينضبط به هذا التقييم؟ فالإنسان في دائرة الحواس يهرع إلى «المرآة» ليرى صورته الظاهرة ويقوّم عيوبها، مما يؤكد أن أيّ تقويمٍ يفتقر إلى معيارٍ جليّ سيؤول حتماً إلى ضربٍ من الظنون والأوهام. وبذات المنطق، لا يمكن كشف الحقائق الباطنية وسبر أغوار النفس دون امتثالٍ لـ «ميزانٍ» دقيق؛ فكما أن للعالم المحسوس أدوات قياسه، فإن لعالم النفس موازينه التي تليق برتبته.
لقد حدّد القرآن الكريم معيار القياس النهائي في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾.[3] وتكمن عبقرية هذا البيان في كونه ينزع عملية التقييم من أيدي أمزجة شخصية، أو أهواء فردية، أو إملاءات بيئية، ليربطها بحقيقةٍ صلبةٍ ومطلقة. غير أن «الحقَّ» ـ كمفهومٍ كليّ ـ يظلّ بحاجةٍ إلى التجسّد في مِلاكٍ واقعيّ يمكن الرجوع إليه في معترك الحياة؛ وإلا فقد يسقط الإنسان في فخّ «تأليه الذات» باسم الحقّ، فيُضفي قدسيةً على رغباته الخاصة. ومن هنا، يفضي البحث في ماهية الحقّ تلقائياً إلى البحث في «مرجعية الهداية»؛ حيث لا يعود الحقُّ مجرّد عنوانٍ ذهني، بل يتجلى كمنهاجٍ حيّ للتمييز، ومعيارٍ للإصلاح.
وهذا يقودنا إلى لبّ الموضوع؛ فإذا كان «الحق» هو المعيار الذي يُقاس به كل شيء، فمن الضروري أن نحدّد أين يتجلّى هذا المعيار في حياة الإنسان، وأين يقع مجال الاختبار والتقويم الحقيقي
سلامةُ القلب وموقعُه في حقيقة الإنسان
تتجلّى حقيقة الإنسان في «قلبه». وليس المراد بهذا التعبير مجرد الإشارة إلى عضوٍ من أعضاء الجسد، بل إلى المركز الباطني الذي تستقرّ فيه مختلف مراتبه الوجودية ـ من الميول الحيوية إلى الإدراكات والقرارات ـ لتغدو «هويةً» راسخة. فالقلب بهذا المعنى ليس جزءاً إلى جانب أجزاء، بل هو محور تكتسب فيه توجّهات الإنسان وتعلّقاته واختياراته صورتها النهائية؛ ومن ثمّ فإن التقويم الأخير للإنسان إنما يتجه إلى هذا الموضع الأصيل.
وعند تقويم الإنسان، لا يكون العمر أو الجنس أو كثرة العبادات أو حجم المعرفة معياراً حاسماً في ذاته؛ فهذه الأمور لا تخلو من قيمة، غير أن قيمتها الحقيقية تتوقف على مقدار ما تتركه من أثر في القلب. فقد يكثر الفعل الظاهر من غير أن يستقرّ في مركز الوجود، ولا يتحوّل إلى قوةٍ موجهة. لذلك يكون الحكم النهائي على الإنسان حكماً على باطنه لا على الصورة الخارجية لحياته. وفي هذا الإطار تغدو «سلامة القلب» قضيةً تأسيسية؛ إذ إن صلاح هذا الموضع أو فساده يحدّد مآل الوجود الإنساني كلّه.
وإذا كان القلب هو محلّ التقويم، وكان معيار التقويم هو «الحق»، فإن سلامة القلب تعني قابليته لرؤية الحق وقبوله واتباعه. غير أن الحق في الحياة الإنسانية لا بد أن يُعرَف ويُتَابَع على نحوٍ يعصم من الوهم وتبرير الذات. وهنا تتضح أهميةُ نسبة القلب إلى «محور الهداية»؛ لأن محور الهداية يمثّل مقياساً خارجياً مُنقِذاً من الانغلاق في الذاتية. وبذلك يتأسس معنى سلامة القلب على مقدار ما يقيمه الإنسان من نسبةٍ قلبيةٍ مع إمام زمانه؛ نسبةٌ تصلح أن تكون معياراً للتمييز، وأداةً للإصلاح، وضماناً للاستمرار في طريق الحق.
ويشهد لهذا المعنى الحديثُ المعروف: «مَن ماتَ ولم يَعرِف إمامَ زمانِهِ ماتَ ميتةً جاهلية».[4] فالمقصود من هذه المعرفة ليس حفظ الاسم والنسب وبعض المعلومات التاريخية؛ لأن هذا اللون من العلم لا يغيّر بالضرورة علاقة الإنسان بالهداية. إن المعرفة الحقيقية لا تتمّ إلا حين تتحول إلى «علاقة» تنظّم وجهة الحياة، وتقرّب الإنسان في قراراته وتفضيلاته ونمط عيشه من محور الحق. من هذا المنظور، فإن الجهل بالإمام ليس مجرد نقصٍ معرفي، بل هو علامةُ انقطاعٍ عن مركز الهداية؛ انقطاعٌ يعرّض القلب لمعايير بديلة وأحكام متقلبة. لذلك تُقاس سلامة القلب ـ ضمن هذا المنطق ـ بدرجة اتصال الإنسان بإمام زمانه؛ لأن هذا الاتصال ينقل نسبة القلب إلى الحق من مستوى الادّعاء إلى حالةٍ قابلةٍ للتقييم وقابلةٍ للتصحيح.
من نتائج هذه النسبة ما يتصل بالخلاص من «جحيم النفس». فالإنسان ليس متلقياً لآثار أفعاله فحسب، بل هو صانعُ حالته الداخلية؛ وكلما ابتعدت النفس عن الحق ازداد القلق والاضطراب والتنازع الداخلي، بما يشبه ناراً تعمل في الداخل. وعلى العكس، كلما اقتربت النفس من الحقيقة ونالت طمأنينتها تهيأت أسباب إخماد تلك النار. ومن هذه الزاوية لا تُعدّ العلاقة بالإمام إضافةً خارجية إلى الحياة، بل قد تعيد تشكيل البنية الداخلية للإنسان، وتنقل مسار النفس من التهيّج إلى الاطمئنان؛ وهنا تتبدّى سلامة القلب بمعناها الواقعي والعملي القابل للملاحظة.
وفي السياق نفسه تكتسب «الشفاعة» معنىً بنيوياً لا صفةَ امتيازٍ تشريفيّ. فالشفاعة لا تتحقق إلا إذا كان الإنسان يملك قابليةَ تلقيها؛ لأن الصلة بوليّ الله ليست عنواناً مجرداً، بل تُحدث في القلب كيفيةً بعينها: قابليةَ القبول، والاستعداد للمرافقة، والنزوع إلى الحق. أمّا من لم يبنِ في الدنيا أيّ نسبةٍ فعلية بمحور الهداية وظلّ بعيداً عنه، فقد يعيد إنتاج هذا الانفصال في الآخرة ويرفض الشفاعة. وعليه فإن قابلية الشفاعة تعود إلى «حال القلب»، وفي هذا الإطار تكون سلامة القلب هي الموضع الذي تتكوّن فيه تلك القابلية.
ومن جهةٍ أخرى يمكن النظر إلى الإمام المهدي عليه السلام بوصفه «مرآة»؛ لا على سبيل التشبيه الأدبي وحده، بل باعتباره آليةً للتقويم. فكما تنقذ المرآةُ الظاهرَ من خطأ النظر والوهم، كذلك يستطيع محورُ الهداية أن يصون الباطنَ من خداع النفس: إذ يدرك الإنسان بالرجوع إلى معيارٍ حيّ للهداية أين يقف من الطريق، وما الذي عدّه حقاً، وأين يحتاج إلى تصحيح. وهكذا يتجاوز ارتباط القلب بالإمام مجرد التعلّق العاطفي، ليغدو أداةً للقياس والمراجعة والإصلاح.
خلاصة الأمر أن العلاقة السليمة بالإمام المهدي عليه السلام لا تؤدي وظيفةً سلبية فحسب ـ أي منع السقوط ـ بل تؤدي وظيفةً إيجابية أيضاً: فهي تكشف اتجاه النمو وتفتح إمكان الارتقاء. وعليه فسلامة القلب ليست مجرد براءةٍ من الفساد، بل هي كذلك قابليةٌ للانتقال إلى مراتب أعلى.
سلامة القلب وثروة الإنسان الحقيقية
لا تتمثل ثروة الإنسان الحقيقية في مجرد عبادات ظاهرة، ولا في مجموع فضائل سلوكية متفرقة، بل في مقدار ما تنفذ تلك الكمالات إلى قلبه، وما تُنتجه في باطنه من أثر. ومن هنا تتضح العلاقة بين الظاهر والباطن: فالأعمال والمراتب الخارجية لا تكتسب قيمتها النهائية إلا حين تستقر في القلب وتشارك في صياغة الصورة الحقيقية للإنسان. لذلك تكون سلامة القلب هي المعيار الذي تتحول به الأفعال من مجرد ممارسة عابرة إلى رصيد وجودي ثابت؛ أي من مستوى «الفعل» إلى مستوى «التكوّن» أو «الصیرورة».
في هذا الضوء يمكن فهم الفرق بين نماذج مثل الحُرّ والزبير؛ فالقضية لا تتعلق بالمقال السابقات ولا بالمظهر الخارجي وحده، بل بنوعية الباطن وما يختزنه القلب من رصيد حقيقي. وقد تكشف لحظةٌ واحدة ما استقر في الداخل، فتغيّر مسار الإنسان كله؛ إذ يتبين عندئذٍ ما الذي كان يحكم اختياراته وتفضيلاته في العمق. من هنا أيضاً قدّم القرآن «القلب السليم» بوصفه المعيار الأخير، في اليوم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. وبهذا المعنى تغدو سلامة القلب خلاصةَ البحث كلّه؛ لأنها معيار التقييم، وأساس قابلية الشفاعة، وحقيقة ما يملكه الإنسان في نهاية المطاف.
والكون قائمٌ على التقدير والقياس، والإنسان يُفهَم في إطار هذا النظام نفسه. وإذا كان تقييم الإنسان يجري بميزان الحق، فإن الموضع الرئيس لهذا التقييم هو قلبه؛ لأن حقيقة الإنسان تتركز فيه. ومن هنا تكتسب نسبة القلب إلى صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أهميتها الأساسية؛ إذ تصبح سلامة القلب مرتبطةً بمقدار معرفة الإنسان بإمام زمانه، وصلته به، وسيره في هديه. فهذه العلاقة لا تحول دون فساد الباطن فحسب، بل تهيئ أيضاً لأفول جحيم النفس، وتفتح باب الشفاعة، وتمهّد طريق الارتقاء في مراتب الكمال. وفي نهاية الأمر، فإن الذي يبقى من الإنسان ويقوم عليه ميزان قيمته ليس التراكم الظاهري للأعمال، بل سلامة القلب وبلوغ مرتبة القلب السليم.
[1] الآیة 8 من سورة الاعراف
[2] «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَه: (الکافی، ج2، ص453)
[3] سورة الأعراف ، الآية 8
[4]. الکافی، ج2، ص20
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.
