كيف تتحقّق مرافقة الإمام ومعيّته؟ وما علاقة المعية بالمودّة؟
في الدروس المقال السابقة تعرّفنا على مفهوم المحبّة والمودّة تجاه أهل البيت عليهم السلام. إنّ فهم معنى المودّة يعرّفنا بواجباتنا ولوازم ارتباطنا بالمعصوم عليه السلام، ويجعل ثمار سلوكنا تجاهه سليمةً إلى حدٍّ كبير. ومن الضروري الالتفات إلى أنّ علاقة مفعمة بالمودة تُعدُّ مقدمة ضرورية لبلوغ الهدف الإنساني الأسمى. تتمثل غايتنا من هذه العلاقة في التشبه بصفات الله سبحانه، واكتساب منزلة الخلافة الإلهية، والارتقاء إلى مقام المرافقة مع الإمام ومعيته؛ وكل هذه مراتب تُعدّ من الآثار المباشرة للمودة الصادقة والتضحية في سبيل الإمام.
ومع ذلك، إن الوصول إلى مقام المرافقة مع الإمام ومعيته، الذي يسفر عن تحقيق التساوي في المرتبة الوجودية (المقام المحمود)، ليس أمراً هيناً. هذا المقام، رغم جاذبيته العظيمة، يتطلب أقصى درجات المراقبة والاحتراس، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بنوع المحبة والأشواق التي نُغذي بها قلوبنا؛ فبغض النظر عن ادعاءاتنا ورغباتنا، فإننا سنُحشر ونُرافق ما ارتبطت به قلوبنا وأحببناه بصدق! وعليه، فإن مرافقة الإمام تستلزم مواءمة أولويات الحياة وتوجيه اهتمامات القلب بما يتفق مع هذه المعيّة والمرافقة.
تتحدد قيمة الإنسان في جوهرها بـالمحبوب الذي يختاره لنفسه، وفي نهاية المطاف، سيُحشر مع ما صببنا عليه اهتماماتنا وجهودنا. نحن من نحدد مصيرنا: إما مرافقة شخص تكمن سعادتنا الدنيوية والأخروية في التشبه به وقبول تربيته، أو مرافقة أمور متعلقة بكمالاتنا الدنيا (سواء كانت جمادية، أو نباتية، أو حيوانية، أو حتى عقلية محدودة)، والتي ينتهي عمرها بانتهاء أجلنا في هذه الحياة.
فالإنسان في جوهره تُقاس قيمته بمحبوب يختاره لنفسه؛ وفي نهاية المطاف، سنُحشر مع ما شغل همومنا ووجداننا. ونحن من نقرّر: هل تكون مرافقتنا لمن تُعَدّ سعادتنا الدنيوية والأخروية رهينةً بالتشبّه به وقبول تربيته، أم تكون مرافقتنا لأمور متعلّقة بكمالاتنا المادّية أو النباتية أو الحيوانية أو حتى العقلية التي ينتهي عمرها بانتهاء حياتنا الدنيوية؟
هنا ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا القرار لا يتعلّق بدنيانا وحدها، بل يُلقي بظلاله على حياتنا الأبدية كذلك؛ فكما أشرنا سابقًا، دنيانا هي التي تُعدّ أدوات ومعطيات حياتنا الآخرة. ومن ثَمّ، فإنّ بلوغ المرافقة والمعية مع الإمام في الآخرة مشروطٌ بتحقّق المصاحبة له في الدنيا. في هذا الدرس نهدف إلى بيان أهميّة المرافقة مع الإمام ومعيته، وذكر لوازم هذه المعية وشروطها.
الحاجة إلى معية الإمام
مع أنّ سعادتنا الأبدية تتشكّل في ظلّ بلوغ المرافقة مع الإمام ومعيته، فإنّه من الواضح أنّ قلّةً قليلة فقط هم الذين يصلون إلى مثل هذا المقام والرتبة؛ لأنّ إدراك الحاجة إلى مرافقة الإمام، والعمل وفق رغباته، يتطلّب في خطوته الأولى وعيًا بمراتب وجودنا. فطالما كنّا نُعرِّف أنفسنا على أنّنا مجرّد وجود مادّي، ولا نملك إدراكًا لوجودنا اللامتناهي والمسار الأبدي الممتدّ أمامنا، فلن نفهم ضرورة اتّباع ذلك المتخصّص الوحيد الذي يمتلك صلاحية هدايتنا في هذا الطريق.
وطالما كنّا نجهل هدف خلقنا، ولا نشعر بالحاجة إلى التشبّه بصفات مربّينا وهو الله، فلن نشعر بحاجتنا إلى أسوة كاملة تقودنا إلى الله. لذلك، فإنّ إدراكنا لضرورة وجود الإمام، ولزوم بلوغ مقام المرافقة والمعية معه، متوقّف قبل كلّ شيء على معرفتنا الصحيحة بأنفسنا.
إنّ قِصَر أعمارنا في مقابل ثِقَل الطريق الأبدي الممتدّ أمامنا ينزع منّا أيّ فرصة للتساهل أو الغفلة عن اكتساب هذه المعرفة، ويدفعنا دفعًا إلى المبادرة والإسراع ونيل السبق في طريق المرافقة والمعية مع الإمام الذي ترتبط به سعادتنا الأبدية ونجاتنا المطلقة.
المعیّة نتيجة المودّة
إنّ الوصول إلى مقام مودّة الإمام مسارٌ تدرّجيّ، لا يتحقق دفعة واحدة؛ لا شك أن هذا الطريق يحتوي على مراتب ومقدمات، ولا يقتصر أبداً على مجرد عاطفة سطحية ومُهملة، حتى وإن ظهر لنا جزء من هذا السير فجأة.
فالمحبّة، إذا بلغت كمالها وامتدّت لتشمل أفعالنا، تتحوّل إلى المودّة وهي التي تدفعنا إلى التضحية والفداء والعمل الجاد من أجل تحقيق رغبات الإمام. وفي استمرار هذا المسار، تتجسد حالة المرافقة مع الإمام ومعيته؛ وهي نقطة يتحول فيها الارتباط القلبي إلى ارتباط وجودي حقيقي.غير أنّ ثَمّة موانع وآفاتٍ دائمة تعترض السير نحو المودّة الصادقة، فتبعدنا عن نيل مقام المعیّة، وهي تلك التي تشغل نفوسنا بكمالات دنيويّة وهموم حيوانيّة، فتمنع مودّة الإمام من أن تتصدّر سلّم أولويّاتنا.
إن المودة الحقيقية ليست مجرد إحساس قلبي، بل هي حقيقة وجودية تُغير نظرتنا واختياراتنا، وتُسيطر على كل أبعاد حياتنا. فمن بلغ هذه المرحلة، يرى الإمام حاضراً ليس فقط في الجانب الروحي، بل في صلب حياته اليومية، ويكون مستعداً لتقديم كل ما يملك في سبيله. وبقدر إدراكنا لحضور الإمام في كل تفاصيل الحياة واستعدادنا للتضحية من أجله، سنبلغ مقام المعيّة، فالمعيّة هي العيش في ظل حضور الإمام، والتناغم مع إرادته في كل لحظة.
والمودّة لأهل البيت عليهم السلام تعني التشبّه بهم والاقتراب من ساحتهم؛ فمن كان قلبه يعيش على الدوام في جوار الإمام، عُدَّ من أنصاره، ورحل عن الدنيا في ركابه، ولو لم يُقدّر له أن يحظى برؤيته الظاهريّة يومًا.
الحشر مع الإمام
إنّ بلوغ مودّة الإمام يتجاوز حدود المحبّة السطحيّة والظاهريّة، إذ ينبغي أن يقودنا إلى العمل لتحقيق مراد الإمام. وأمّا توقّع الوصول إلى مقام المعیّة والرفقة مع الإمام مع تبني نمط حياة متأثر بالطبيعة الغريزية والبهيمية، ليس سوى وهم باطل. فلا يحقّ لأحدٍ أن يعدّ نفسه رفيقًا للإمام أو نظيرًا له في الدرجة، ما لم يوصل مراتب هذه المرافقة في درجاتها الأدنى إلى الكمال، وما لم يضبط همومه ورغباته وفق مشيئة المعصوم. إنّ المرافقة الحقيقية للإمام لا تتحقّق من دون تحمّل المشقّات التي تستلزمها هذه الرفقة، كما أنّ ادّعاء المعیّة دون المشاركة في قرارات المعصوم وبرنامجه لا طائل منه. فالمعیّة مع الإمام تعني مواءمة التقديرات مع تقديراته، وهو ما يتطلّب في خطوته الأولى التقارب مع رغبات الإمام ورؤيته للعالم. ولن يبلغ الإنسان مقام الرفقة والمعیّة إلاّ من طريق القرب والتماثل معه، وباختصار: من طريق السنخيّة مع الإمام.
وعليه، فإن المعيّة والمرافقة مع الإمام، الذي هو مظهر الرحمانية، والكرم، والعدل، وسائر أسماء وصفات الله اللامتناهية، لا يمكن أن تتحقق بالتزامن مع الغضب أو الحقد أو سوء الخُلُق أو الظلم؛ بل هو مجرد تصور فاسد.
قمنا في هذا الدرس بمفهوم الرفقة والمعیّة مع الإمام، وبيّنّا أنّ الوصول إلى هذا المقام متوقّف على امتلاك صورة دقيقة عن ذواتنا. و إنّ المعیّة تُعدّ من ثمرات المودّة للإمام، وهي التي تُحدّد موقع الإنسان في الأبديّة. كما تطرّقنا إلى دور الحبّ وضبط نمط الحياة وفق رغبات الإمام في نيل المعیّة، وخلصنا إلى أنّ الإنسان في نهاية المطاف يُحشَر مع ما أحبّه وأخلص له.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.