مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

كسر حاجز وحدة الولي؛ تأمل في منطق التعاطف والوفاء

تخيّل طائرًا صغيرًا عالقًا داخل القشرة الصلبة لبيضة. تتوقّف حياته بأكملها على فعلٍ مصيري واحد: كسر هذا الحصار والخروج إلى عالمٍ أوسع. ولكن، إذا أخذ ينقر القشرة في مواضع متفرقة، فإنه ــ على الرغم من استهلاكه قدرًا كبيرًا من الطاقة ــ لن ينجح أبدًا في الخروج، بل سينتهي به الأمر إلى الهلاك بسبب الإرهاق ونقص الأكسجين. أمّا إذا ركّز كل طاقته المحدودة على نقطة واحدة محددة، وواصل توجيه ضربات متتابعة إليها كما يفعل المثقاب، فإن القشرة ستتشقق، وتبدأ بذلك حياته الجديدة.

هذا المثال يُجسّد حال البشرية في عصر الغيبة. فغيبة الإمام المهدي عليه السلام ليست قدرًا إلهيًا ثابتًا لا يقبل التغيير، وإنما هي حصار نشأ نتيجة تشتت الإرادات وتفرّق الطاقات. وللخروج من سجن العالم الخالي من حضور الإمام، نحن بحاجة إلى إعادة تنظيم أنشطتنا وتوجيهها. فكثيرٌ منا يبذل طاقات هائلة في ميادين دينية واجتماعية وثقافية متعددة، إلا أن هذه الطاقات، ما دامت غير متناسقة وغير متركزة على الشروط الأساسية للظهور، فإنها لن تؤدي إلى النتيجة المنشودة، وهي تحقق الظهور.

وقد بيّن الإمام المهدي عليه السلام، في كلامٍ صريح، أن التعجيل بالظهور يتوقف على شرطين أساسيين فحسب: التعاطف والتآلف، والوفاء. ومن دون هذين الشرطين، قد تتحول حتى أكثر الأعمال قداسةً، كإقامة مجالس العزاء أو الاشتغال بالدراسات الدينية، من وسائل تمهّد للظهور إلى أسبابٍ للغفلة عن «حسين زماننا». ومن هنا يتضح أن المفتاح الحقيقي لهذه المسيرة يكمن في بناء منظومة الوفاء وترسيخها في البنية الفردية والجماعية للمنتظرين.

من العهد القرآني إلى السلوك الإنساني

لا يُعدّ الوفاء مجرد خُلُقٍ حسن، بل هو مبدأٌ أساسي في تكوين شخصية الإنسان وفي مسيرته نحو الكمال. فقد صنّف القرآن الكريم المؤمنين، في آيةٍ مؤثرة، إلى فئتين: فئةٌ أوفت بعهدها حتى نالت الشهادة، وفئةٌ ما زالت تنتظر، لكنها لم تبدّل عهدها ولم تخن وفاءها.[1] وتعلّمنا هذه الآية أن الإيمان، إذا خلا من الوفاء بالعهد، يصبح إيمانًا هشًّا لا ثبات له. وعند تحليل مفهوم بناء منظومة الوفاء، ينبغي الالتفات إلى أن الوفاء يعني الثبات الدائم على الالتزامات تجاه الله تعالى وخليفته في الأرض. وهذه الخصلة تبلغ من الأهمية حدًّا جعلها في واقعة كربلاء الفاصل الحقيقي بين طريق النجاة وطريق الهلاك.

فقد اجتمع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، رغم التفاوت الكبير بينهم في مستوى المعرفة الدينية والسوابق العبادية، على قاسمٍ مشترك واحد، هو الوفاء. فمن وهب النصراني، الذي كان حديث العهد بالإسلام، إلى أبي الفضل العباس عليه السلام، الذي يمثل قمة المعرفة والإيمان، كان الجميع يشتركون في هذا الأصل الجوهري.

وفي المقابل، فإن أشخاصًا مثل الشمر، رغم ما كان لهم من تاريخ طويل في صفوف جبهة الحق، وما امتلكوه من معرفة بالرواية والحديث، وقفوا في اللحظة الحاسمة في مواجهة الإمام؛ لأنهم افتقدوا البنية الأساسية للوفاء. وهكذا يتبين أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن الفيصل الحقيقي في لحظات الاختبار هو رسوخ الوفاء والثبات على العهد.

التعاطف؛ المكمّل الذي لا غنى عنه للوفاء

على الرغم من أن الوفاء شرطٌ أساسي، فإنه وحده لا يكفي. فالتاريخ يشهد بأنه حتى لو وُجد آلاف الأفراد الأوفياء، لكنهم افتقدوا إلى التعاطف ووحدة القلوب، فإن وليَّ الله سيبقى وحيدًا. لقد أرسل أهل الكوفة آلاف رسائل الدعوة للإمام، إلا أن غياب التعاطف والعمل الجماعي المنظم بينهم أدى في النهاية إلى أن لا يبقى سوى ما بين اثنين وسبعين إلى مئةٍ وخمسين شخصًا من الأوفياء الحقيقيين. وكان غياب التعاطف أحد الأسباب التي أفضت إلى إقصاء الإمام الحسين عليه السلام عن موقعه الشرعي.

والتعاطف يعني أن يجتمع الناس إلى جانب بعضهم بعضًا، وأن يتعاونوا بإخلاصٍ وصدقٍ في سبيل نصرة الإمام. ووفقًا للوعد القرآني، فإن اجتمع عشرون من الصابرين المتعاطفين، غلبوا مئتين.[2] وهذا يدل على أن التعاطف يضاعف أثر الجهود ويمنحها البركة. ومن هنا، فإن مسار بناء منظومة الوفاء يقتضي أن يتجاوز الإنسان نزعة الفردية، وأن يسعى داخل المؤسسات الاجتماعية، كالمساجد، والهيئات، وأماكن العمل، إلى إيجاد أرضية حقيقية للتمهيد للظهور.

تشخيص مظاهر القداسة الزائفة والغفلات الخفية

من أدق المباحث في طريق التمهيد للظهور معرفةُ العوائق التي تتخفّى في صورة أعمال صالحة. فكل عملٍ أو فكرةٍ تُبعد الإنسان عن تذكّر الإمام المهدي عليه السلام وتُورثه الغفلة عنه، تُعدّ لونًا من ألوان عدم الوفاء، حتى وإن كان ذلك العمل في ظاهره من الأعمال المقدسة، كإقامة مجالس العزاء. فإذا كان بكاؤنا على الإمام الحسين عليه السلام، شهيد سنة 61 للهجرة، يجعلنا غير مبالين بغربة الإمام الحاضر ومعاناته، فإننا نكون قد انحرفنا عن الطريق الصحيح.

وفي عصرنا الحاضر، نشهد إنفاق مليارات الأموال على بعض المناسبات الدينية، يصل قسمٌ منها إلى حدّ الإسراف، في الوقت الذي لا يزال فيه الإمام المهدي عليه السلام يعيش غيبةً طويلة. إذا لم تجعل وسائل الإعلام، والسينما، والحوزات العلمية، والمؤسسات الثقافية، القضية المهدوية وإزالة موانع الظهور محورًا رئيسًا لأنشطتها، فإنها تكون قد بددت طاقات المجتمع في مجالات لا تمثل الأولوية. ومن مقتضيات بناء منظومة الوفاء أن ننظر حتى إلى الوسائل العبادية، كالصلاة، والصيام، والزيارة، بوصفها وسائل لاكتساب خُلُق الوفاء وترسيخه، لا بوصفها غايات نهائية في حد ذاتها.

التقوى وصلتها بالوفاء

يمكن اعتبار عدم الوفاء من أعظم صور انعدام التقوى؛ فالإنسان يستجلب من الخيرات والبركات الإلهية بقدر ما يحمل في قلبه من وفاء. غير أنّ الشهوات والرغبات، كحبّ المنصب العلمي، أو التطلّع إلى الشهرة، أو السعي إلى الرئاسة، أو التعلّق بالمكانة الاجتماعية، بل وحتى التعلّقات العاطفية والمالية المفرطة، قد تضعف الوفاء في النفس وتستنزف جذوره شيئًا فشيئًا.

ولكي يظلّ الإنسان إلى جانب الإمام، لا بدّ له أن يتجاوز همومه الصغيرة وانشغالاته الدنيوية، وأن يرتقي إلى الهمّ الأكبر: همّ غربة الإمام ووحدته. وهذا الهمّ يختلف عن هموم الدنيا التي تثقل النفس وتورثها الضيق والكآبة؛ فهو همٌّ يمنح الإنسان السكينة والطمأنينة والبركة، لأنه يربط قلبه بمصدر القدرة الإلهية.

ومن هنا تتجلّى أهمية بناء منظومة الوفاء في حياة الإنسان؛ فهي تعينه على إعادة ترتيب أولويات قلبه، ومراجعة ما يستأثر بالمكانة الأولى فيه.

ومن أبرز الأمثلة على بلوغ نصرة الله بفضل التحلّي بالتعاطف والوفاء، التجربة التاريخية للثورة الإسلامية في إيران؛ فهي نموذج حيّ وملموس لتحقّق شروط الظهور على نطاق وطني. ففي بدايات نهضة الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، لم يكن الوفاء والتعاطف الشعبي قد بلغا المستوى المنشود، وكان عدد الشهداء في السنوات الأولى محدودًا. غير أنّ الجهود التي بذلتها شبكة علماء الدين على مدى خمسة عشر عامًا في بيان المعارف وتعميق الوعي، أسهمت في بلوغ الناس مستوى رفيعًا من التعاطف والوفاء تجاه نائب الإمام المهدي عليه السلام. وكانت الثمرة الطبيعية لهذا التحوّل أن عاد الإمام إلى أحضان شعبه عودةً مظفّرة.
ويكشف هذا النموذج أنّ الله تعالى، متى رأى في شعبٍ وفاءً وتعاطفًا، غيّر تقديره فيهم وفتح لهم أبواب النصر. وقد أثبت الشعب الإيراني، خلال العقود الأربعة الماضية، وفي خضمّ الحرب المفروضة، أنّه في وفائه قد فاق أهل الحجاز في عهد رسول الله، وأهل الكوفة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام. وهذه الخصلة بالذات هي التي تضاعف الأمل في الظهور. ومع ذلك، فإنّ بلوغ تلك اللحظة الفاصلة والنهائية يقتضي أن نوسّع هندسة الوفاء من نطاقها الوطني إلى نطاق عالمي وحضاري.

دور الصبر والثبات في معية الإمام

لقد جعل الإمام الحسين عليه السلام شرطَ المرافقة والثبات معه «الصبر على حدِّ السيوف وطعنات الرماح». فالوفاء من دون الصبر لا يمكن أن يدوم؛ إذ إنّ كثيرًا من الناس ينطلقون في بداية الطريق بحماس وشوق، لكنهم ما إن يواجهوا الصعوبات أو العقوبات أو الضغوط الاجتماعية، حتى يغيّروا عهدهم ويتراجعوا عنه. إنّ الصبر هو العمود الفقري للوفاء، وبه يثبت العهد أمام تقلّبات الطريق واشتداد المحن.

وفي مسار بناء الوفاء وترسيخه، ينبغي أن ندرك أنّ الصبر ليس مجرّد تحمّلٍ سلبيّ لما يقع على الإنسان، بل هو ثباتٌ فاعلٌ وتمسّكٌ واعٍ بالعهد مهما اشتدّت التحديات. وقد كانت نساء كربلاء، وفي مسيرتهنّ بعد الواقعة وصولًا إلى المدينة، نموذجًا رفيعًا لهذا الصبر والوفاء.

بناء منظومة عملية لنصرة الإمام في الحياة اليومية

كيف يمكن لنا أن نكون، في حياتنا اليومية، جزءًا من مشروع هندسة الوفاء؟ يكمن الجواب في إعادة تعريف أنشطتنا الفردية والاجتماعية. فالطالب، والموظف، وطالب العلوم الدينية، والفنان، ينبغي لكل واحد منهم أن يسأل نفسه: أين يقع عملي في مسار التمهيد لظهور الإمام؟ فإذا لم تكن الأنشطة الثقافية في المؤسسات، والهيئات، والمساجد، موجَّهة إلى إزالة موانع الظهور، وإقامة أعظم معروف في المجتمع، وهو التمهيد لحاكمية وليّ الله، فلن تكون أنشطةً مباركة على حقيقتها.

إن الوفاء يعني مقاومة كل ما يصرفنا عن ذكر وليّ نعمتنا ويغفلنا عنه. ولذلك ينبغي أن نحرص على ألا نكون مجرد متفرجين في مجالات المسرح، والسينما، والإعلام، وحتى التأليف والكتابة، بل أن نتحول إلى فاعلين يستهدفون تحطيم أسوار الغيبة. وما دام المشروع الثقافي المعادي أكثر تأثيرًا وتنظيمًا، وينتج مئات الأعمال السينمائية والإعلامية المناهضة لعقيدة المهدوية، بينما نبقى نحن في دائرة الصمت أو الجهود المتفرقة غير المنسقة، فإن الغيبة ستستمر.

الظهور ثمرة الوفاء المتكاتف

إن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ليس حادثةً عشوائية أو واقعةً تاريخيةً تقع من تلقاء نفسها، بل هو استجابة إلهية للتحول الذي يطرأ على واقع الإنسان الداخلي. وكما ورد في رسالة الإمام إلى الشيخ المفيد، فإنه لو كان الشيعة متكاتفين في الوفاء بعهدهم، لما تأخرت عنهم سعادة لقائه.

ومن أجل تحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى نهضة في هندسة الوفاء؛ نهضة يخرج فيها كل فرد من عزلته، ويرتبط بإخوانه المؤمنين، ويوجه، معهم، ضرباتٍ متواصلة ـ كضربات المثقاب ـ إلى جدار الجفاء ونقض العهد.

وينبغي لنا أن نتجاوز الهموم الصغيرة، لنبلغ الفرح والطمأنينة اللذين يتحققان في ظل نصرة الإمام. فإذا جعلنا جميع برامجنا وأعمالنا موجَّهة لنصرته، فإنه سيقبل إلينا مسرعًا، وستتحول الغيبة الطويلة إلى فجرٍ مشرقٍ بالظهور.

وفي الختام، ينبغي أن ندرك أن هندسة الوفاء ليست مشروعًا مرحليًا قصير الأمد، بل هي منهج حياة متكامل. يبدأ هذا المنهج بإدراك ضرورة الظهور، ثم يتكامل بالصبر والتقوى، ويؤتي ثماره من خلال التضامن والتكاتف الاجتماعي. وهذا هو الطريق الوحيد القادر على كسر القشرة الصلبة للغيبة، وقيادة البشرية إلى الأفق الرحب للعدالة، وإلى الحضور المبارك للإمام المعصوم.

وعليه، فإن كل خطوة نخطوها اليوم لتعزيز ارتباطنا القلبي بالإمام، ولترسيخ التعاون الصادق مع إخواننا المؤمنين، إنما تمثل لبنةً في البناء العظيم للظهور. وفي هذا الطريق، تذكّرنا هندسة الوفاء بأن نوعية حضورنا، ومقدار ثباتنا، هما العامل الأكثر تأثيرًا في صناعة المستقبل. إن إنهاء وحدة الإمام التي امتدت ألفًا ومئةً وستةً وثمانين عامًا، أصبح اليوم مسؤوليةً تقع على عاتقنا؛ شريطة أن نوجّه جهودنا ـ كالمثقاب ـ نحو الموضع الصحيح.

وأخيرًا، لا يضيع في طريق هندسة الوفاء أي جهدٍ يُبذل، فكل قطرة من الوفاء ستصب في محيط الظهور.

إن بقاءنا، وسعادة الأجيال القادمة، مرهونان بترسيخ هذه الهندسة للوفاء في قلوبنا وسلوكنا منذ اليوم. والالتزام بهذا النهج هو بداية انقشاع الظلمات؛ لأن هندسة الوفاء تمثل اللغة المشتركة لكل من يرفض أن يعيش في عالم يخلوف من الإمام المهدي (عليه السلام). وآخر ما ينبغي التأكيد عليه في هندسة الوفاء هو أن الإمام أشد شوقًا إلى الظهور منا، وهو لا ينتظر إلا قلوبًا أصبحت مهيأة، وظلت ثابتة على عهدها، لا تتزعزع أمام المحن.

 

 

[1]. سورة الأحزاب، الآية 23  :   مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا

[2]. سورة الأنفال، الآية 20  :   يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.