تناقض الحداثة: لماذا ينتهي التقدّم المادي من دون ولاية إلى طريق مسدود
تخيّل أنك تعيش في مدينة حديثة كبرى، تمتلك أحدث أنظمة الريّ بالتنقيط، والمزارع العمودية الذكية، والمصانع المؤتمتة بالكامل. وفي هذه المدينة، بلغ الطب مستويات متقدمة للغاية، فيما تُظهر مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي (GDP) أرقامًا مذهلة. ومع ذلك، وتحت ظلال هذه الأبراج التكنولوجية نفسها، تتزايد معدلات الانتحار، وتتّسع الفجوة الطبقية، ويتنامى لدى المواطنين الشعور بانعدام المعنى.
وهذا ليس مجرّد تصوّر؛ بل هو واقع شهدته، بدرجات متفاوتة، كثير من المجتمعات الحديثة. فلماذا، رغم حلّ المشكلات التقنية وتوافر أدوات إنتاج الثروة، لا تزال المجتمعات الحديثة تكافح أزمات جوهرية، من قبيل الفقر المزمن والتمييز الممنهج؟ هذا السؤال يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم التقدّم: هل الرفاه مجرّد نتيجة للأدوات، أم أنّه يحتاج إلى ركنٍ راسخ وموجِّه في الوجود؟
تشريح مفهوم التقدّم في غياب الغاية
إنّ التقدّم في المجالات الأربعة: الاقتصاد، والعلم، والصناعة، والزراعة؛ يُعدّ في الواقع تنميةً للقدرات المادّية للبشر. ومن منظور تحليلي، تتّسم العلوم والصناعة بطبيعة «محايدة»؛ أي إنّها أدوات تزيد من قدرة الإنسان على الفعل، لكنها لا تحدّد بالضرورة الاتجاه الذي يسلكه.
وعندما تتحقّق هذه الإنجازات من دون أن يصاحبها نموذج إنساني متكامل، تظهر مشكلة يمكن أن نسمّيها «التضخّم الأداتي». فالمجتمع قد يمتلك أدوات كثيرة لإنتاج الثروة، لكن قد تسير هذه الثروة في اتجاهات خاطئة، من دون توجيه صحيح ورابطة ولائية. وبدلًا من أن تسهم في القضاء على الفقر، قد تتراكم في أيدي فئة قليلة، فتزداد الفجوة بين الطبقات. ومن هنا نصل إلى نتيجة أساسية: التقدّم المادي وحده لا يكفي للوصول إلى السعادة.
إنّ المشكلات الحضارية في العالم المعاصر تتجاوز العقد التقنية والهندسية. فالفقر والفساد والتمييز لا ترجع جذورها، أكثر مما ترجع إلى نقص الموارد، إلى «أزمة في إدارة الإنسان» و«غياب نموذج عادل». وفي مثل هذه الظروف، فإنّ تعريف الإمام المهدي للآخرين ليس مجرّد إجراء اعتقادي فردي، بل هو تعريف «بمركز الدائرة» الذي ينبغي أن تُنظَّم حوله جميع العلاقات الاجتماعية.
ومن دون وجود هذا المحور، لا يمكن حتى لأدقّ العمليات العلمية والزراعية أن تفضي إلى توزيع عادل؛ فالإمام، بوصفه واسطة الفيض ومظهر العدالة المطلقة، هو وحده القادر على توجيه البُنى الإنسانية من الميل إلى الظلم والأنانية نحو الإيثار والوفاء، بحيث تفضي مخرجات النظام، بدلًا من «الفساد»، إلى «الفلاح».
تحليل الأزمة في المجتمعات المتقدّمة: البرهان بالتناقض
لإثبات هذا الإدعاء القائل إنّ التقدّم المادّي وحده لا يفضي إلى النجاة، يمكن الاستناد إلى أوضاع المجتمعات المتقدّمة. فهذه المجتمعات، بوصفها مختبرات كبرى للحداثة، قد بلغت أقصى درجات تعظيم جميع المتغيّرات المادّية، من العلم والصناعة والثروة. ومع ذلك، لا تزال مخرجات هذه الأنظمة تعيد إنتاج الفقر وعدم المساواة.
تكشف هذه الحقيقة عن «حلقة مفقودة» في المعادلات الحضارية، تتمثّل في حضور الإمام وحاكميته في صميم الحياة الإنسانية. فعندما لا يكون توجّه المجتمع قائمًا على «الوفاء والحركة في المسار المهدوي»، فإنّ الأدوات العلمية المتقدّمة، بدلًا من أن تُوظَّف في خدمة القضاء على الآفات، قد تتحوّل هي نفسها إلى أدوات لترسيخ التمييز. وهنا تتّضح ضرورة التنمية المهدوية بوصفها السبيل إلى الخروج من الطرق المسدودة التي أفضت إليها الحداثة.
تشخيص آفات الحضارة: الفقر والفساد والتمييز
لقد أكّد سماحة قائد الثورة الإسلامية، بنظرة دقيقة إلى الواقع القائم، على ثلاث آفات أساسية، هي: «الفقر، والفساد، والتمييز». ومن المنظور الوجودي، تُعدّ هذه الظواهر الثلاث نتائج مباشرة للابتعاد عن النموذج الإنساني المتكامل.
- الفقر: نتاج عدم التوزيع العادل القائم على المبادئ الإلهية.
- الفساد: نتيجة الخروج عن الصراط المستقيم وغياب الرقابة الباطنية والولائية على الأداء والممارسات.
- التمييز: ثمرة تفضيل المصالح الفردية على المصالح الجماعية في ظلّ غياب الرؤية التوحيدية.
وما لم يدرك المجتمع ضرورة الحركة في المسار المهدوي، فإنّ هذه الآفات ستظلّ تُعاد إنتاجها بصورة بنيوية. وفي الحقيقة، فإنّ معالجة هذه المشكلات تتطلّب ثورة معرفية يُعرَف فيها الإمام بوصفه هاديًا ومشرفًا على عمليات بناء النظم الاجتماعية. ولا يمكن بناء هياكل تحول بصورة تلقائية دون ظهور الفساد والتمييز إلا في ظلّ التنمية المهدوية.
الوفاء المهدوي؛ مفتاح تغيير السلوك الاجتماعي
الوفاء هو انسجام الإرادات الإنسانية الجزئية مع الإرادة الإلهية الكلية؛ فإذا لم يتحقّق هذا الانسجام، فمهما بلغت التكنولوجيا من تقدّم، سيظلّ البشر يتعاملون مع بعضهم بعضًا وفق منطق «الصراع من أجل البقاء».
إنّ الحركة في المسار المهدوي تغيّر المنطق الحاكم للاقتصاد والمجتمع من «محورية الربح المحض» إلى «محورية الحق». وهذا التحوّل في المسار يعالج الكوارث التي ألمّت بالمجتمعات البشرية، ومنها الأزمات البيئية الناجمة عن التصنيع المفرط، أو الفقر الناجم عن الاقتصاد الرأسمالي. ومن هذا المنظور، فإنّ التنمية المهدوية ليست مجرّد مثَل أعلى بعيد المنال، بل ضرورة عاجلة لبقاء الحضارة الإنسانية.
العلاقة بين المهدوية والرفاه في الحياة اليومية
إنّ جميع الأمور التي أشرنا إليها بوصفها أدوارًا وعلامات لحضور الإمام في المجتمع، هي مقدّمات ستتحقّق بعد ظهور الإمام. لكنّ النقطة الأهم هنا هي أنّ مقدّمة تحقّق الظهور تتمثّل في بلوغ المجتمع حدًّا أدنى من التعاطف والوفاء. فالظهور لا يتحقّق إلا على يد مجتمع يصل أفراده وأعضاؤه إلى إدراك صحيح لوجودهم في علاقتهم بالإمام، ويستطيعون أداء دورهم على الوجه الصحيح ضمن هذا الفضاء الاجتماعي.
ومثل هذا المجتمع، حتى قبل تحقّق الظهور الجماعي للإمام، سينتفع من بركات حضور الإمام في إدارة الأجزاء الأربعة الدنيا من الوجود وتحقيق التوازن فيها، وبعد بلوغه اللحظة المهيبة للظهور، سينتفع أيضًا بالتربية الإنسانية وبلوغ الكمال الإنساني تحت إشراف المتخصّص المعصوم.
ينبغي أن ننتبه إلى أنّ الوصول إلى التوازن والرفاه الحقيقيين ليس سوى واحدة من المواهب والآثار الجانبية لظهور الإمام، أمّا جوهر المسألة وأساسها فهو إدراك الإنسان لذاته ومعرفته بقَدْره وقيمته الحقيقية.
وباستعراض مسار البحث، نصل إلى نتيجة منطقية مفادها أنّ مشكلات العالم لا تمتلك «حلًّا جزئيًّا». فلا يمكن، بمجرد إصلاح القوانين الضريبية أو إحراز تقدّم في تكنولوجيا الزراعة، القضاء على جذور الفقر؛ لأنّ هذه المشكلات تنبع في جوهرها من سبب واحد، هو «انقطاع البشرية عن مصدر الهداية الإلهية».
وما لم يُعرَف الإمام المهدي بوصفه بوصلة الحركة البشرية، فإنّ التقدّم العلمي لن يؤدي إلا إلى زيادة الأزمات تعقيدًا. وكما لوحظ في السنوات الأخيرة، فإنّ الغفلة عن هذه المبادئ أدّت إلى تعميق الآفات الاجتماعية. ومن ثمّ، فإنّ السبيل الوحيد للخروج من هذا «البلاء» هو العودة إلى مسار الولاية، والعمل على تطبيق نموذج التنمية المهدوية في جميع مستويات الحوكمة والحياة الفردية.
وللوصول إلى وضعٍ تُستأصل فيه جذور الفقر والتمييز، لا بدّ من اتخاذ ثلاث خطوات أساسية:
زيادة المعرفة: التعريف بالإمام بوصفه الحلّ الحقيقي الوحيد للمشكلات الحضارية.
بناء الأسس: تنظيم الوثائق والسياسات العليا، ولا سيّما الاقتصادية منها، على أساس السعي إلى الظهور.
المطالبة المجتمعية: إيجاد تيار اجتماعي للقضاء على آفات الفساد والتمييز، بالاستناد إلى معايير مهدوية.
وتشكّل هذه الخطوات الثلاث الهيكل الأساسي للتنمية المهدوية، ومن دونها ستظلّ أيّ محاولة لتحسين الأوضاع الاجتماعية مؤقّتة، وستؤول على المدى البعيد إلى الفشل.
إنّ البشرية اليوم تقف عند منعطف تاريخي. فمن جهة، تواجه قمم التقدّم المادي، ومن جهة أخرى، هوت إلى وديان عميقة من الفقر وانعدام العدالة. وليس طريق النجاة الوحيد هو العودة إلى الوراء، بل «توجيه التقدّم توجيهًا إلهيًّا».
إنّ معرفة الإمام المهدي والالتزام بالوفاء المهدوي هما ذلك الإكسير الذي يحوّل الصناعة والعلم والاقتصاد من أدوات للتدمير والاستغلال إلى أدوات لبناء عالم زاخر بالرفاه والسعادة. وإنّ اتّباع نموذج التنمية المهدوية هو الضمان الوحيد للقضاء على الآفات الثلاث: الفقر والفساد والتمييز، من ربوع الأرض إلى الأبد.
ومن المحال أن يبلغ مجتمعٌ رفاهًا حقيقيًّا ومستدامًا ما لم يعرّف ذاته ضمن مدار الولاية. فتحقّق التنمية المهدوية ليس مدينةً فاضلة خيالية، بل ضرورة انبثقت من صميم الإخفاقات المتكرّرة للحضارات المادية؛ ولذلك، فإنّ مسؤولية المفكّرين والمصلحين الاجتماعيين تتمثّل في تبيين هذه العلاقة بدقّة، واستخراج الحلول العملية لربط منجزات التقدّم الحديث بالمبادئ الولائية الأصيلة.
وهذا المسار هو المسار الوحيد الذي سيقود إلى السعادة الحقيقية للبشرية، ويحرّر الإنسان من أغلال الفقر والتمييز التي صنعها بنفسه. وفي هذا الإطار، تعني التنمية المهدوية الارتقاء الشامل بالإنسان في ظلّ هداية المعصوم.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.