دراسة مصداق «المضطر» في آية «أمّن يجيب» في ضوء الاضطرار الوجودي لوليّ العصر(عج)
تخيّل شخصًا عالقًا في أعماق محيطٍ مظلم داخل مقصورة غواصةٍ متضرّرة. لقد أوشك الأكسجين على النفاد، وانقطعت جميع وسائل الاتصال، ولم يعد هناك أي سبيلٍ ميكانيكي للخروج. في مثل هذا الموقف، يدرك الإنسان بكل كيانه انسداد جميع الأسباب المادية. وتُسمّى هذه الحالة، في الاستعمال المتداول، بالعجز أو الاستغاثة القصوى؛ وهي المرحلة التي تتوقف فيها الأسباب المادية عن أداء وظيفتها، فيتجه الإنسان إلى البحث عن سببٍ متعالٍ ينقذه. غير أنّ هذا المستوى من الاضطرار يبقى تجربةً مؤقتة، فطرية، ومرتبطة بالحفاظ على البقاء الجسدي.
ولكن إذا ارتقينا بهذا المفهوم من مستواه الغريزي إلى مستواه الوجودي، واجهنا حقيقةً مختلفة تمامًا. ففي الأفق المعرفي، يوجد نوعٌ من الاضطرار لا ينشأ عن فقدان الأكسجين أو الأخطار المادية، بل ينبع من مسؤوليةٍ تكوينيةٍ ومن فراقٍ وجودي. هذه المرتبة العليا، التي تتجاوز التجارب الإنسانية المألوفة، تُعرف بـ الاضطرار الوجودي لوليّ العصر.
يسعى هذا المقال، بالاستناد إلى تحليل النصوص القرآنية والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، إلى بيان الأبعاد الفلسفية والمنطقية لهذه الحقيقة، بما يمكّن القارئ من إعادة قراءة العلاقة بين هذه المفاهيم الوجودية وبين بنية حياته واحتياجاته الأساسية.
المعنى الدلالي لمفهوم الاضطرار ومراتبه في الوجود
يُطلق مصطلح «المضطر»، في الاصطلاحين التفسيري والفلسفي، على الموجود الذي يدرك، في أصل وجوده وبقائه، انتفاء جميع الوسائط والأسباب الممكنة، فلا يجد ملجأً إلا في الاتصال المباشر بمسبّب الأسباب سبحانه وتعالى.
ومن الناحية المنطقية، لا يُعدّ الاضطرار حالةً طارئة أو وصفًا عارضًا، بل هو صفة ذاتية لكل موجود ممكن الوجود. وإنما يختلف الناس في مدى إدراكهم لهذه الحقيقة؛ فالإنسان العادي لا يلتفت إلى افتقاره إلا عند وقوعه في الأزمات المادية، بينما يصبح هذا الإدراك، في المراتب العليا من الوجود، حالةً دائمةً قائمة على الشهود والإدراك. واستنادًا إلى الروايات المأثورة، يبيّن الإمام الباقر عليه السلام، في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]، أن أكمل مصاديق هذا المفهوم هو وليّ الله الأعظم. في هذا البيان، لا يُفهم الاضطرار الوجودي لوليّ العصر على أنه حاجة شخصية أو مادية، بل هو حالة تنشأ من رابطة تكوينية تجمع الإمام بجميع أفراد البشرية. فعندما تحول العوائق التاريخية والبشرية دون ممارسة وليّ الله دوره في التدبير المباشر لشؤون المجتمع، ينشأ عن تعذّر أداء هذه الوظيفة وبُعده عن الناس نوعٌ من المعاناة الوجودية المستمرة.
الوحدة والغربة؛ تحليل من أربعة أبعاد
يستخدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أربعة أوصافٍ أساسية في بيان حال وليّ العصر(عج) في زمن الغيبة، وهي:
- الطريد: المطرود.
- الشريد: المشرد أو الغريب.
- الفريد: المتفرّد الذي لا نظير له.
- الوحيد: المنفرد الذي لا أنيس له.
هذه الأوصاف لا تعبّر عن حالةٍ جغرافية أو مادية فحسب، بل تكشف عن الأبعاد المختلفة للعزلة التاريخية والمعرفية التي يعيشها الإمام بين أفراد البشرية.
تُعدّ هذه العزلة الأساس الذي يقوم عليه التحليل الفلسفي لمعاناة الإمام؛ فهذه المعاناة ليست ناتجة عن رغبةٍ شخصية أو حرمانٍ من منفعةٍ ذاتية، وإنما تنشأ من عدم تحقق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها، وهي النموّ والكمال في ظل الهداية المباشرة لوليّ الله.
فالإمام، بوصفه الأب الروحي للبشرية، يشاهد حرمان المجتمع من هذه الهداية الإلهية، ومن هنا فإن الأوصاف المتقدمة تُجسّد حقيقة الاضطرار الوجودي لوليّ العصر بوضوح.
العلاقة بين الغيبة والمعاناة الوجودية لوليّ المجتمع
كيف يمكن لكائنٍ كاملٍ من الناحية الروحية أن يعاني الألم والعذاب؟ للإجابة عن هذا التساؤل الفلسفي، ينبغي القول إن المعاناة تنقسم إلى نوعين: معاناة النقص ومعاناة الكمال. فمعاناة النقص تنشأ عن أوجه القصور المادية أو النفسية التي يعانيها الفرد، أما معاناة الكمال فتنبع من شدة الشفقة والإحساس بالمسؤولية تجاه هداية الآخرين. إن حزن وليّ الله وألمه ناشئان عن أن الرابطة التي تجمعه بالبشرية تتجاوز الروابط الاعتبارية والتعاقدية؛ فالعلاقة بين الإمام وآحاد البشر تشبه علاقة العلة الغائية بمعلولها، أو بعلاقة الروح بأعضاء الجسد. ومن ثمّ، فإن الغيبة وعدم الحضور الظاهر بين الناس يعنيان، في عالم الظاهر، انقطاع هذه الصلة العضوية.
ويغدو هذا الانقطاع الظاهري مصدرًا لمعاناة وجودية مستمرة لدى واسطة الفيض الإلهي، حيث تتجلّى هنا بوضوح دلالات الروايات التي تصف الإمام بالغربة والوحدة والتشرّد، إذ تكشف عن العمق الحقيقي لهذه المعاناة. وهذه المعاناة نفسها تمثّل القوة المحرّكة لطلب التحوّل الشامل في العالم، وهو ما تعبّر عنه النصوص بمفهوم «كشف السوء».
إعادة قراءة آية “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ…” وصلتها بحقيقة الاضطرار الوجودي لوليّ العصر
تُبيّن الآية الكريمة: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾[1] قانونًا عامًا يحكم نظام الخلق؛ فمتى بلغ الاضطرار غايته، وتحققت الاستغاثة الحقيقية، أصبحت الاستجابة الإلهية والتحول التكويني المتمثل في كشف السوء أمرًا حتميًا. ووفقًا لرواية الإمام الباقر عليه السلام، فإن أكمل وأتمّ مصداق لهذه الآية هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
| خصائص الاضطرار العام (الإنساني) | خصائص الاضطرار الوجودي لوليّ العصر |
| ينشأ عن أزمات مادية مؤقتة وانسداد الأسباب الظاهرية. | ينشأ عن تعذّر الهداية المباشرة للخلق، وعن الفراق والغيبة. |
| غايته النجاة الشخصية والتخلص من الضرر. | غايته تحقيق العدالة العالمية وإيصال البشرية إلى كمالها. |
| يزول بتغيّر الظروف المحيطة. | يستمر إلى حين تحقق الظهور وانتهاء عصر الغيبة. |
| يقوم على الإدراك المحدود للعقل الجزئي. | يقوم على الشهود التام والإرادة الإلهية. |
هذا التحليل يُظهر سبب كون كشف السوء في هذا المستوى مرادفًا لانتهاء عصر الغيبة، وبداية عهد الحضور وقيام حكومة التوحيد.
كما يتضح، استنادًا إلى ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام، أنه إذا اقترب عامة الناس في درجة استغاثتهم من استغاثة الإمام، فإن الظهور المبارك سيتحقق.
شهود الاضطرار الذاتي؛ مفتاح التأثير الحقيقي
لا يكتسب التحليل النظري لهذه المفاهيم أثره الحقيقي إلا عندما يتمكن الإنسان من أن يستحضر تجلّياتها الواقعية، ويعيد قراءتها في بنية حياته الفردية والاجتماعية. فالإنسان الذي يعيش وسط صخب الحياة اليومية وهيمنة الوسائل التكنولوجية غالبًا ما يغفل عن اضطراره، ويتوهم أنه مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى هدايةٍ متعالية. غير أن الأزمات الروحية والأخلاقية، والانسدادات المعرفية التي يشهدها العالم المعاصر، تعيد إبراز حقيقة الحاجة إلى هادٍ خارج حدود الإنسان وإمكاناته.
إن إدراك مفهوم الاضطرار الوجودي لوليّ العصر يساعد الإنسان المعاصر على أن يفهم أن شعوره بالوحدة والضياع في هذا العالم لا يعود إلى نقصٍ في التكنولوجيا أو الرفاه المادي، وإنما هو نتيجة الابتعاد عن المصدر الأصيل للهداية. فالأب الذي يتألم لفراق أبنائه لا يكفّ عن التدبير والعمل من أجل إعادتهم إليه. ومن خلال إعادة قراءة هذه العلاقة، تتحدد مسؤولية الإنسان في الإسهام بتهيئة الظروف لرفع الغيبة والتخفيف من هذه المعاناة الوجودية.

آلية معالجة أزمة الغيبة في ضوء مفهوم كشف السوء
إن كشف السوء في البعد التكويني يعني إزالة العوائق التي تحول دون التواصل بين الإمام والناس. وما لم تبلغ البشرية حالة الاضطرار الجماعي، وتدرك حاجتها إلى وليّ الله بوصفها ضرورةً مطلقة، فلن تتوافر الأرضية اللازمة لهذا التحول. إن الدعاء المتواصل لوليّ العصر بتحقق هذا الأمر ليس مجرد طلبٍ شخصي، بل هو في حقيقته توجيهٌ تكويني لمسار التاريخ نحو تلك اللحظة المفصلية.
وعليه، فإن انتهاء أزمة الغيبة ليس حدثًا عشوائيًا أو مرتبطًا بمجرد مرور الزمن، بل هو عملية محكومة بقوانين وسنن إلهية ثابتة. فعندما تنسجم إرادة البشر مع إرادة وليّ الله، ويصل المجتمع الإنساني ـ كلٌّ بحسب نصيبه ـ إلى إدراكٍ حقيقي لعجزه من دون الإمام، تتشكل الاستغاثة الصادقة. وعند هذه المرحلة، يؤدي الاضطرار الوجودي لوليّ العصر دور العامل الحاسم الذي يهيئ لارتباط الإرادة الإلهية بـ كشف السوء وتحقيق الظهور المبارك.
أظهر هذا التحليل المنطقي أن الأوصاف الواردة في الروايات، وهي: الطريد، والشريد، والفريد، والوحيد، ليست مجرد أوصافٍ أدبية، بل تعبر عن الحالة التكوينية والمعرفية لوليّ الله في عصر الغيبة. وتُشكّل هذه الحالة من الوحدة والابتعاد الظاهري عن الناس الأرضية التي ينشأ منها الاضطرار الوجودي لوليّ العصر، والذي يُعدّ المصداق الأكمل لقوله تعالى في الآية الثانية والستين من سورة النمل. كما أن المواظبة المستمرة لوليّ العصر على تلاوة هذه الآية، وابتهاله الدائم إلى الله تعالى بكشف السوء، تمثل مسارًا معرفيًا وتكوينيًا يهدف إلى توجيه العالم نحو الغاية النهائية للخلق.
إن استيعاب هذه الحقيقة العقلية يساعد الإنسان على إعادة اكتشاف موقعه داخل هذا النظام الوجودي، ويدرك أن الخروج من الأزمات الحضارية والانسدادات التي تواجه البشرية لا يتحقق إلا من خلال الارتباط بإرادة وليّ الله، والعمل على إزالة العوائق التي تحول دون حضوره وقيامه بدوره في هداية الإنسانية.
[1] سورة النمل، الآية 62
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.