مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

فلسفة الغَيبة ومصيبتها؛ مقام «المنتقم» في زيارة عاشوراء بوصفه نموذجًا للفاعلية والمسؤولية

تخيّلوا أن مريضًا يمرّ بأزمة طبية معقّدة، وقد أصبحت علاماته الحيوية غير مستقرة، فيُؤخذ إلى أكثر المراكز الطبية تخصصًا. وبينما ينشغل أهله ومن حوله بالحزن على معاناته، وتذرف أعينهم الدموع على جراحه الظاهرة، فإنهم في الوقت نفسه يتجاهلون وصول جرّاح بارع من أعلى مستوى، لا سبيل إلى إنقاذ المريض بصورة حاسمة إلا على يديه، أو لا يبذلون ما يكفي لإزالة العوائق التي تحول دون حضوره.

في مثل هذه الحالة، لا شك أن الحزن على جراح المريض نابع من العاطفة والشفقة، لكن غياب الطبيب المتخصص القادر على علاجه يخلق أزمة أعمق وأشدّ جوهرية؛ لأن المشكلة لم تعد تقتصر على الألم الظاهر، بل أصبحت تتعلق بغياب العلاج نفسه، وبالعجز عن تهيئة الظروف اللازمة لحضور من يملك مفتاح النجاة.

وفي مجال الحياة الروحية للإنسان، ظلّت واقعة عاشوراء التاريخية، بوصفها مصيبة عظيمة، محورًا للاهتمام والبكاء على مرّ العصور. غير أن المنطق الذي يحكم الرؤية الوجودية الدينية يقتضي أن نرتقي بنظرتنا من مستوى الحدث التاريخي إلى مستوى الحاجة الراهنة.

فالأزمة الحقيقية لا تكمن في مجرد وقوع فاجعة تاريخية، بل في استمرار الحرمان من تدبير المعصوم وقيادته؛ وهي حقيقة تدعونا إلى إعادة النظر في مقام «المنتقم» في زيارة عاشوراء، وإلى فهم صلته بالمسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقنا اليوم.

بيان ماهية المصيبة العظيمة والمصيبة العظمى

عند تحليل الوقائع الأليمة في تاريخ الإسلام، وُصفت واقعة عاشوراء بأنها مصيبة عظيمة؛ وذلك لما انطوت عليه من انتهاك لحرمة الحق، وما شهدته من استشهاد مظلوم لإمام معصوم.

غير أن المنطق الداخلي لهذا البحث يكشف، وراء هذه المصيبة العظيمة، عن أمر آخر هو المصيبة العظمى، وهي حقيقة غُفِل عنها مع مرور الزمن. فالمصيبة العظمى ليست حادثةً جامدةً وقعت في الماضي وانتهت، بل هي حالة مستمرة يعيشها الإنسان في حاضره؛ وتتمثل في حرمانه الأساسي من المتخصص المعصوم، الذي يُفترض أن يتولى هدايته وتدبير شؤونه وقيادته نحو الحق.

إذا اعتبرنا المصيبة العظيمة نهايةَ الوجود الجسدي للإمام، فإن المصيبة العظمى تتمثل في استمرار تشريد وإقصاء الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الإنسان على وجه الأرض.

ومن المنظور المنطقي، حين يُحرم مجتمع ما من الوصول إلى أرقى مستويات العلم والطهارة لتدبير شؤونه وقيادته، فإن ذلك يعني أنه يعاني خللًا بنيويًا في وجوده. وهذا الحرمان هو الجذر الكامن وراء مختلف ألوان المعاناة البشرية. وما لم ندرك هذا الخلل ونعي أبعاده، فلن نصل إلى الفهم الحقيقي لمقام «المنتقم» في زيارة عاشوراء؛ لأن الانتقام الحقيقي، وفق هذا المنظور، يتمثل في رفع هذا الحرمان البنيوي.

تحليل مكانة المتخصص المعصوم في منظومة النجاة

لماذا يُعدّ غياب الإمام عن منصب السلطة أكبر مصيبة تصيب المجتمع الإنساني؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي العودة إلى تحديد وظيفة الإمام. فالإمام في هذا النظام الفكري ليس مجرد قائد روحي يعين الإنسان على العبور من الدنيا، بل هو الشخص الوحيد الذي يمتلك، بسبب اتصاله بمصدر الوحي وتمتعه بالعصمة، القدرة على إدارة تعقيدات الحياة الإنسانية. وعندما نتحدث عن الاضطرار إلى الحاجة إلى الإمام، فإننا نشير في الواقع إلى حاجة تكوينية. فلكي يبلغ الإنسان الفلاح والنجاة، يحتاج إلى هادٍ يكون على معرفة بأبعاد وجوده الظاهرة والخفية. وإن إقصاء هذا المتخصص وتشريده لأكثر من 1180 عامًا يعني تعليق أداة نجاة الإنسان الأبدية. وفي مثل هذه الظروف، فإنّ أي محاولة لإصلاح الأمور من دون حضور هذا المحور الأساسي ستكون محاولة مبتورة وعقيمة. إن لعن الله الذين تسببوا في هذا الحرمان ليس ردّ فعل عاطفيًا، بل هو حكمٌ حقوقي وتكويني بحق الذين سدّوا طريق تكامل البشرية. وإن إدراك هذا الحرمان هو شرطٌ أساسي للدخول في ميدان النصرة وبلوغ مقام «المنتقم» في زيارة عاشوراء.

انحراف في الأولويات: من القضايا الاقتصادية إلى حاكمية العدل

من التحديات الأساسية في المجتمعات الحديثة، وحتى في المجتمعات الدينية، أن تختلّ الأولويات الجوهرية، فتحلّ محلّها قضايا سطحية وثانوية. فاليوم تدور أبرز اهتمامات المجتمعات البشرية حول التقلبات الاقتصادية، والدعم الحكومي، وتدبير شؤون المعيشة؛ ومع أن لهذه القضايا أهميتها في الحياة اليومية، فإنها من المنظور الفلسفي ليست سوى معلولات لعلّة أكبر.

إن القضية الأساسية في العالم ليست تقلب أسعار السلع، بل عدم قيام حكومة العدل العالمية. وكلما مضى مزيد من الزمن في تاريخ العالم، ازداد العالم والبشرية خسارةً بسبب غياب ظهور المتخصص المعصوم.

وما لم تتحول ضرورة حضور الإمام لدى النخب وعامة الناس إلى اعتقاد راسخ في الوجدان ومطلب جماعي، فإن طاقة المجتمع ستُستنزف في معالجة أزمات هي في الأساس نتاج غياب الهادي المتخصص والمعصوم. وإن التحرك نحو معالجة هذه القضية الكبرى يجسّد المعنى الحقيقي لمقام المنتقم في زيارة عاشوراء على مستوى المجتمع.

إن كثيرًا من الإخفاقات الثقافية تنشأ من الانشغال بالشكل والمظهر وإغفال البنى التحتية والأسس العميقة. والأساس الذي تقوم عليه الحياة الطيبة للإنسان هو حضور الإمام على رأس منظومة الحكم. فإذا غاب هذا الأساس، فإن أي إصلاحات تجري على مستوى البنى  كالإصلاحات الاقتصادية أو إصلاح الأخلاق الفردية، ستكون غير مستقرة. وفلسفة حضور الإمام في المجتمع تتمثل في إقامة العدل المطلق. ومن دون هذه الحاكمية، تظل البشرية في حالة خسارة مستمرة؛ لأن الطاقات الكامنة في وجود الإنسان لا تزدهر إلا في ظل حكومة المعصوم.

ومن هنا، فإن الانتقال من المصيبة العظيمة إلى إدراك المصيبة العظمى يمثل حركة تكاملية في الوعي الديني. هذا الوعي يحوّل الإنسان من حزينٍ سلبي إلى فاعلٍ نشط يمهّد الطريق. وهذا الانتقال المعرفي هو بالضبط النقطة التي يكتسب فيها الفرد الأهلية للاتصاف بمقام المنتقم في زيارة عاشوراء، فيسخّر كل طاقاته من أجل إنهاء مرحلة غربة الإمام المعصوم.

الأبعاد البنيوية لمقام المنتقم في زيارة عاشوراء

إذا لم تؤدِّ إقامة العزاء على الإمام الحسين عليه السلام إلى معرفة حسين زماننا وإدراك غربته، فإنها تكون قد فقدت هدفها الأساسي. والنقد الجوهري هنا يتوجه إلى المراسم التي، رغم إنفاق أموال طائلة عليها، لا تترك أثرًا إيجابيًا في اتجاه إزالة العوائق أمام الظهور. وهذا النقد موجّه إلى الشكليات والمظاهر في التدين.

إن إقامة العزاء وسيلة للارتباط بمصدر القوة والهداية. وإمام زماننا اليوم هو أشدّ أهل الأرض غربةً؛ لأن نداء استنصاره، الممتد من أعماق التاريخ إلى يومنا هذا، لا يُسمع وسط ضجيج مجالس العزاء التي يغلب عليها الطابع العاطفي وحده.

وينبغي لكل واحد منا أن يسأل نفسه: في هذا الصراع التاريخي بين الحق والباطل، ماذا قدّمنا لإمامنا من نفع؟ إن الثمرة التي ينبغي أن تخرج من العزاء يجب أن تتجلى في تغيير نمط الحياة والتحرك نحو إنقاذ البشرية؛ وإلا فإن هذه المراسم لن تكون سوى تكرار لواقعة تاريخية من دون أثر في المستقبل، ولن تقرّب الإنسان من مقام «المنتقم» في زيارة عاشوراء.

وفي نص زيارة عاشوراء، جُعل بلوغ مقام الثأر والانتقام مشروطًا بمرافقة إمام المنصور إمام هدى. وهذا يدل على أن الانتقام ليس فعلًا فرديًا أو ناشئًا عن غضب شخصي، بل هو مشروع اجتماعي وحضاري يكتسب معناه في ظل ولاية الإمام المعصوم. وكل من يريد بلوغ مقام المنتقم في زيارة عاشوراء، ينبغي أن يدرك أن الانتقام الحقيقي يعني السعي إلى إقامة حاكمية الإمام المعصوم وإزالة العوائق التي تحول دون ظهوره.

نعم، فالمنتقم هو من يتخذ موقفًا عمليًا في مواجهة المصيبة العظمى، أي حرمان العالم من الإمام. ولا يبدأ هذا التحرك بالضرورة بالأدوات العسكرية، بل يتحدد أولًا في نطاق الأنشطة الثقافية والروابط الاجتماعية. وفي الواقع، فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها إلى الساحة القدسية لإمام الزمان هي أن يعمل كل فرد، أيًّا كان موقعه، سواء أكان موقعًا مهنيًا أم أسريًا أم اجتماعيًا، على تعزيز الصلة بين الناس والإمام، وأن يهيّئ، من خلال العمل الثقافي الهادف والعميق، الأرضية اللازمة لرفع هذه المصيبة المستمرة.

كيفية تحقيق مقام المنتقم في زيارة عاشوراء في الحياة اليومية

لكل إنسان ولايةٌ وتأثيرٌ في جانب من العالم المحيط به؛ بدءًا من محيط الأسرة الصغير، وصولًا إلى البيئات التعليمية والمهنية. وتتمثل مسؤولية الفرد تجاه إمام زمانه في تحويل هذه الدوائر التي يملك فيها الولاية والتأثير إلى مراكز للتعريف بالمتخصص المعصوم.

فإذا أدركنا أن مشكلاتنا الاقتصادية، وأزمات هويتنا، وقلقنا الوجودي، جميعها متجذرة في غياب التدبير الإلهي، فإن نظرتنا إلى الدعاء والعزاء والعمل الاجتماعي ستتغير.

إن وضع حدٍّ للمصيبة العظمى مرهون بالخروج من اللامبالاة والدخول في ساحة النصرة العملية. فنصرة الإمام لا تقتصر على أبعاد معينة، بل تتحقق في ميدان الثقافة، ومن خلال وصل قلوب الناس بحقيقة الولاية. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يخرج من خلاله من مجالس عزائنا الممهّدون الحقيقيون؛ أولئك الذين يدركون عمق فاجعة الغيبة، ويسخّرون كل طاقاتهم من أجل إقامة حكومة العدل العالمية، ولا يسمحون باستمرار غربة إمام زماننا أكثر من ذلك. وإن بلوغ مقام المنتقم في زيارة عاشوراء هو هدف يحدد اتجاه جميع الأنشطة الفردية والاجتماعية.

 

وفي نهاية المطاف، فإن معيار قياس نجاحنا في المجالات الدينية يتمثل في مدى اقتراب المجتمع من لحظة الظهور. فإذا لم تؤدِّ أنشطتنا إلى إيجاد معرفة بالإمام على مستوى المجتمع، فإننا في واقع الأمر لم نخطُ أي خطوة في سبيل رفع المصيبة العظمى. وعليه، فإن إعادة النظر في نمط الحياة وترتيب الأولويات انطلاقًا من محورية الإمام، ليست خيارًا مستحبًا، بل هي ضرورة وجودية لإنقاذ أبدية الإنسان.

وكل خطوة تُتخذ في اتجاه نشر الوعي وتعزيز ارتباط المجتمع بالإمام هي، في حقيقتها، خطوة نحو إنهاء أطول حقبة من الحرمان في تاريخ البشرية. وهذه مسؤولية تقع على عاتق جميع الذين يعدّون أنفسهم من أتباع مدرسة عاشوراء ويتطلعون إلى تحقق العدالة العالمية. وبهذا المنظور، يتحول الحزن على المصيبة العظيمة إلى قوة دافعة لرفع المصيبة العظمى، ويجد نداء الإمام: «هل من ناصر؟» استجابةً جديرةً به وعملية.

ومن خلال التركيز على حقيقة مقام «المنتقم» ووظائفه في زيارة عاشوراء، وترسيخ ذلك في البنية الفكرية للمجتمع، سيُمهَّد الطريق لظهور المنتقم الحقيقي.

 

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.