الدولة الكريمة؛ حين تتشكّل الحاكمية في داخل الإنسان
كثيرًا ما يريد الإنسان شيئًا بلسانه، لكن حياته تكشف أنه لم يُرِدْه حقًّا. وهذا البعد بين «الإرادة اللفظية» و«الإرادة الحقيقية» يُعدّ من أبرز العوائق في طريق الوصول إلى الدولة الكريمة. ففي دعاء الافتتاح نسأل الله أن يوصلنا إلى دولة كريمة، دولةٍ تُعزّ الإسلام وأهله، وترزق الإنسان كرامة الدنيا والآخرة: «اللّهُمَّ إنَّا نَرْغَبُ إلَیْکَ فی دَوْلَةٍ کَریمَةٍ تُعزُّ بهَا الْإسْلَامَ وَ أَهْلَهُ…». وهذه الفقرة من دعاء الافتتاح ليست مجرد أمنية سياسية تتعلّق بالمستقبل، بل هي، في جوهرها، استراتيجية عملية للحاضر.
فالدولة الكريمة تعني حاكمية «الكرامة» على جميع الساحات الوجودية للإنسان. غير أن هذا الدعاء لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عندما يظهر أثره في واقع حياة الفرد؛ أي عندما يبذل الإنسان الجهد، ويجاهد نفسه، ويتحمّل المشاق في سبيل الوصول إلى تلك الحاكمية، ويدفع ثمن هذا التطلع. وإلا فإن ترديد الألفاظ، من دون إحداث تغيير في الداخل، لن يثمر شيئًا.
وفي الفكر الشيعي، ما دام الفرد لم يصل في «باطنه» إلى دولة كريمة، فلن يكون مستعدًّا للحضور في «ظاهر» تلك الدولة العالمية. هذا المقال يتناول إعادة قراءة هذا المفهوم بوصفه نظامًا للحكم الداخلي.
الدولة الكريمة؛ إعادة تعريف الحاكمية الإلهية في وجود الإنسان
لا يمكن فهم الدولة الكريمة على أنها مجرد واقع خارجي أو اجتماعي أو تاريخي؛ فإذا أُحيل هذا المفهوم حصرًا إلى مستقبل يقع خارج وجود الإنسان، ظلّت علاقة الفرد به غامضة.
الدولة الكريمة في الأدب الشيعي هي الدولة التي يكون فيها «الحق» حاكمًا، ليس في البنية السياسية فحسب، بل في جميع العلاقات الإنسانية أيضًا. واستنادًا إلى أقوال الإمام علي عليهالسلام في نهج البلاغة، فإن معنى الحاكمية يتجاوز إدارة شؤون المجتمع ليصل إلى إدارة مشاعر الحب والكراهية في داخل الإنسان. ويذكر أمير المؤمنين عليه السلام في الكتاب الثاني والستين من نهج البلاغة أن الغفلة عن العدو تعني أن يترك الإنسان له زمام أمره؛ ومن هنا، فإن الدولة الكريمة في حياة الإنسان تعني «حاكمية العقلانية الإلهية على القوى الحيوانية». فالإنسان المنتظر هو من أقام هذه «الدولة» في وجوده، فلا يسمح لـ«الهوى»، أي الميل غير المنضبط، بأن يتولى زمام أمره.
والدولة الكريمة لا تبدأ من الخارج، بل تبدأ من داخل الإنسان. ففي وجود الإنسان قد تتنازع قوى مختلفة توجيه حياته؛ رغبة تدفعه، وخوف يردعه، وتعلّق يشدّه، ومصلحة تجذبه في اتجاه آخر. وما دام الإنسان ينتقل من مركز إلى آخر، وتتبدّل قراراته بتبدّل هذه الدوافع، فإن إرادته لم تستقر بعد على محور واحد.
أما حين يستقر في داخله محور أعلى تتوجّه إليه سائر قواه، وتنتظم رغباته ومخاوفه وتعلّقاته في ضوئه، تبدأ ملامح الدولة الكريمة بالتشكّل في وجوده. ومن هنا، فإن الطريق إلى الدولة الكريمة لا يبدأ بإقامة نظام في الخارج، وإنما بإقامة الحق في الداخل؛ لأن ما لا يستقر في وجود الإنسان، يصعب أن يستقر في حياته ومجتمعه.
الإرادة الحقيقية؛ أبعد من الادعاء اللفظي
الإرادة اللفظية هي التعبير عن الرغبة، أما الإرادة الحقيقية فهي تغيير اتجاه الحياة. فقد يشكو الإنسان في دعائه من قلّة أنصار الحق وكثرة الأعداء، لكن إذا لم تنعكس هذه الشكوى على اختياراته وأولوياته ونمط حياته، فإنها لا تكون علامة على شوق صادق. فالشوق الحقيقي يُخرج الإنسان من حالة المتفرّج، ويدخله إلى ميدان تحمّل التكاليف وبذل الثمن.
ومن هنا، فإن الدعاء في هذا السياق ليس مجرد تعبير عاطفي، بل هو التزام عملي. فمن يريد الدولة الكريمة، عليه أن يُثبت في حياته أنه مستعد لتحمّل المشقّة، والتأخير، والمقاومة، والمجاهدة من أجل تحقيقها؛ وإلا فإن لسانه يطلب شيئًا لم يلتزم به قلبه وعمله بعد.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام في وصف المنتظرين الحقيقيين: «مَن سرَّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق».[1] فالانتظار، بهذا المعنى، ليس حالةً من الترقّب، بل فعلٌ يبدأ من الإنسان نفسه؛ إذ إن السعي إلى الدولة الكريمة يقتضي بناء الذات وتهذيبها والاستعداد لتحمّل مسؤولية ما ننتظره. وهنا يظهر الفارق بين الإرادة اللفظية والإرادة الحقيقية: فالإرادة الحقيقية لها ثمن لا بد من بذله. وقد جسّد الإمام الحسين عليه السلام هذا المعنى في مسيرته إلى كربلاء، حين أثبت أن دولة الحق لا تُبنى بالشعارات، وإنما تحتاج إلى بذل النفس والمال في سبيل المحبوب الأعلى.
منظومة الحب؛ هرم القيم في الدولة الإنسانية
في التصور الشيعي للإنسان والوجود، تمثّل «المحبّة» النواة المركزية لشخصية الإنسان. وقد رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: «وهل الدين إلا الحب؟».[2] والدولة الإنسانية هي نظام تُنظَّم فيه وجوه المحبّة والتعلّق وفق سلّم هرمي للقيم. فعندما توضع «محبّة الله وأهل البيت عليهم السلام» على رأس الهرم، تتخذ جميع المحبّات الأخرى، كحبّ الأسرة والعمل والثروة، موقعها الحقيقي وتتحول إلى عناصر خادمة لذلك المحور. أما إذا اختلّ نظام الأولويات هذا، وقع الفرد في «الشرك الخفي» في المحبّة، وسقطت دولته الداخلية لصالح النزعة الدنيوية.
وتتحقق الدولة الإنسانية حين تهيمن أسمى طبقات وجود الإنسان على سائر جوانب حياته، فتنتظم رغباته وقراراته وعلاقاته في ضوء ما يراه أسمى وأحقّ. وهنا نصل إلى سؤال جوهري: ما الذي يحبّه الإنسان في الواقع أكثر من أي شيء آخر؟ وما الذي يكون مستعدًّا للتخلّي عنه من أجل ما هو أحبّ وأعلى؟ فمن هذا المنظور، تتجلّى حقيقة الإنسان في محبّاته واختياراته، لا في ادّعاءاته ولا في عناوينه الاجتماعية فحسب.
ومن أبرز علامات تحقّق الدولة الإنسانية أن يكون الله وأهل البيت عليهم السلام والجهاد في قمة منظومة محبوبات الإنسان. ولكن، ليس المقصود أن يتخلّى الإنسان عن سائر تعلّقاته أو يفرغ قلبه منها، بل أن يضع كلّ تعلّق في موضعه الصحيح، وألّا يطغى أيٌّ منها على المحبوبات التي ينبغي أن تتقدّم حياته. فإذا استقام هذا الترتيب، انتظمت سائر العلاقات والانشغالات في مواقعها الطبيعية. أمّا إذا اختلّ، فإنّ الاضطراب يمتدّ ليصيب البناء الداخلي للإنسان بأسره.
لماذا تنهار الأولويات الوجودية؟
يبدأ السقوط عندما يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين المطلوبات الأساسية والمطلوبات الثانوية. فالأسرة، والعمل، والمكانة، والمال، والأمن، والراحة، يمكن لكلّ واحد منها، في موضعه الطبيعي، أن يكون جزءًا من حياة الإنسان؛ لكن عندما يتحوّل أحد هذه الأمور إلى المحبوب الأعلى، تتغيّر بنية الحاكمية الداخلية. في هذه الحالة، قد يبدو الإنسان في الظاهر متديّنًا أو ملتزمًا، لكن مركز اتخاذ القرار لديه يتلقّى أوامره من جهة أخرى.
فكون الإنسان طالبًا جامعيًا، أو أستاذًا، أو طالب علم، أو مديرًا، أو حتى متولّيًا لمنصب ديني أو سياسي، لا يكشف وحده عن حقيقة موقعه في هذه الدولة الإنسانية. فالعنصر الحاسم يظهر عند لحظة التعارض. فإذا تراجعت محبّة الله وأهل البيت عليهم السلام والجهاد عن صدارة أولوياته، اختلّ ترتيب منظومته الداخلية، وبدأت الدولة الإنسانية بالانهيار؛ إذ ينتقل الإنسان عندها من مسار الهداية إلى مسار السقوط.
وتبدأ نقطة السقوط في اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام تعارض بين «المصلحة الإلهية» و«المنفعة الشخصية». وقد بيّن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن محبّة الدنيا هي منشأ كثير من الأخطاء والانحرافات. فإذا تقدّم «الأمن» أو «الراحة» على «الجهاد» عند لحظة الاختيار، فذلك يعني أن الحاكمية الداخلية قد غيّرت وجهتها، وانتقل الإنسان من مدار «الدولة الكريمة» إلى مدار «دولة الدنيا». ولا يحدث هذا الانهيار دفعةً واحدة، بل يبدأ تدريجيًا مع الغفلة؛ وهي الغفلة نفسها التي نستعيذ بالله منها في الزيارة الجامعة الكبيرة.
الحفاظ على الدولة الإنسانية؛ الجهاد الأكبر
كلّ حاكمية، ما إن تستقرّ في وجود الإنسان، تواجه تحدّي الحفاظ على مكانتها واستمرارها. والدولة الإنسانية ليست استثناءً من ذلك؛ فكون الله وأهل البيت عليهم السلام والجهاد في صدارة محبوبات الإنسان في مرحلة من حياته لا يعني أن هذه المكانة قد أصبحت ثابتة إلى الأبد. إذ تظلّ هناك قوى ودوافع أخرى تنافسها وتحاول أن تستولي على موقعها.
ومن هنا، فإن الدولة الإنسانية ليست حالة ثابتة يصل إليها الإنسان ثم يأمن عليها، بل هي هي وضع حيّ قائم على الصراع والمواجهة.
والمقصود بالمواجهة هنا هو الصراع مع القوى الداخلية التي تنافس هذا المحور، وتسعى إلى جذب الإنسان بعيدًا عن الأعلى نحو الأسفل. فقد تكون الرغبة المنفلتة، أو الخيال الخادع، أو الخوف المُقعِد، أو التعلّق المفرط، طرفًا في هذا الصراع. ولذلك، فإن الحفاظ على الدولة الإنسانية لا يتحقق بمجرد الوصول إليها، بل يحتاج إلى وعيٍ دائم، ومراقبةٍ مستمرة، وقدرةٍ على المقاومة.
ومن أراد أن يحافظ على هذه الحاكمية، فعليه أن يتعامل معها كما تتعامل دولة مستقرة مع أمنها ووجودها: يعرف مصادر التهديد، ويراقب منافذ نفوذها، ولا يسمح لها بالتسلّل إلى مركز القرار من جديد.
وبعد أن يستقرّ النظام الإلهي في داخل الإنسان، تبدأ مسؤولية الحفاظ عليه، وهنا يأتي «الجهاد الأكبر». فقد سمّى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد عودته من غزوة بدر ـ القتالَ «الجهاد الأصغر»، ومجاهدةَ النفس «الجهاد الأكبر». وهذا يبيّن أن الدولة الإنسانية ليست حالة ثابتة يصل إليها الإنسان ثم يطمئن إليها، بل هي ساحة صراع دائم؛ فالوهْم والغضب والشهوة لا تنام، ولا تتوقف عن محاولة استعادة زمام القيادة.
دور الوهم والغفلة في اضمحلال الحاكمية الداخلية
يُعدّ الوهم أحد أهمّ القوى التي يمكن أن تُربك الحاكمية الداخلية. فوظيفة الوهم هي تحريف علاقة الإنسان بالواقع؛ أي أن يجعل شيئًا ما يبدو أكبر أو أخطر أو أكثر رغبةً مما هو عليه في الحقيقة. وفي مثل هذه الحالة، قد يدرك الإنسان من الناحية العقلية أن أمرًا ما لا أساس له، لكنه على مستوى الشعور وردّ الفعل يقع تحت سلطة التصوّر الخاطئ نفسه. وهذا يبيّن أن الوعي، إذا لم يتحوّل إلى حاكمية، لا يمتلك القدرة على إدارة وجود الإنسان.
لكن العامل الأساسي الذي يمنح الوهم وسائر المنافسين فرصة للتأثير هو الغفلة. والغفلة هي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن مراقبة ما يجري في داخله، ويظن أن استقرار حاله اليوم يكفي لضمان حاله غدًا. فقد يعتمد على صفائه الروحي، أو رصيده المعنوي، أو علاقاته العاطفية، فيطمئن إليها ويظن أنها ستبقى كما هي. لكن حين تغيب المراقبة، حتى هذه المكتسبات التي بناها الإنسان عبر الزمن تصبح مهدّدة بالزوال.
الانتظار؛ تمرين على الحاكمية
تبدأ الدولة الكريمة في حياة الإنسان من اللحظة التي تتطابق فيها أمنيته مع إرادته الحقيقية. فإذا كان الإنسان طالبًا لهذه الدولة حقًّا، فلا بدّ أن يظهر هذا الطلب في أولوياته واختياراته اليومية. ومعيار ذلك واضح: ما الذي يتقدّم عند لحظة الاختيار؟ وما الذي يكون مستعدًّا للتخلّي عنه من أجل ما يراه أحبّ وأعلى؟
ومن هنا، تنتقل علاقة الإنسان بالدولة الكريمة من مجرّد أمنية يتطلّع إليها، إلى مسؤولية يعيشها ويستعدّ لها.
إن بناء هذه الدولة يعني أن يبني الإنسان في داخله نظامًا مستقرًا، يحفظ لكلّ محبوب مكانه، ولا يسمح للقوى المنافسة بأن تنتزع مركز الحاكمية. وهذا لا يتحقق بحماس عابر ولا بمجرد الادّعاء، بل يحتاج إلى الشوق والمراقبة معًا، وإلى المحبّة والمجاهدة معًا.
وعندها تتحوّل الدولة الكريمة من مجرد فكرة نتحدّث عنها ونتمنّاها إلى حقيقة حاضرة في أعماق الإنسان، ويصبح وجوده مهيّأً لعلاقة صادقة مع تلك الحاكمية العليا.
إن الدولة الكريمة ليست الغاية النهائية، بل هي جزء من مسار أعمق: مسار الصيرورة والتحوّل إلى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان. فالمنتظر الحقيقي هو من أقام في «دولة وجوده الصغيرة» العدل والتقوى، ودرّب نفسه على أن يكون الحقّ هو الحاكم فيها. ومن هنا، فإن السعي إلى الدولة الكريمة هو في جوهره تدرّبٌ على حكم الإنسان لنفسه، حتى يصبح الفرد مستعدًّا لأن يكون، في ظل الحاكمية العالمية للإمام المعصوم عليه السلام، عنصرًا فاعلًا وعادلًا ومطيعًا.
نحن نطلب هذه الدولة في دعاء الافتتاح، لكننا نبنيها في أنفسنا بالعمل والمجاهدة.
[1] كتاب الغيبة / النعماني ٢٠٠ / ١٦ باب ١١، عن أبي بصير
[2] الخصال / الشيخ الصدوق / ج 1 / ص 21 / ح 74
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.