مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

البنية المنطقية للجهاد في سبيل الحق؛ من القيام الفردي إلى المسؤولية العالمية

تخيّل نظامًا معقّدًا صُمّم بحيث لا يعمل محرّكه إلا من خلال الاحتكاك والتفاعل مع القوى التي تقاوم حركته. فإذا وُضع هذا النظام في فراغٍ لا تواجهه فيه أي قوة مقاومة أو تحدٍّ، فلن يواصل نموّه فحسب، بل سرعان ما ينتهي إلى التآكل والجمود التام. وهذه الحقيقة تنطبق على الإنسان بوصفه «كائنًا صاحب إرادة». فالإنسان الذي يعيش في عزلة، بعيدًا عن التحديات الوجودية، يبتعد عن حقيقة وجوده بقدر ما يتوقف عن السير والتفاعل. إن كمال الإنسان يرتبط بمدى خروجه من العوالم الساكنة، وانخراطه في ساحات متحركة، مليئة بالتحديات والمخاطر. من خلال دراسة البنية الوجودية للإنسان، تتناول هذه المقالة القاعدة التي تفسّر لماذا يتحوّل السكون والاستسلام السلبي، بالنسبة إلى الإنسان الساعي إلى تجاوز الساحات الحيوانية والارتقاء إلى الساحات الإلهية، إلى انهيار في مسيرته الوجودية.

الجهاد بوصفه أرقى مستويات الترفيه والنشاط

في التحليلات الشائعة، يُعرَّف «الترفيه» بأنه التحرّر من المشقّة والانتقال إلى أجواء تبعث على الراحة والطمأنينة. غير أنّ مفهوم الترفيه يتغيّر تغييرًا جوهريًا في المنظومة المعرفية القائمة على السنّة النبوية. فقد قال النبي الأكرم: «فَإنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ». ومن هذا المنظور، لا يتحقّق النشاط من خلال السكون والانفعال السلبي، بل يتجسّد في الفعل والمبادرة، وفي خوض ميادين محفوفة بالتحديات والمخاطر، ومواجهة العدوّ الحقيقي.

وتكمن حكمة هذه المقولة في أنّ روح الإنسان مرتبطة بـ«الصيرورة» و«الغاية». فالإنسان الذي يفتقر إلى الهموم الكبرى والأهداف السامية يجد نفسه حتمًا، أسيرَ دوّامة الحياة اليومية، وقد ينتهي به الأمر إلى الاكتئاب. أمّا من لم يُرسِّخ روح الجهاد في وجوده، فلا يبلغ الطمأنينة، بل قد يصاب، نتيجة عدم استثمار طاقاته الوجودية وتحقيقها، بـ«الشعور بانعدام الجدوى».

وعلى العكس من ذلك، فإنّ المقاتل الذي يخوض ميدان الصراع مع الباطل يكون، بفضل ارتباطه بمصدر القدرة الذي لا ينفد، مفعمًا بالحيوية والحماسة. وهذه الفرحة ليست انفعالًا عابرًا، بل هي ثمرة انسجام الإرادة الفردية مع الإرادة الإلهية التي تُنشئ الوجود. وتُقدّم مظاهر من قبيل المزاح وإطلاق النكات من جانب المقاتلين في أشدّ لحظات القتال، شاهدًا عمليًا على هذه الدعوى؛ إذ إنّ مواجهة المشقّات، بدلًا من أن تقود إلى الخمول والانطفاء، تدفع الروح نحو الانشراح والفرح العميق.

مراتب القيام والجهاد في المنظومة القيمية للقرآن

يقدّم الله تعالى في الآية الرابعة والعشرين من سورة التوبة[1] معيارًا يميّز به بين الإنسان «الحقيقي» والإنسان «الفاسق». ووفق هذا الميزان، ينبغي أن تتصدّر ثلاثة معشوقات سلّمَ تطلعات الإنسان وأمانيه: الله، وأهل البيت، والجهاد. وهذا الترتيب في الأولويات ليس أمرًا تجريديًا، بل هو بمثابة «المحرّك الدافع» لمسيرة الإنسان. فإذا رجحت في ميزان وجوده الأموال والمساكن والتجارة والتعلّقات الأسرية، وأصبحت أثقل وزنًا من هذه المعشوقات الثلاثة، توقّفت مسيرته نحو الكمال. وعندئذٍ يقع الإنسان في فسقٍ يحول بينه وبين تلقّي الهداية الإلهية.

وعليه، فإنّ الجهاد في هذا الإطار ليس عملًا هامشيًا، بل هو شرطٌ لازمٌ لـ«الحياة». فالإنسان الذي لا ينهض ولا يقوم، يكون في حقيقة الأمر في حالة من «التدنّي» والانحدار. ويُخرج القرآن الكريم، من خلال أوامر من قبيل: «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ»، المؤمنَ من ساحة الفردية المحضة، ويدعوه إلى ساحة القيام الاجتماعي.

التحليل البنيوي للخوف والجهاد في جبهة الحق

يُعَدّ «الخوف» واحدًا من أكبر العوائق في طريق ارتقاء الإنسان ونموّه. والخوف ينشأ من تعلّق الإنسان بقدرةٍ غير قدرة الله. أمّا الإيمان الحقيقي، فيهدم منطق الخوف من أساسه. ففي الآية 173 من سورة آل عمران، عندما يهدّد جيشٌ غفير من الأعداء المؤمنين، لا تكون استجابة المؤمنين التراجعَ أو الانسحاب، بل «ازدياد الإيمان». وهذه قاعدة وجودية: فتهديد العدوّ لا يُضعف إيمان المؤمن، بل يرسّخه ويزيده قوّة.

ويؤكّد الإمام الراحل هذا المنطق أيضًا، إذ يرى أنّ «التديّن» لا يجتمع مع «الخوف من القوى العظمى». فالخوف علامةٌ على غياب المعرفة بالغيب. والإنسان المؤمن، لأنّه يؤمن بحقيقة «لا إله إلا الله»، لا يفسح المجال لقوى الاستكبار لاستعراض قوّتها ونفوذها. وروح الجهاد التي دفعت النبي وأمير المؤمنين إلى حمل السيف، هي تحديدًا هذه «الجرأة المنبثقة من اليقين». وهذه الروح تتعارض تعارضًا كاملًا مع الادعاءات الواهية التي تصف الجهاد بالعنف، وتدعو إلى محبةٍ من طرف واحد. فالمحبة الحقيقية، من دون البراءة من أعداء الحق، محبةٌ ناقصة وغير إلهية.

الجهاد وبنية التفاعلات الاجتماعية

ويمتدّ نطاق هذه الحركة ليشمل مختلف مجالات الحياة الإنسانية. وفي عصرنا الحاضر، يسعى المستكبرون، عبر وسائل الإعلام والفضائيات، إلى التأثير في أذهان «أيتام إمام الزمان (عج)»، أي عامة الناس. وفي مثل هذه الظروف، فإنّ عدم القيام بأي نشاط يعني عمليًا الاصطفاف إلى جانب جبهة الباطل. والرواية المرويّة عن الإمام الصادق، التي تجعل الشيعي الذي ينقل المعارف إلى الآخرين أعلى منزلةً من ألف عابد، إنما تشير إلى هذا «الدور الاجتماعي» تحديدًا.

فالإنسان العابد يقتصر أثره على ارتقائه الفردي، أمّا الإنسان الذي يجعل الجهاد الثقافي في مقدّمة أولوياته، فإنه يوسّع أثره الوجودي ليشمل «الآخرين» أيضًا. وفي العالم المعاصر، لا يكون هذا الجهاد عسكريًا بالضرورة؛ فقد يتجلّى أحيانًا في المجال الاقتصادي من خلال بذل المال، وأحيانًا في المجال الثقافي عبر بيان الحقيقة ونقلها، وأحيانًا من خلال حضورٍ غيور وملتزم في الفضاء الافتراضي. والنقطة الأساسية هنا أنّ ترك أثرٍ إيجابي في حياة الآخرين يُعَدّ أمرًا لازمًا في هذا المسار. ويؤكّد القرآن الكريم، من خلال قوله تعالى: «وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ»، أنّ مسؤولية الإنسان المؤمن لا تتمثّل في عزل نفسه، بل في الدعوة المستمرة إلى الحق.

أدنى مستويات الفاعلية في مسار الجهاد

حتى في الظروف التي لا يمتلك فيها الإنسان الوسائل اللازمة للقيام بفعل خارجي، لا ينبغي له أن يستسلم لحالة من السلبية والركون إلى الراحة. وأبسط ما يمكن أن يفعله في هذه الحالة أن يحمل في قلبه حزنًا على عجزه عن العمل. فمن لا يستطيع القتال أو ممارسة النشاط، لا ينبغي له أن يقف موقف اللامبالاة من جبهة الحق؛ لأنّ اللامبالاة تعني موت الروح الجهادية.

والمؤمن يدرك أنّ الدنيا دار ابتلاء، وأنّ ما يمرّ به من صعوبات ومحن يدخل في عملية «بناء الرصيد» للآخرة. وقد تحمّل أهل البيت أشدّ المصائب، إلا أنّ هذه الشدائد لم تنتقص من عظمتهم، بل إنّها، على حدّ تعبير السيدة زينب سلام الله عليها في يوم عاشوراء، لم ترَ فيها شيئًا سوى «الجمال». ومن ثمّ، فإنّ الشدائد الناشئة عن الجهاد، لا تُعدّ، في منطق المؤمن، مصائبَ بالمعنى الحقيقي، بل هي زينةٌ وعاملٌ من عوامل الارتقاء الوجودي.

الارتباط بين الحُبّ والجهاد

إنّ «الحبّ» هو المحرّك الأساس للإنسان الحقيقي. فالإنسان المتديّن الذي لا يعرف الحبّ والبغض، أشبه بجسدٍ لم تدبّ فيه الروح. ومن لم يصل إلى الحبّ والبغض، لم تنشأ في وجوده بعدُ صلةٌ عميقة بعالم الغيب، ولم يألفه أُنسًا حقيقيًا. فإذا استقرّ حبّ الله وحبّ أهل البيت في وجود الإنسان، أفضيا به، بالضرورة، إلى «بغض أعداء هؤلاء المحبوبين»، ومن هنا ينتهي به الأمر إلى ميدان الجهاد.

ومن كان لا يبالي بمصير الحقّ، فإنّ محبّته لم تترسّخ في وجوده حقيقةً. وقد يكون في الظاهر طبيبًا أو طالب علم أو مهندسًا ناجحًا، لكنّه ما دام لا يملك صلةً وجودية بحقيقة الغيب، فهو، بمنظار القرآن، فاسق. ويُعدّ الحضور الغيور والملتزم في الفضاء الافتراضي على سبيل المثال، صورةً معاصرة لهذا الحبّ؛ فمن يُبقي ذكر الحقّ حيًّا بين الغافلين في العالم، يكون، بحسب الرواية، كمن يتقلّب في دمه في سبيل الله. وهذا «التشبّه بالشهيد» يدلّ على أنّ الإنسان، في أيّ ميدان كان، عسكريًا أو ثقافيًا أو اقتصاديًا أو رقميًا، ينبغي أن يكون في ركاب الله وإمام زمانه.

الهروب من المسؤولية؛ العائق الأساسي أمام النمو

وفقًا للمعايير التي تقدّم بيانها، فإنّ الهروب من الجبهة ليس مجرّد خطأ في التكتيك، بل هو تراجع في شخصية الإنسان وانحراف في مسيرته. فالإنسان حين يبتعد عن الجهاد، يحرم نفسه من الفرح والنشاط الحقيقيين، لأنّ هذا الابتعاد ينطلق من الخوف على ما يملك: من «كساد السوق» إلى «فقدان المسكن والأسرة». وهي التعلّقات نفسها التي أشارت إليها الآية الرابعة والعشرون من سورة التوبة بوصفها من أبرز ما يحول دون الهداية الإلهية.

ومن هنا، فإنّ الحياة الإنسانية المتوازنة، وفق هذا المعيار، تقتضي أن يجعل الإنسان «الجهاد» في صدارة أولوياته. فهي تبدأ من داخله، بمواجهة الخوف والتعلّقات، وتمتدّ إلى الخارج، بمواجهة الظلم والباطل. وفي كلّ موقع يكون فيه، عليه أن يترك أثرًا إيجابيًا، وأن يجعل من هذه «الحركة» طريقًا للوصول إلى القمّة التي رسمها القرآن: «الجنة ذات السعة المتزايدة».

هذه المسيرة قد تمتدّ مئة عام، وقد يقطعها بعضهم في ليلة واحدة؛ لأنّ هؤلاء أدركوا أنّ الحقيقة لا تتجلّى إلا في ميدان الجهاد.

 

[1] . قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.