هل يمكن تغيير القدر والمصير؟ كيف يُمكننا تغيير ما كُتب لنا؟

جدول المحتويات
هل يمكن تغيير القدر والمصير؟ كيف يُمكننا تغيير ما كُتب لنا؟

ما العلاقة بين القدر والمصير؟ وهل القضاء والقدر عائقان أمام تحقيق الأماني؟

ما الفرق بين القدر والمصير؟ وهل مصير الإنسان محدد مسبقاً؟ من الذي يحدد أقدارنا؟ هل القدر والمصير رهنٌ بإرادتنا واختياراتنا؟و  لماذا لا يُدرك أغلبنا ما يصبو إليه؟

إن الشوق إلى استشراف المستقبل ومعرفة المصير يستهوينا جميعاً. فمنّا من يرسف في أغلال الجبر، متوهماً أن كل شيء قد حُسم سلفاً، فيهيم على وجهه، يلقي باللوم على القدر، ويندب حظه العاثر. كمن ابتُلي بداء السكري وارتفاع الكوليسترول وتصلب الشرايين وآلام المفاصل، ثم يعزو كل ذلك إلى سوء طالعه، ويطلق سهام النقد جزافاً على الدنيا بأسرها. أو كمن لا ينفك يشكو من سوء أدب ولده، مقارنة بتهذيب ولد جاره، دون أن يكلف نفسه عناء التفكير في دوره في هذا الأمر. وآخرون يستميتون في البحث عن طوالعهم المنقوشة على جبين الغيب، فيهيمون على وجوههم في دروب العرافين والمنجمين. ولكن، هل كُتب كل شيء حقاً، وهل نحن مجرد دمى تحركها خيوط القدر؟

كلا، فالله جل وعلا قد وهبنا حرية الاختيار، فنحن أحرار في اختياراتنا دوما، نختار ونقرر، ثم نحصد النتائج وفقاً لخياراتنا وجهودنا، وبذلك نصوغ مصائرنا بأنفسنا. فكما نعلم، فإن نظام الكون بأكمله يقوم على أسس رياضية دقيقة، تحكمه القواعد والقوانين والمقاييس.[1] فليس في الوجود شيء بلا قَدَر، أي بلا قيمة أو حجم أو معيار. وكل قَدَر نختاره، يفضي إلى نتيجة أو قضاء. وهذه السنة الإلهية أو القانون الإلهي يُعرف بقانون القضاء والقدر، وقد أسهبنا في شرحه في دروس سابقة. وفي هذا الدرس، سنتناول العلاقة بين قانون القضاء والقدر وبين طموحاتنا وأقدارنا ومصائرنا.

علاقة قانون القضاء والقدر بأمانينا

ذكرنا أنّ قانون القضاء والقدر يقتضي أن لكل “قدر” و فعل نتيجة محددة أو قضاءً يترتب عليه وأن كل اختيار نقوم به هو بمثابة خطوة نحو تحقيق ما نتمناه. فمن الضروري أن نختار من بين الأقدار والافعال ما يتلاءم مع أمنياتنا، لنصل إلى غايتنا المرجوة. إلا أن الواقع كثيرًا ما ينسجم مع ذلك، فإننا غالبًا نرغب في أن يكون لنا أبناء بارين وأن نربّيهم على أصول الأدب والخلق، لكننا لا نعرف من أين نبدأ، ولا نتمكن من إدارة تربيتهم بشكل فعّال، فكيف يمكن أن نطمح إلى نتائج رائعة ونحن لا نضع الأسس الصحيحة؟ أو نفكر في التقدم في مجال فني أو رياضي، أو نطمح للنجاح في امتحان، أو نرغب بزواج سعيد وعلاقة مستقرة، أو نطمح للتميز في عملنا أو أي أمنية أخرى، كلها أهداف تحتاج أولاً إلى اختيار الأقدار التي تتناسب مع هذه الأحلام، ثم بالسعي والاجتهاد نصل إلى تحقيقها. بوجه عام، ينبغي أن نتعلّم ما يلزم نحصّل المعرفة والمشورة في المجال الذي نطمح إليه، ثم نبذل الجهد والمثابرة لنصل إلى أهدافنا وأحلامنا.

هل يعقل أن نتطلع إلى أن نكون أبطالاً في الفنون القتالية، بينما نتابع تدريباتنا مع مدرب غير كفء، ولا نبذل جهودًا كافية؟ هل من المعقول أن نتمسك بصحة جيدة وأجسام قوية، ونحن نستهلك كميات كبيرة من الأطعمة الضارة، ولا نمارس رياضة أو حركة كافية؟ بالطبع، عندما نهمل التغذية السليمة ونقصّر في ممارسة الرياضة، فإن النتائج ستكون وخيمة من أمراض مزمنة كالسكري وارتفاع الكوليسترول وأمراض القلب ومن الطبيعي أن يكون هذا “القَدَر”، قضاءه الإصابة بالأمراض.

الأهم من ذلك كلّه: كيف نطمع في بلوغ الكمالات الإنسانية، وفي حياةٍ أبديةٍ طاهرةٍ وسعيدة، بينما لا نعرف ذواتنا الحقيقية، ولم نُحدّد أولوياتنا العاطفية، ولم نتّخذ من الله، معشوقنا الأسمى، قدوةً نسعى للتشبّه به والسير في طريقه؟

لهذا، فالواقع أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتقنا نحن، في اختيارنا وقراراتنا، التي ترسم مصائرنا وتحدد مصير الدنيا والآخرة. صحيح أن بعض أحداث القدر والأقدار الحاسمة التي تصادفنا لا دخل لنا فيها، كولادة الإنسان في بيئة معينة، أو شكل وجهه، أو الكوارث الطبيعية كالزلزال أو المصائب التي لا يملك الإنسان دفعها. لكن، في جميع الحالات، يبقى التصرف الصحيح أمامها هو الموقف الذي نتخذه، فطبيعة ردود أفعالنا تحدد مدى قوتنا على مواجهة المصاعب.

تأثير الأقدار غير المرغوب فيها على مصيرنا

ذكرنا أنّ هناك أقدار ليست بأيدينا؛ كالعائلة التي وُلدنا فيها، أو ملامح وجهنا وشكلنا، أو كوارث طبيعية مثل الزلازل، أو بعض المصائب والمحن التي تطرأ على حياتنا من غير أن يكون لنا فيها يد. على سبيل المثال، قد نقود السيارة ملتزمين بكل قوانين السير، وفجأة ينحرف أحدهم عن مساره ويصطدم بنا بقوة. في هذا الحادث،  الطرف الآخر هو المخطئ، ومع ذلك نحن أيضاً نتعرض لخسائر مادية وجسدية.

مثل هذه المواقف قد تواجه أي إنسان في حياته، لكن الفارق الحقيقي لا يكون في الحدث ذاته، بل في الطريقة التي نختار بها التعامل معه. فكلٌّ منّا يملك قدره الخاص في الاستجابة لما يحدث. بعضنا ينهار أمام الأزمات، ولا يُحسن إدارتها، فيقع في اليأس والجحود. لكن فريقًا آخر من الناس، هم أولئك الذين عرفوا أنفسهم، ونضجوا إنسانيًا، فأدركوا كون الدنيا ناديًا للتدريب والتمرين على الارتقاء. هؤلاء يعلمون جيدًا أن كلّ ما يجري من أحداث، إنما هي امتحانات إلهية، وفرص للنمو والتكامل. ولذلك، لا يسمحون لصعوبات الحياة أن تُطفئ نورهم الداخلي، ولا يدَعون تقلبات الدنيا تُبعدهم عن الطريق نحو الهدف الذي خُلقوا من أجله. بل على العكس، فإنهم يُحسنون التعامل مع المحن، ويستخرجون من داخلها كمالاتٍ إنسانية، وأسماءً إلهية عظيمة، كـ”الصبور” و”الشكور”، فيقتربون بها من محبوبهم الإلهي، ويصبحون أكثر شبهًا به.

بعبارةٍ أخرى، حين نُحسن اختيار “القَدَر” المناسب، فإننا لا نسمح أبدًا لمتاعب الحياة ومصائب هذا العالم المحدود أن تعكّر صفو سعادتنا وطمأنينتنا الداخلية، أو أن تُفسد علينا أبديتنا. ومن هنا نفهم أن تقديرنا ومصيرنا، يرتبطان إلى حدٍّ كبير في النظام الطبيعي، وبصورة تامّة في النظام الفطري، باختياراتنا وقراراتنا. فالإنسان الواعي الذي يُدرك غاية خلقه، يختار أقداره ضمن الحدود الإلهية، ويستعين في هذا الطريق بدعائه وتوكّله على خالقه وربّه.

في هذا الدرس، تحدّثنا عن العلاقة بين “القدر” و”المصير”. وشرحنا أن الكون كلّه قائم على مقادير وأعداد محددة، وأنّ كل “قَدَر” نختاره يقود إلى “قضاء” ونتيجة معيّنة بناءً على قانون “القضاء والقدر”، لذا يمكننا أن نقول إنّ تقديرنا ومصيرنا بأيدينا. إن أعظم تقدير وأهم مصير هو مصيرنا الأبدي في الآخرة، والذي يرتبط مباشرةً بخياراتنا في هذه الدنيا. حتى إن واجهنا أقدارًا مؤلمة أو أحداثًا قاسية لم نخترها، فإنّ طريقة تعاملنا معها يمكن أن تحوّلها إلى منطلقٍ نحو اكتساب القيم والمكارم الإنسانية.

برأيكم، ما العوامل الأخرى التي قد تؤثّر في قدر الإنسان ومصيره؟


[1] سورة الطلاق، الآیه 3

اكتب رأيك