محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

كيف تقود الغفلة عن هدف الخلق حياة الإنسان إلى العبث والضياع؟

تُعَدّ الغفلة عن هدف الخلق ومعنى الوجود الإنساني، من أكبر المشكلات والأزمات التي يواجهها الإنسان. فكلٌّ منا ينفق جزءًا كبيرًا من يومه في السعي وراء أهداف متنوّعة: تلميذ يدرس لينال علامة أعلى، ورياضي يتدرّب طمعًا في ميدالية، وفنان يعمل ليُنجز عملاً جديدًا. غير أنّ السؤال الأهم، وهو: «ما الغاية النهائية من حياتنا؟» كثيرًا ما يظلّ بلا جواب حاسم. وتبدو هذه الحالة أشبه بشخص يقود سيارته لمسافات طويلة من غير أن يعرف وجهته؛ يتحرّك ويستهلك طاقة ويقطع طرقًا، لكن من دون هدف يوجّه خطواته أو نتيجة تبرّر رحلته. وهكذا تصبح حياة الإنسان ـ حين تغيب الغاية ـ حركةً بلا معنى، وجهدًا لا ينتهي إلى ثمرة، وسببًا مباشرًا للشعور بالفراغ والتيه.

عندما يغيب عنّا الهدف الأسمى من وجودنا، تفقد حتى أعظم النجاحات بريقها، ولا تعود قادرةً على أن تمنح قلوبنا السكينة. من يحصر قيمته في عمله أو شهادته أو ممتلكاته، يشعر بالفراغ والعبث عند أول فشل أو فقدان لهذه الأمور. تماما كما أن أسرة تجعل جميع خططها مقتصرة على الرفاه المادي، تكتشف يوماً أنها فقدت المعنى والاتجاه في الحياة. ولهذا نرى في المجتمعات المعاصرة، رغم التقدّم في مختلف المجالات، أن كثيراً من الناس يعانون من الحيرة والإرهاق النفسي. لذلك يبيّن القرآن الكريم أن هدف خلق الإنسان هو عبادة الله تعالى وبلوغ القرب الإلهي؛[1] ومن ثمّ فإن من ينسى هذا الهدف ويتعلّق بأهداف قصيرة زائلة، فلا بد أن يقع في دوّامة الضياع والفراغ.

ولا تقتصر الغفلة عن هدف الخلق على كونها مسألة فردية داخلية؛ بل تمتد آثارها لتشمل جميع جوانب حياة الإنسان. فعندما ينسى الإنسان سبب خلقه وغايته النهائية، تتأثر جميع اختياراته وعلاقاته وسلوكياته وأفكاره وتخطيطاته اليومية. وعلى مستوى أوسع، تنعكس هذه الغفلة على الأسرة والمجتمع أيضاً؛ فحين يغفل النظام التعليمي ووسائل الإعلام والثقافة العامة عن الهدف الأساس، ينشأ أفراد يمتلكون المهارات والتخصصات، لكنهم يعانون من ضعفٍ عميق وأزمة في الهوية.

ومن هنا يمكن القول إن الغفلة عن هدف الخلق تمثّل جذراً تمتدّ فروعه إلى مختلف مجالات الحياة؛ في العمل، والدراسة، والعلاقات الأسرية، وأنماط الاستهلاك، وطرق الترفيه، بل وحتى في النظرة إلى المستقبل. ونتيجة لذلك، يختلف نمط حياة الإنسان الغافل اختلافاً جذرياً عن نمط حياة من يستحضر هدف الخلق؛ فالأول غارق في منافسات لا تنتهي وقلق دائم، بينما الثاني يضع حتى أبسط أعماله اليومية، كالدراسة والعمل ورعاية الأسرة، في إطارٍ ذي معنى متصل بالله، فيحيا حياةً متوازنة ذات غاية واضحة.

الأبعاد المختلفة للغفلة عن هدف الخلق

ليست الغفلة دوماً حالة عابرة من عدم الانتباه؛ بل قد تصبح أحياناً عميقة الجذور ومستقرة إلى حدّ تتحول فيه إلى عادة ذهنية وسلوكية. في هذه الحالة، قد يبدو الإنسان منشغلاً ظاهرياً بأنشطة جادّة ومكثفة، لكنه يكون في باطنه قد ابتعد عن هذا السؤال الجوهري: «لماذا أقوم بهذا العمل؟ وإلى أين من المفترض أن يوصلني؟». هذا الابتعاد عن الأسئلة الأساسية والمحورية يقودنا تدريجياً إلى الانحراف عن المسار الصحيح.

لفهم ذلك بصورة أدق، يمكن تصوّر الغفلة في ثلاث طبقات:

  • الغفلة السطحية

هذا النوع من الغفلة يكون غالباً آنياً ويظهر بسرعة؛ كحال طالب ينشغل ذهنه أثناء الامتحان بموضوع آخر فيفقد تركيزه. تنشأ هذه الغفلة بسبب ضعف الانتباه، وهي مؤقتة، وغالباً ما يمكن تداركها بمجرد عودة الذهن إلى المهمة الأساسية.

  • الغفلة العميقة

في هذا النوع، يبتعد الإنسان على مستوى مجمل حياته عن تذكّر هدف الخلق، ويواصل مسيرته دون التفات إلى الغاية النهائية لوجوده. فقد يقضي سنوات طويلة في السعي والعمل، فيدرس، ويحصل على وظيفة ومكانة، ويكوّن أسرة، بل ويحقق نجاحات متعددة، لكنه لا يتوقف يوماً ليسأل نفسه: ما علاقة كل ذلك بهدف خلق الإنسان؟ وهذا النوع من الغفلة أخطر؛ لأن الإنسان يظن أنه يسير نحو التقدّم، بينما قد يكون مساره بعيداً تماماً عن المقصد الحقيقي. وقد حذّر القرآن الكريم من هذه الحالة بقوله: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا».[2]

  • الغفلة البنيوية

هذه المرحلة هي الأكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر الغفلة فيها على الفرد، بل تشمل المجتمع بأكمله، حيث يُبنى على أساس نسيان هدف الخلق. في مثل هذا المجتمع، يتراجع استحضار الغاية النهائية إلى الهامش، وتُصاغ القيم، والأنظمة التعليمية، ووسائل الإعلام، وحتى أنماط الاستهلاك، بطريقة تُشغل الإنسان بقضايا جزئية ومنافسات ظاهرية، وتحجبه عن التفكير في الهدف الحقيقي للحياة.

وقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة بقوله: «أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ»،[3] أي إن التفاخر والتكاثر في المال والعدد أشغل الإنسان عن واجباته وعن تذكّر الآخرة، حتى بلغ به الأمر أن يتباهى حتى بعدد الموتى.

وعلى سبيل المثال، فإن كثيراً من الأنظمة التعليمية في عصرنا لا تُوجّه المراهقين والشباب نحو التفكير في معنى الحياة وغايتها، بل تقتصر على إعدادهم لاجتياز الامتحانات والدخول إلى سوق العمل. كما تعمل وسائل الإعلام، عبر سيلٍ متواصل من الترفيه والإعلانات، على إبعاد الذهن عن الأسئلة الجوهرية، مثل: «لماذا خُلقت؟»، «ما هو كمال الإنسان الحقيقي؟»، «ما علاقة أفعالي اليومية بهدف الخلق؟». هذه الأسئلة على درجة كبيرة من الأهمية، حتى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: « رَحِمَ الله اِمْرَءً … عَلِمَ مِنْ أیْنَ وَ في أیْنَ وَ إلی أیْنَ».[4]

إن إدراك هذه الطبقات الثلاث من الغفلة يفسّر لنا سبب معاناة بعض الأفراد أو المجتمعات من الفراغ وعدم رضى، رغم ما قد يمتلكونه من رفاهٍ وتقدّم؛ إذ إن المشكلة لا تكمن فقط في نقص الإمكانات أو ضعف القدرات الفردية، بل تعود في جذورها إلى نسيان النفس والغفلة عن هدف الخلق.

فالشخص الذي يعاني من غفلة سطحية يمكنه العودة إلى المسار الصحيح بقليل من التركيز والتذكير، أما الغفلة العميقة فتتطلب إعادة النظر في المبادئ والمعتقدات، والتفكير الجاد في مجمل مسار الحياة. أما إذا سادت الغفلة البنيوية في المجتمع، فإن بلوغ الوعي الفردي يصبح أكثر صعوبة، إلا إذا استعان الإنسان بالتعاليم الإلهية واعتمد أسلوب حياة إنساني يعيده إلى حقيقته وجذوره وهدف خلقه.

خطوات عملية لمواجهة الغفلة عن هدف الخلق

لقد خُلق الإنسان على أساس هدف وغاية واضحة. ويقول القرآن الكريم في هذا الشأن: «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».[5] فالغفلة عن هدف الخلق تعني الابتعاد عن هذه الغاية وانقطاع صلة الإنسان بحقيقته الوجودية؛ غير أنّ الإنسان خُلق على نحو يتيح له دائماً مراجعة مساره واستحضار الهدف من جديد. فكما أن السائق إذا أخطأ الطريق، يمكنه بالنظر مجدداً إلى الخريطة أن يعثر على المسار الصحيح، كذلك يستطيع الإنسان من خلال معرفة النفس والاختيارات الواعية أن يبتعد عن الغفلة. وفيما يلي نشير، على سبيل المثال، إلى عدد من الخطوات العملية التي تساعد على تقليل الغفلة عن هدف الخلق:

  • الخطوة الأولى: التذكير المستمر بهدف الخلق

لا يتحقق هذا التذكير بمجرد قراءة نص أو الاستماع إلى محاضرة، بل ينبغي أن يتحول إلى تمرين يومي. فمثلاً، يمكن للإنسان أن يخصص كل ليلة بضع دقيقة في خلوة وهدوء ليتأمل في هذا السؤال: «أيُّ عمل قمتُ به اليوم كان في اتجاه هدف الخلق؟ وأيُّ عمل كان بعيداً عنه أو حتى مخالفاً له؟». إن هذه المراجعة البسيطة تُسهم، مع مرور الوقت، في تغيير مسار الحياة ومنظومة التفكير. وهذا هو ما يُعرف بمحاسبة النفس، التي أكّدت عليها التعاليم الدينية تأكيداً كبيراً. فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَا أَحَقَّ اَلْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ لاَ يَشْغُلُهُ عَنْهَا شَاغِلٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ فَيَنْظُرُ فِيمَا اِكْتَسَبَ لَهَا وَعَلَيْهَا فِي لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا».[6]

  • الخطوة الثانية: إعادة بناء المعايير في نمط الحياة

لا يتشكل نمط الحياة بمجرد إصلاح تفاصيل جزئية، بل يتطلب تغيير المعايير الأساسية. فالمعيار الرئيسي في اختيار العمل، والدراسة، والعلاقات الاجتماعية، ينبغي أن يكون على مدى اقتراب هذه الأمور من الله تعالى ومن هدف الخلق. ومن الناحية العملية، يمكننا قبل كل اختيار أن نسأل أنفسنا: «هل يقربني هذا القرار من هدف الخلق أم يبعدني عنه؟». إن هذا المعيار لا يغيّر السلوك الفردي فحسب، بل يؤثر تدريجياً في الأسرة والبيئة المحيطة.

  • الخطوة الثالثة: اختيار الرفقة الواعية والبيئات المؤمنة

لا يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن العلاقات الاجتماعية؛ فإذا وجد نفسه في محيط أو بين أصدقاء يعززون الغفلة، فإن احتمال ضعفه _حتى مع رغبته في البقاء واعياً_ يكون كبيراً. أما مصاحبة أشخاص  يستحضرون هدف الخلق، فإنها تساعد على الثبات في الطريق وتُحيي الدافعية للسير في الاتجاه الصحيح. ومن هنا، ينبغي إعادة بناء الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافة العامة على أساس استحضار هدف الخلق. فالمجتمع الذي يضعف فيه ذكر الله يكون أفراده أكثر عرضة للغفلة البنيوية.

  • الخطوة الرابعة: الرجوع إلى المصادر المعرفية الأصيلة

إن المصادر المعرفية الأصيلة، كـالقرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، وسير أولياء الله، تمثّل خريطة طريق ومصابيح هداية تُنير مسار الإنسان نحو غايته، وتحول دون وقوعه في الغفلة عن هدف الخلق. إن الاهتمام بهدف الخلق لا يعني ترك الدنيا، بل يعني توظيفها في خدمة الآخرة. فاستحضار الغاية النهائية يمنح حتى أبسط الأعمال اليومية بُعداً خالداً، ويعيد الإنسان إلى مكانته الحقيقية. إن التذكير بهدف الخلق، ومحاسبة النفس، وتصحيح المعايير، وبناء العلاقات مع البيئات المؤمنة، كلها وسائل تُحرّر الإنسان من الغفلة وتوجّه حياته نحو غايتها الحقيقية.

برأيكم، ما هو العامل الأكبر الذي يكرّس الغفلة عن هدف الخلق في حياة الإنسان المعاصر؟

هل هي وسائل الترفيه والانشغالات اليومية؟ أم الضغوط الاقتصادية والمعيشية؟ أم ثقافة الاستهلاك والإعلانات؟ أم تراجع الإيمان والقيم الروحية؟

شاركونا آراءكم في قسم التعليقات.

[1] وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، سورة الذاریات، الآیة 56

[2] سورة الکهف، الآیتان 103 و 104

[3] سورة التکاثر، الآیتان 1 و 2

[4] الفیض الکاشاني، محمد بن شاه مرتضى، الوافي، أصفهان: مكتبة أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) العامة، 1985 م، ج 1، ص 116

[5] سورة الذاریات، الآیة 56

[6] التمیمي الآمدي، عبدالواحد بن محمد، غرر‌الحکم و دررالکلم، ج 1، ص 698