محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

كيف تُعرَّف مراحل القيامة الكبرى؟ وما أهميتها في حياتنا الأبدية؟

تُعدّ مسألة القيامة من القضايا التي كثيرًا ما تُبحث من زوايا متعددة، نظرًا لاتساع أبعادها وعِظَم شأنها. فمراحل القيامة، وكيفية البعث، وأحداث يوم القيامة، وغيرها من الموضوعات، تُعدّ من المسائل الأساسية التي تُطرح عادةً في سياق الحديث عن القيامة وتحظى باهتمام بالغ.

وكما أُشير في الدروس السابقة، فإن قيامتنا تبدأ بشكل فردي متزامنةً مع وفاتنا وخروجنا من عالم الدنيا، ثم تدخل مرحلةً أخرى مع نهاية العالم وبعث جميع البشر، وهي المرحلة التي يُعبَّر عنها بـ”القيامة الكبرى“. وعلى الرغم من أن أول ما يتبادر إلى أذهان عامة الناس عند سماع لفظ “القيامة” هو تلك الأحداث المروّعة التي ستقع في القيامة الكبرى، إلا أنه لا ينبغي الغفلة عن حقيقة أن القيامة هي ميدان المحاسبة على الأعمال، ومراجعة كيفية أدائنا في دنيا أشبه بمرحلة الرحم.

في الواقع، إن الإيمان بالقيامة واستحضار مسألة المساءلة عن الأعمال يُعدّ عاملًا جوهريًا في تقويم سلوكنا في الدنيا، إذ يترتب عليه تنظيم أفكارنا، وضبط تصرفاتنا، وتوجيه قراراتنا واختياراتنا التي سنُسأل عنها في الآخرة.

كما أننا لا نبلغ النجاح في مراحل حياتنا المختلفة إلا حين نتجاوز نظرتنا المحدودة للأمور، ونسعى إلى تقريب رؤيتنا من الرؤية التي ينظر بها خالق الكون ومدبّره إلى القضايا. عندها نعطي لكل أمر من الأهمية بقدر ما له من قيمة واعتبار عند الله. ومن هنا، فإن ورود مسألة القيامة بأسماء متعددة في القرآن، وكون أحد أسمائها فقط مثل “يوم القيامة” قد ورد سبعين مرة في أهم وأدق كتاب في الوجود، يدلّ على عِظَم مكانة هذا الموضوع عند الله، مما يستدعي منا اهتمامًا خاصًا به.

في هذا الدرس، سنسعى من خلال دراسة مراحل القيامة إلى بلوغ فهم أعمق لهذه المرحلة من الحياة، والاستعداد لمواجهتها والعبور منها بسلام.

دراسة مراحل القيامة

كما ذُكر سابقًا، فإن وفاة الإنسان تُعدّ بداية قيامته. ففي الحقيقة، مع دخول الإنسان إلى عالم البرزخ، تقوم قيامته الصغرى. أما القيامة الكبرى — التي يُشار إليها عادةً باسم “القيامة” — فهي تشمل مراحل أخرى، وقد أُشير إلى هذه المراحل في القرآن الكريم، والأدعية، والزيارات، وسنتناولها بالتفصيل فيما يأتي.

البعث والانبعاث

مع زوال أُنسنا بعالم الطبيعة، وظهور عالم الغيب وغلبته، تبدأ مرحلة البعث. فبدخولنا إلى عالم البرزخ، ننتقل إلى عالم جديد يختلف في نظامه وبنيته وظروفه عن عالم الدنيا، ويستلزم العيش فيه التكيّف مع نظامه البرزخي الخاص. وعلى هذا الأساس، فإن بداية القيامة الكبرى تقترن أيضًا بانتهاء النظام البرزخي، وانبعاثنا ودخولنا في نظام جديد، هو نظام القيامة؛ وهو نظام يختلف عن نظام البرزخ، وله ظروفه ومراحله الخاصة.

غير أنه، كما أن بعثنا في مرحلة القبر والبرزخ كان فرديًا، فإننا في القيامة الكبرى سنُبعث بصورة جماعية؛[1] وكذلك فإن أهوال القيامة الصغرى تكون فردية، أما الهلع والرعب الناتجان عن القيامة الكبرى فيشملان جميع البشر.

الحشر

الحشر في اللغة يعني الاجتماع، ويُطلق على مرحلة من مراحل القيامة يُجمع فيها الناس في ساحة الحساب العظيمة. ففي هذا الموضع، يحضر جميع الأفراد، ويواجه بعضهم بعضًا، لا سيما أولئك الذين كانت بينهم في الدنيا علاقات أو حقوق متبادلة. وفي الحقيقة، لا يوجد عمل واحد يبقى خافيًا في جهاز العدل الإلهي العظيم، ولا يبقى حق مهدور دون أن يُستوفى. ومن هنا، يفرّ الناس بعضهم من بعض بسبب ما ارتكبوه من ظلم، أو تقصير، أو خيانة في الحياة الدنيا.

المحاسبة

لعلّ أدقّ مراحل القيامة وأكثرها حساسية هي مرحلة المحاسبة على الأعمال التي صدرت منا في حياتنا الدنيا ضمن نطاق اختيارنا، والتي نتحمّل مسؤوليتها ونُسأل عنها. وفي الواقع، كما أن تقييم أداء الجنين في مرحلته داخل الرحم يبدأ مع ولادته إلى الدنيا، حيث يُفحص المولود الجديد منذ لحظة دخوله إلى هذا العالم وفق آلاف المعايير المختلفة، فإننا كذلك، عند ولادتنا في الآخرة، نُقاس من حيث ملاءمتنا الوجودية لظروف الحياة الأخروية؛ وكل تقصير أو نقص أو خطأ صدر منا في الدنيا يظهر في نظام الآخرة على هيئة ضعف أو خلل أو مرض.

ومن المسائل التي لا يمكن التغاضي عنها بسهولة، دقةُ أبعاد المحاسبة في القيامة. ولتوضيح ذلك، يكفي أن نتأمل في العوامل المختلفة التي تُسهم في تكيّف المولود مع الظروف الحيوية للدنيا؛ فعلى سبيل المثال، فيما يخص عضوًا صغيرًا لكنه بالغ الأهمية كالعين، ينبغي أن تتحقق بدقة أمور متعددة، مثل حجم العينين، والتناسق في الشكل الظاهري، والتوافق في حركة العينين، ووظيفة العضلات المسؤولة عن تنظيم حركتهما، وعمل العصب البصري، والخلايا المخروطية والعصوية، وكذلك أداء أجزاء مختلفة كالقَرنية، والقُزحية، والشبكية، فضلًا عن آلاف العوامل الأخرى، حتى يتمتع المولود بعين سليمة. ويُظهر هذا المثال مدى الدقة والاتساع في عملية التقييم في الدنيا، كما يعكس وجود مثل هذه الدقة في تقييم أداء الجنين خلال كامل عملية تكوّن الأعضاء.

غير أن النقطة الأساسية تكمن في أننا، كما سنواجه في الآخرة عالمًا أشد اتساعًا وتعقيدًا بما لا يُقاس بعالم الدنيا، فإن معايير محاسبة الأعمال وأبعاد كلٍّ منها ستكون في الآخرة أوسع نطاقًا وأكثر شمولًا تبعًا لذلك.

معيار المحاسبة

تتمثل النقطة الأساسية في أن معيار المحاسبة والنظر في أعمالنا يوم القيامة هو «الحق». وكما أشرنا في الدروس السابقة، فإن أصل وحقيقة وجودنا من الله، وبفضل روحنا غير المحدودة، فإننا على صلة بالحق، أي بالله وأهل البيت (عليهم السلام). ومن هذا المنطلق، فإن الطريق إلى السعادة يقتضي أن نستمدّ أسلوب حياتنا حصراً من الخالق الذي هو ذاته معيار الحق، والذي ينظّم حياتنا وفقًا للتخصصات السبعة اللازمة للوصول إلى الحق.

وفي الواقع، فإن الباطل — لافتقاره إلى معايير الحق، وعدم امتلاكه التخصصات السبعة الضرورية لهدايتنا وإرشادنا — لا يملك القدرة على تعليمنا، حتى لو أراد ذلك؛ لأنه يعتمد على معارف محدودة في اتخاذ قراراته، ويؤسس حياتنا، بدلًا من القواعد الراسخة، على أمور نسبية وضعيفة، قائمة على الشك والأوهام. ومن ثمّ، لا يُسمح له إطلاقًا بتحديد أسلوب حياتنا، إذ لا يؤدي ذلك إلا إلى إبعادنا عن المعايير والضوابط اللازمة لولادة سليمة في الآخرة.

إن كوننا مخلوقين من الحق يجعلنا جديرين بتلقّي أسلوب حياة صحيح وإلهي، والعمل وفق مؤشرات الحق. وبما أنه لا يوجد أي انسجام بين بنيتنا الوجودية والباطل، فإن أي ابتعاد عن معايير الحق في حياتنا الدنيا سيؤدي إلى ولادة غير سليمة في نظام الآخرة، وما يترتب على ذلك من معاناة في النظام الأبدي.

في هذا الدرس، تناولنا أهم مراحل القيامة الكبرى، وبيّنا أن مرحلة المحاسبة — من بين سائر المراحل — ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسلوب حياتنا في الدنيا، وأن مدى قربنا أو بُعدنا عن معايير الحق هو الذي يحدّد وضعنا في النظام الأبدي.

[1]  مرتضى المطهري، الرؤية الكونية(بحث المعاد)، ص31