محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

دراسة جذرية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لماذا لا يصلح العالم رغم كل التديّن؟

في كثير من مجتمعات دينية، تُعدّ الحساسية تجاه المعروف والمنكر أمراً معروفاً بل وبارزاً أيضاً. ففي بيئات أسرية أو تعليمية أو اجتماعية يمكن ملاحظة أن الأفراد يتفاعلون مع بعض السلوكيات؛ فعلى سبيل المثال، قد يدور في مجلس عائلي نقاش حول الالتزام بمعيار أخلاقي معيّن، أو قد يعترض بعض الناس في الفضاء العام على بعض المظاهر السلوكية غير المقبولة. وفي مثل هذه المواقف يُتصوَّر عادةً أن المجتمع يمتلك حساسية تجاه قضية المعروف والمنكر، وأنه يسير من هذه الجهة في طريق الإصلاح. إلا أنّ التجربة التاريخية والاجتماعية تُظهر أن مجرّد ازدياد الحساسية تجاه بعض السلوكيات لا يؤدي بالضرورة إلى إصلاح المجتمع إصلاحاً حقيقياً.

ولتوضيح هذه القضية بصورة أدق، يمكن الالتفات إلى مثال بسيط: لنفترض أن مديراً في مؤسسة ما يركّز كل اهتمامه على الانضباط الشكلي في بيئة العمل؛ فيراقب تأخر الموظفين، ويدقّق في الالتزام بالزي الإداري، ويشدّد على مراعاة بعض القواعد الفرعية. قد تكون هذه الإجراءات نافعة في موضعها؛ لكن إذا كان هذا المدير نفسه غافلاً عن الهدف الأساسي للمؤسسة، وعن توجّه الأنشطة، أو عن جودة القرارات الكبرى، فإن النظام الظاهري لن يمنع فشل المؤسسة أو ضعف كفاءتها. في مثل هذا الوضع، لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب القوانين الفرعية، بل في الخطأ في تشخيص الأولويات.

ويمكن ملاحظة نموذج مشابه في الحياة الفردية أيضاً؛ فربما يهتم الإنسان في برنامجه اليومي بمجموعة من الأعمال الصحيحة، ويسعى إلى ترك بعض السلوكيات الخاطئة، لكنّه رغم هذه الجهود يبقى يشعر بالتشتت وغياب الاتجاه في حياته. في مثل هذه الظروف لا تكون المشكلة بالضرورة في قلّة سلوكيات صحيحة، بل قد يكون السبب أن هذه الأعمال المتعددة لم تُنظَّم حول محور واضح ومنسجم؛ ونتيجة لذلك، قد تبدو السلوكيات صحيحة في ظاهرها، لكنها لا تؤدي في مجموعها إلى بناء مسار ذي معنى.

وهنا يبرز السؤال: هل إنّ التعريف الشائع للمعروف والمنكر قادر على تفسير المشكلات الأساسية في الحياة الفردية والاجتماعية ومعالجتها أم لا؟ في النظرة الأولى، يُختزل المعروف غالباً في مجموعة من السلوكيات المرغوبة، ويُختزل المنكر في قائمة من الأفعال المرفوضة. وفي مثل هذا التعريف ينصبّ الاهتمام أساساً على ظاهر الأعمال، مع إغفال العلاقة التي تربط هذه الأعمال بمحور أساسي جامع. ونتيجةً لذلك، قد يكون المجتمع حساساً تجاه بعض السلوكيات، لكنه مع ذلك يبقى في مستوى أعمق عرضةً لأزمات خطيرة.

إن هذا الوضع ناتج عن خطأ جذري في معيار التقييم. فوفقاً لهذا المنظور، وقبل الحديث عن مصاديق المعروف والمنكر لا بدّ من تحديد المعيار الأساسي الذي يُعرَف به كلٌّ منهما؛ لأن هذا المعيار إذا لم يُحدَّد بصورة صحيحة، فإن الجهود الواسعة المبذولة في نشر المعروف أو مكافحة المنكر قد لا تؤتي النتائج المطلوبة. وبعبارة أخرى، إن المشكلة الأساسية ليست في قلّة النشاطات الإصلاحية، بل في غياب الأساس الدقيق الذي يحدّد الاتجاه الصحيح لهذه النشاطات.

من هذا المنطلق، تبرز أهمية إعادة النظر في مفهومَي «أكبر معروف» و«أكبر منكر»؛ لأنّ التشخيص الصحيح لأكبر معروف يمنح سائر المعروفات معناها الحقيقي من خلال ارتباطها به، كما أنّ التشخيص الدقيق لأكبر المنكر يساعد على فهم كثير من الانحرافات والاضطرابات في ضوء علاقته به. ومن هنا تنطلق هذه المقالة للإجابة عن سؤالٍ رئيس: ما المعيار الجوهري في تشخيص أكبر معروف وأكبر منكر؟ وكيف يمكن لهذا المعيار أن يتجلّى في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية؟

هذه المقالة تسعى أولاً إلى توضيح الإطار النظري لهذه المسألة، ثم إلى دراسة مكانة الأصل المحوري في الدين في تعريف المعروف والمنكر، وأخيراً إلى بيان كيف يمكن لإعادة تعريف هذين المفهومين أن يتغيّر فهمنا للتديّن الفردي، والمسؤولية الاجتماعية، واتجاه حركة المجتمع.

المشكلة الأساسية في العالم وعلاقتها بالمعروف والمنكر

خلافاً لكثير من التحليلات الشائعة التي تختزل مشكلات الإنسان في الفقر الاقتصادي، أو الظلم الاجتماعي، أو الضعف الثقافي، أو حتى القصور الأخلاقي، فإن هذه القضايا ليست سوى نتيجة لمشكلة أعمق منها. بعبارة أخرى، فإن ما يظهر على مستوى العالم من أزمات متعددة ومتنوعة، إنما يعود في جذوره إلى خطأ أساسي في تشخيص محور هداية الإنسان. وما لم يُعرَف هذا المحور على الوجه الصحيح، فلن تصل أيّ من محاولات الإصلاح إلى نتيجة ثابتة ودائمة.

فالإنسان ليس كائناً متروكاً في هذا العالم بحيث يستطيع أن يحدّد مساره اعتماداً على العقل الأداتي أو التجربة التاريخية فقط. إن الحياة الإنسانية تحتاج إلى نظام ذي معنى، نظام يحدّد اتجاه الحركة، والأولويات، والقيم. فإذا اختلّ هذا النظام أو جرى تجاهله، فإن حتى الأعمال الصحيحة قد تقع في غير موضعها المناسب. في مثل هذه الحالة قد يكون المجتمع مملوءاً بالأنشطة الدينية والأخلاقية والثقافية، ومع ذلك يظلّ من داخله مبتلى بالتشتت والتعارض وعدم الجدوى. هذه الحالة تدلّ على أن المشكلة الأساسية لم تُحلّ على مستوى السلوكيات، بل لا تزال قائمة على مستوى الأساس والمبنى.

وفي النظرة السطحية، يُختزل المعروف والمنكر في مجموعة من المصاديق السلوكية؛ فبعض الأفعال تُعرَّف على أنها حسنة، وبعضها الآخر يُعدّ سيئاً. غير أنّ هذا المنهج، إذا لم يلتفت إلى معيار التقييم، سيؤدي حتماً إلى الخطأ؛ لأنه إذا ضاع المعيار الأساسي اضطربت أيضاً قائمة المعروفات والمنكرات. وفي مثل هذه الظروف قد يتم تجاهل أمور تؤدي دوراً جوهرياً في إفساد طريق الهداية، بينما تتحول قضايا فرعية إلى محور الحساسية الدينية والاجتماعية.

والنقطة المحورية هنا هي أن أكبر أزمات العالم ليست في غياب القوانين، ولا في نقص الأخلاق، ولا في ضعف البنى الاجتماعية، بل في انقطاع الإنسان عن محور الهداية الإلهية. وهذا الانقطاع يظهر تدريجياً في مستويات متعددة: ففي المستوى الفردي يتجلّى على شكل حيرة واضطراب روحي، وفي المستوى الاجتماعي على هيئة ضعف في التعاطف وزيادة في الصراعات، وفي المستوى الكلي على صورة عجز في الأنظمة القيمية. ومن هذا المنظور، ينبغي أن يُقاس المعروف والمنكر الحقيقيان بحسب دورهما في ترميم هذا الانقطاع أو تعميقه، لا بمجرد النظر إلى ظاهرهما أو إلى آثارهما القصيرة الأمد.

وإذا لم تُشخَّص المشكلة الأساسية في العالم تشخيصاً صحيحاً، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيتحولان إلى نشاط سطحي، وربما ينقلبان إلى صورة معكوسة من حيث الأثر. ففي مثل هذا الوضع قد يُظهر المجتمع ردود فعل حادة تجاه بعض الانحرافات الظاهرية، لكنه يبقى غير مكترث بالجذور الحقيقية للانحراف. ونتيجة هذا النهج هي زيادة التوتر من دون إصلاح حقيقي. إن الإصلاح المستدام لا يكون ممكناً إلا عندما يُعاد تعريف المعروف والمنكر في ضوء المشكلة الأساسية في العالم؛ أي من خلال تشخيص أكبر المنكرات بوصفه العامل الرئيس في الانقطاع، وتشخيص أكبر المعروفات بوصفه نقطة العودة وإعادة البناء. وما لم يُقبل هذا المستوى من التحليل، فستبقى جميع الجهود حبيسة معالجة النتائج والآثار، بينما تظل المشكلة الأساسية قائمة من دون معالجة.

الولاية وإعادة تعريف مفهومي أكبر معروف وأكبر منكر

إن أكبر منكر لا يختزل في سلوك محدد أو في مجموعة من المخالفات الظاهرية، بل يكتسب معناه في حالة جذرية وشاملة تتمثل في انقطاع الإنسان ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ عن محور الهداية الإلهية، وعدم الالتفات إلى موقع الولاية في تنظيم الحياة الفردية والاجتماعية. فكثير من المنكرات التي تكون عادة موضع الاهتمام ليست في الحقيقة إلا نتائج ثانوية لهذا الانقطاع الجذري، وليست السبب الأصلي للأزمة.

فالمنكر هو كل ما يُخرج الإنسان من دائرة الوفاء والانسجام والمرافقة للمسار الإلهي. وعندما يتحول هذا الانفصال إلى حالة عامة، فإن حتى الأعمال التي تبدو صالحة تفقد فاعليتها، وتتحول إلى سلوكيات متفرقة فاقدة للاتجاه. والخطر الأكبر في مثل هذا الوضع هو أن يصبح هذا الانقطاع أمراً مألوفاً، وأن يتحول إلى معيار خفي يحكم حياة الناس من غير أن يشعروا بذلك.

ومن المهم الالتفات إلى أن أكبر منكر، وفق هذا الفهم، لا يكون بالضرورة مصحوباً بردود فعل فورية أو ظاهرة. فقد يكون المجتمع شديد الحساسية تجاه كثير من الانحرافات، لكنه في الوقت نفسه يبقى غير مبالٍ بضعف صلته بمحور الهداية. وهذه اللامبالاة تمهّد لنشوء نوع من التديّن الخالي من الروح؛ تديّن لا يربط الناس بعضهم ببعض، بل يباعد بينهم، ولا يرسّخ روح التآلف، بل يهيّئ بيئة للحكم على الآخرين والصراع معهم. ومن هنا فإن إعادة تعريف أكبر منكر تتطلب تجاوز ظاهر المصاديق والالتفات إلى الجذور العميقة التي تحدد اتجاه الحياة الدينية.

وفي مقابل هذا المنكر الجوهري، فإن أكبر معروف لا يتمثل في أداء فعل فرعي معيّن، بل في تكوّن علاقة صحيحة وثابتة مع محور الهداية الإلهية. وهذه العلاقة هي الوفاء الواعي والمتناغم مع ذلك المحور، وهو ما يمنح الحياة الفردية والاجتماعية معناها وانسجامها. وبناءً على هذا الفهم، يكون المعروف هو كل ما يرسّخ الإنسان في دائرة المسؤولية الإلهية، ويهيّئ له إمكان النمو المتوازن في السلوك والفكر والعمل الاجتماعي.

إن أكبر معروف، قبل أن يكون سلوكاً جزئياً، هو موقف وجودي شامل. فهذا الموقف يحرر الإنسان من التمركز حول الذات ومن التشتت، ويعيد تنظيم وجوده في ضوء حقيقة أسمى. والنتيجة الطبيعية لهذا الموقف هي ازدياد التآلف، وتراجع الصراعات، وتكوّن الثقة في العلاقات الإنسانية. وعندئذٍ تغدو الأعمال الصالحة ذات معنى لا بوصفها واجبات مفروضة، بل بوصفها تجليات طبيعية لهذا الوفاء.

وهذا الوفاء لا يبقى مجرد حالة باطنية، بل يترك آثاراً واقعية واجتماعية تظهر في طريقة اتخاذ القرارات، وفي ترتيب الأولويات، وفي كيفية التعامل مع القضايا العامة. فالمجتمع الذي يترسخ فيه هذا المعروف يمتلك ـ حتى في مواجهة المشكلات والتحديات ـ انسجاماً داخلياً واتجاهاً مشتركاً. ومن هنا فإن الأمر بالمعروف هو في حقيقته دعوة إلى عودة جذرية؛ عودة تبدأ بإصلاح العلاقة الأساسية، ثم تنعكس على إصلاح السلوكيات.

هذه القراءة تكشف أن أكبر معروف وأكبر منكر ليسا مفهومين متفرقين، بل هما طرفان لعلاقة واحدة؛ فكلما تقوّت هذه العلاقة تيسّر طريق نمو الفرد والمجتمع، وكلما ضعفت، فإن حتى الجهود الإصلاحية الواسعة لن تصل إلى نتيجة مستقرة ودائمة.

الآثار الفردية والاجتماعية لإعادة تعريف المعروف والمنكر

استناداً إلى الإطار الذي تم توضيحه في الأقسام السابقة، فإذا كان أكبر منكر يتمثل في انقطاع الإنسان عن محور الهداية الإلهية، وكان أكبر معروف يتمثل في الوفاء لذلك المحور والتآلف معه، فإن آثار إعادة التعريف هذه لا تبقى في المستوى النظري فحسب، بل تظهر بصورة مباشرة في الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان. إن علاقة الإنسان بهذا المحور ليست مجرد مسألة اعتقادية صرفة، بل هي عامل حاسم في تشكيل النظام الداخلي للإنسان وانسجام المجتمع الخارجي.

على المستوى الفردي، فإن أول أثر لعدم الالتفات إلى هذه العلاقة هو التشتت في التدين وغياب الانسجام الداخلي. ففي مثل هذه الحالة قد يؤدي الإنسان مجموعة من الأعمال الصحيحة، ويتجنب في الوقت نفسه بعض السلوكيات الخاطئة، إلا أن هذه الأعمال لا تتحول إلى مسار متماسك ذي معنى. إذ تبقى السلوكيات منفصلة بعضها عن بعض بدل أن تنتظم في اتجاه واحد مشترك. ونتيجة هذا الوضع هي نوع من التدين الظاهري الذي قد يكون قابلاً للملاحظة على مستوى السلوك، لكنه لا يمتلك في عمق الحياة الفردية القدرة على إحداث الاستقرار والسكينة. وهذا الوضع هو نتيجة مباشرة لفقدان المعيار الأساسي في تقييم المعروف والمنكر.

في المقابل، عندما تُعاد صياغة علاقة الإنسان بمحور الهداية، فإن الأعمال الفردية تكتسب معنى واتجاهاً. وفي هذه الحالة لا تعود الأفعال الدينية والأخلاقية مجموعة متفرقة من التكاليف، بل تصبح أجزاء من مسار واحد متكامل، حيث ينعكس هذا الانسجام تدريجياً على بنية شخصية الفرد، ويؤدي إلى نوع من الثبات في القرارات وترتيب الأولويات في الحياة. كما تُعزَّز الكثير من الفضائل الأخلاقية بصورة طبيعية في هذا السياق؛ لأن الإنسان عندما يحدد الاتجاه العام لحياته، يمتلك معياراً أوضح عند مواجهة التعارضات والاختيارات.

وينطبق هذا المنطق ذاته على المستوى الاجتماعي أيضاً. فالمجتمع الذي يفقد علاقته بمحور الهداية، حتى وإن كان يمتلك في الظاهر قوانين وهياكل وبرامج إصلاحية، فإنه يواجه تدريجياً تآكل الثقة وتزايد التناقضات الداخلية. وفي مثل هذا المجتمع يعمل الأفراد والجماعات وفق تصورات محدودة لما يعد خيراً أو شراً، مما يؤدي إلى تشكل تشتت في المنظومة القيمية. هذا التشتت لا يضعف فقط التآلف الاجتماعي، بل يهيئ أيضاً لظهور تنافسات غير صحية وأحكام متبادلة بين الأفراد.

في هذا السياق، لا يقتصر دور النخبة والمسؤولين الاجتماعيين على إدارة الشؤون التنفيذية، بل إن لهم دوراً حاسماً في حفظ وتقوية ارتباط المجتمع بمحور الهداية. فعندما يضعف هذا الارتباط على مستوى القيادة الاجتماعية، تنتشر آثاره بسرعة في المجتمع كله، ويصاب النظام القيمي بحالة من الاضطراب. وعلى العكس، عندما يُعزَّز هذا الارتباط، فإن المجتمع، حتى في أصعب الظروف، يمتلك نوعاً من الانسجام الداخلي الذي يتيح له تجاوز الأزمات.

وعليه، فإن الأثر الاجتماعي لإعادة تعريف المعروف والمنكر يتمثل في نقل الاهتمام من إصلاحات متفرقة إلى إصلاح اتجاه حركة المجتمع. وفي هذا النهج، لا يقتصر السعي إلى نشر المعروف على توصيات أخلاقية، بل يتجه إلى تعزيز الروابط الأساسية بين المجتمع ومسار الهداية الإلهية. ونتيجة هذه العملية هي تشكيل فضاء تُعزَّز فيه الثقة الاجتماعية، والتآلف، والمسؤولية الجماعية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن دراسة مسألة المعروف والمنكر على مستوى السلوك الفردي أو القوانين الاجتماعية فقط، فهذان المفهومان في الحقيقة يشيران إلى علاقة أعمق في الحياة الإنسانية؛ علاقة إذا تشكلت بصورة صحيحة أدت إلى انسجام الشخصية الفردية وتماسك المجتمع، وإذا ضعفت، فإن الأزمات الجوهرية ستبقى قائمة حتى مع كثرة محاولات إصلاح السلوك.

وإذا أردنا تلخيص مجمل هذا البحث في جملة واحدة، فإن المشكلة الأساسية هي أننا غالباً ما ننظر إلى المعروف والمنكر على أنهما أفعال متفرقة، بينما جذورهما تعود إلى علاقة أساسية واحدة. فأكبر المنكر هو انفصال الإنسان عن محور الهداية الإلهية وتكوّن حالة من التشتت الداخلي والاجتماعي، وأكبر المعروف هو الارتباط الواعي و المتآلف مع ذلك المحور، ارتباط يمنح الحياة اتجاهها، ويجعل الأفعال الصحيحة تنبع بشكل طبيعي ومنسجم من قلب الإنسان.

بهذا المنظور، فإن كثيراً من المشكلات الفردية والاجتماعية لا تعود إلى نقص الجهود، بل إلى غياب الاتجاه. فعندما تُصحَّح العلاقة الأساسية، تكتسب الأفعال الجزئية معناها؛ وعندما تضيع هذه العلاقة، فإن حتى الأعمال الصحيحة لا تترك أثراً عميقاً. ومن ثم فإن فهم المعروف والمنكر يعني إدراك النقطة المركزية للولاية، أي مرجعية المتخصص المعصوم والهداية تحت ظله، بما يمكن أن ينقذ الفرد والمجتمع من التشتت ويقودهما نحو مسار واحد ثابت. وبهذا يصبح أكبر سعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو السعي نحو تحقق ظهور المتخصص المعصوم وتوليته قيادة المجتمع.