من المظهر المقدّس إلى التديّن المؤثر؛ معيار اختيار الأشخاص الآمنين في حياتنا
في تجاربنا اليومية، نواجه مرارًا مواقف تجعل الحكم على الأشخاص أمرًا صعبًا. لنتخيّل مثلًا شخصًا في بيئة العمل يحمل علامات التدين الظاهر، لكنه في الواقع سريع الانفعال، حادّ الطبع، حسود، وغير منصف في تعامله مع الآخرين؛ أو شخصًا يعرف الآداب الدينية في العلاقات الأسرية، لكنه يفتقر إلى أدنى درجات الهدوء، وسعة الصدر، والقدرة على منح الآخرين شعورًا بالأمان والاطمئنان. القضية هنا ليست مجرّد وجود تناقض بين الظاهر والباطن؛ بل السؤال الأعمق هو: هل يمكن اعتبار مثل هذا الشخص أهلًا للمرافقة، أو الشراكة، أو الصداقة، أو الزواج؟
ترتبط الإجابة عن هذا السؤال بفهمٍ صحيح لمعنى التدين؛ فهمٌ لا يبحث عن الدين في حدود العلامات الخارجية فقط، بل ينظر إليه من خلال آثاره الحقيقية التي تظهر في شخصية الإنسان وفي طبيعة علاقاته الإنسانية. فالتزام الإنسان بالدين، إذا كان التزامًا حقيقيًا، لا بدّ أن ينعكس في بناء شخصيته، وتوازنه النفسي، وجودة أخلاقه، وقدرته على منح الآخرين شعورًا بالأمان والثقة. ومن هذا المنطلق، فإنّ الهدوء، والانشراح الروحي، وحسن الخلق، والإنصاف ليست أمورًا ثانوية أو نتائج عرضية، بل هي من الآثار الطبيعية والجوهرية لارتباط الإنسان بحقيقة الدين.
وفي المقابل، فإنّ القلق المستمر، والحسد، والغضب، والعدوانية، وسوء الكلام، ليست مجرّد تصرفات سلبية متفرقة، بل قد تكون مؤشرات على وجود خلل في علاقة الإنسان بالحقيقة التي يُفترض أن تمنحه السكينة والتماسك الداخلي. وعليه، فإنّ الحديث عن التدين هنا لا يقتصر على الطقوس والممارسات التعبدية، بل هو حديث عن الأساس الوجودي لشخصية الإنسان، وعن مدى قدرته على أن يكون شخصًا موثوقًا وآمنًا في المجتمع وعلاقاته مع الآخرين.
التدين ومعيار معرفة التوازن الداخلي
تتمثّل الخطوة الأولى في فهم هذه القضية في الانتباه إلى العلاقة بين الدين وبناء شخصية الإنسان. فالشخصية المتوازنة هي الشخصية التي تمتلك قواها الداخلية قدرًا من الانسجام، بدلًا من أن تكون موزّعة بين التشتّت، والتناقض، والاضطراب.
إنّ الشعور بالأمن، والسكينة، والنشاط، وحلاوة الحياة، في هذا الإطار، لا يُعدّ مجرّد حالات نفسية عابرة، بل هو من علامات استقرار الإنسان الذي يكون في علاقة صحيحة مع الوجود ومع ذاته. ومن هنا، وعندما يُقال إنّ مقدار ما يعيشه الإنسان من فرحٍ وطمأنينة يكشف عن مقدار تدينه فليس المقصود أنّ كل شعورٍ بالراحة يُعدّ دليلًا كافيًا على الإيمان؛ وإنما المراد أنّ الدين الحق، إذا نفذ إلى أعماق النفس واستقرّ فيها، لا يمكن إلا أن يورثها أمنًا داخليًا، وسكينةً راسخة، وطمأنينةً تنعكس على حياة الإنسان كلّها.
ويقوم هذا الفهم على مبدأ واضح: الحقّ بولّد النظام ويتعارض مع الفوضى والاضطراب. فإذا كان الدين حقًا، فلا بدّ أن تظهر آثار حقانيته في أعماق النفس الإنسانية أيضًا. وتتمثّل هذه الآثار، قبل كل شيء، في سكينة الروح، وانشراح الباطن، وامتلاك قدر من الثبات والاتزان في مواجهة الحياة.
ولهذا، فإنّ الحياة التي تفتقد الأمان، وفي أجواء يسيطر عليها الخوف والقلق، ليست حياةً متمتّعة بالطمأنينة الحقيقية. فالقول المنقول عن أمير المؤمنين الإمام عليّ (عليه السلام)، والذي يُعرّف الابتعاد عن الدين بأنّه ابتعاد عن الأمان، يشير بدقّة إلى هذا الترابط العميق؛ فحين تغيب حقيقة الدين، تغيب السكينة، وتفقد الحياة حلاوتها الحقيقية ومعناها العميق، وإن استمرّت من حيث الشكل والمظهر.
وعليه، فإنّ الأمان ليس أمرًا هامشيًا أو أثرًا ثانويًا، بل هو من أعظم وأعمق ثمار حضور حقيقة الدين في كيان الإنسان.
علامات فقدان التدين في ساحة السلوك
وكما أن الدين الحق يترك أثره في شخصية الإنسان، فإنّ غيابه لا بدّ أن يظهر أيضًا في ملامح سلوكه وتصرفاته. فالقلق الدائم، والحسد، وسرعة التأثر والانفعال، والغضب، والعدوانية، والبذاءة في الكلام، تُعدّ من العلامات التي تكشف عن ضعف حضور التدين الحقيقي في حياة الإنسان.
وتكمن أهمية هذه الصفات في أنّ كل واحدة منها تشير، بطريقة أو بأخرى، إلى وجود اضطراب أو فقدان للأمان الداخلي. فالإنسان القَلِق لم يصل بعدُ إلى حالة السكون والاطمئنان؛ والإنسان الحسود يعيش في داخله صراعًا مع الآخرين؛ والإنسان العدواني يفتقد السيطرة والوقار الداخلي؛ أمّا الإنسان البذيء في لغته، فقد ابتعد حتى في كلامه عن الاعتدال وصيانة الكرامة. هذه المجموعة من الصفات ترسم أمامنا صورةً لنفسٍ مضطربة لا تعرف الاستقرار.
بناءً على ذلك، لا يمكن اختزال التدين في مجموعة من الطقوس والآداب التي لا تترك أثرًا في أخلاق الإنسان وطبيعته السلوكية. فإذا كان شخصٌ ما مصدرًا دائمًا للتوتر، والخوف، والجرح النفسي، والقلق لمن حوله، فلا يمكن إقامة علاقة راسخة بينه وبين حقيقة الدين.
فالقضية هنا ليست مجرّد أخلاقٍ بالمعنى الاصطلاحي أو آدابِ معاشرةٍ سطحية؛ بل القضية الأعمق هي أنّ الخلق والسلوك اللسان الناطق بما استقر في باطن الإنسان، والمرآة الصادقة التي تعكس حقيقة قلبه للآخرين. فإذا كان ذلك الباطن موصولًا بالحق، فلا يمكن أن يظل يُنتج في نفوس الآخرين شعورًا بالخوف أو انعدام الأمان؛
ولهذا، فإنّ تقييم شخصية الإنسان ينبغي أن يتجاوز حدود الادعاءات والشعارات، ليصل إلى مستوى الآثار والنتائج. فالآثار هي الشاهد الأوضح والأصدق على حقيقة ما يستقر في داخل الإنسان، وهي المعيار الفاصل بين صدق العلاقة الباطنية مع الحق وزيفها.
التدين وإبطال كفاية المظهر المقدّس
من أدقّ النقاط في هذا البحث التأكيد على عدم كفاية المظاهر المقدّسة في تقييم الإنسان. فقد يكون الإنسان على صلة بالرموز الدينية، أو بالأجواء الإيمانية، أو بالمظاهر المرتبطة بالدين، لكنّ هذه الصلة بحدّ ذاتها لا تكفي لإثبات سلامة باطنه واستقامة شخصيته.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين «الصورة الدينية» و«الحقيقة الدينية»؛ فالصورة أمر خارجي يمكن رؤيته وملاحظته، أمّا الحقيقة فإنّها تُعرف من خلال آثارها ونتائجها. فإذا غابت هذه الآثار، فإنّ الصورة وحدها لا تكون دليلًا كاملًا على وجود الحقيقة.
ومن هنا يُقال: إنّ الإنسان الذي لا يعرف الفرح والسكينة، والذي يعيش دائمًا في دوامة الحسد والعدوانية والانفعال، لا يمتلك التدين الحقيقي، حتى لو كان مرتبطًا بالمظاهر المقدّسة للدين أو ملازمًا لأشكاله الخارجية. هذه الفكرة تحمل بُعدين مهمّين: بُعدًا معرفيًا وبُعدًا اجتماعيًا.
أما من الناحية المعرفية، فهي توضّح أنّ معيار تقييم الإنسان ليس مجرّد انتسابه إلى أمر مقدّس أو قربه من مظاهره، بل المعيار هو كيفية تحقّق الدين وتأثيره في بناء شخصيته وسلوكه.
وأما من الناحية الاجتماعية، فهي تكشف أنّ الثقة العامة لا ينبغي أن تُبنى على العلامات الظاهرية وحدها. فالمجتمع والأسرة وبيئة العمل قد يقعون في الخطأ عندما يجعلون المظهر بديلًا عن المعايير الأعمق والأكثر جوهرية.
إنّ الانخداع بالظاهر هنا ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل هو خطأ عملي ذو آثار مباشرة؛ لأنّه قد يدفع الإنسان إلى الدخول في علاقة صداقة، أو شراكة، أو حياة مشتركة مع أشخاص قد يكونون في حقيقتهم مصدرًا لعدم الأمان والاضطراب.
التدين ومنطق الاختيار في الصداقة والزواج والشراكة
من هنا تتجلّى النتيجة الطبيعية لهذه المباحث: أنّ الإنسان حين يُقدِم على علاقةٍ مصيرية في حياته، لا ينبغي أن يجعل معياره المال أو المكانة أو المظاهر، وإنما أن ينظر إلى قدرة الطرف الآخر عللى منح الأمان، وما يتحلّى به من إنصافٍ وعدل.
فالزوج، والصديق، والشريك، والزميل، ليسوا مجرّد أشخاص يرافقون الإنسان في ظاهره اليومي؛ بل إنّ كل علاقة من هذه العلاقات تسهم في تشكيل جانب من مساره العملي ومصيره الحياتي.
ومن هنا، لا يمكن أن يكون معيار الاختيار قائمًا فقط على التشابه في الأذواق، أو حسابات المنفعة العاجلة، أو حتى أوجه التشابه السطحية. فالإنسان الذي يفتقد التوازن الداخلي سينقل اضطرابه وانعدام أمانه إلى علاقاته عاجلًا أم آجلًا. فالحسد، والظلم، وغياب الإنصاف، تبدأ أولًا في أعماق النفس، ثم تظهر آثارها في التعاملات الإنسانية. وعليه، فإنّ التدين في هذا المستوى يصبح معيارًا لقياس قدرة الإنسان على العيش المشترك مع الآخرين في إطار من العدل والثقة والاطمئنان.
وهذا المعنى هو ما يجعلنا ـ على سبيل المثال ـ في موضوع الشراكة التجارية لا نكتفي بمجرد كون الشخص ممّن يؤدّون الصلاة، بل يُؤكَّد أحيانًا على التزامه بالحضور في صلاة الجماعة. فجوهر هذا التأكيد ليس مجرد أداء عبادة منفردة، بل الإشارة إلى التزام عملي واجتماعي بالدين؛ التزامٍ يظهر في السلوك الجماعي، وفي تحمّل المسؤولية، وفي الحضور الإيجابي بين الناس.
وفق هذا المنطق، فإنّ الإنسان الملتزم بحقيقة الدين لا يكون من أهل الحسد ولا من أهل الظلم؛ لأنّ علاقته بالآخر لا تقوم على الاستعلاء أو الجور أو الانتقاص من حقوقه. وفي المقابل، فإنّ غياب الإنصاف، حتى لو اختبأ خلف بعض مظاهر القداسة، يكشف أنّ باطن الإنسان لم يصل بعد إلى درجة الأمان اللازمة لحمل الأمانة وإقامة العدل.
من هنا، فإنّ معيار اختيار الشريك أو الزميل يعود في جوهره إلى سؤال واحد: هل هذا الإنسان مصدر طمأنينة للآخرين، أم أنّه مصدر تهديد واضطراب؟
بناءً على ذلك، ينبغي أولًا أن ندرك أنّ الدين، في صورته الحقيقية القائمة على الحق، ليس أمرًا بلا أثر في وجود الإنسان. ثم ينبغي أن نعلم أنّ أبرز مجالات ظهوره تتمثّل في السكينة، والتوازن، وحسن الخلق، والإنصاف. وبعد ذلك، لا بدّ من التحرّر من خطأ التركيز على الظاهر وحده، والتمييز بين العلامات المقدّسة وبين الحقيقة التي تحقّقت فعلًا في شخصية الإنسان وسلوكه.
وأخيرًا، ينبغي أن ينتقل هذا الفهم إلى قرارات الحياة الواقعية؛ أي إلى اختيار الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا، ونتعاون معهم، ونسلّمهم جزءًا من حياتنا ومصائرنا.
في هذا الأفق، لا يكون التدين مجرّد عنوانٍ شكلي أو صفةٍ تشريفية، بل يصبح معيارًا لقياس الأمان، والعدل، والجدارة بالثقة في العلاقات الإنسانية.
فحيث تتحقق هذه المعايير حقيقةً، تظهر السكينة والاطمئنان؛ وحيث تغيب، فإنّ انعدام الأمان سيكشف عن نفسه عاجلًا أم آجلًا، حتى لو حضرت المظاهر المألوفة والشعارات المقدّسة.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.
