منهج التربية الإلهية ومسار ارتقاء الإنسان في علاقته بالله
افترض أنك تريد أن تعلّم أخاك الأصغر الثقة بالنفس ومهارة حلّ المشكلات. إذا كنت تتخذ القرارات عنه باستمرار، فسيظلّ دائمًا مستهلكًا ينتظر من الآخرين أن يقوموا بالأمور نيابةً عنه. لكن ماذا لو قلت له ذات يوم، في خضمّ أزمة صغيرة، كضياع مفاتيح المنزل أو تعطل قفل الباب: «أنا مشغول ولا أستطيع القيام بذلك الآن، من فضلك ابحث أنت عن طريقة لفتح هذا الباب؛ لا أستطيع سوى إرشادك»؟ ماذا سيحدث؟
في تلك اللحظة، تكون قد أظهرت نفسك ظاهريًا بمظهر العاجز، لكنك في الحقيقة تعمل في الباطن على هندسة قفزة نوعية في نموّه. لقد نقلت ذلك الشاب من موقع المتفرّج السلبي الذي ينتظر من الآخرين أن يفعلوا الأشياء نيابةً عنه، إلى مركز الحدث. فأصبح عليه الآن أن يفكّر، وأن يختار الأدوات، وأن يتحمّل مسؤولية النتيجة. إن هذا الظهور بمظهر المحتاج منك هو، في الحقيقة، استثمار تربوي.
هذا النموذج يقدّم مثالًا دقيقًا لفهم نموذج التربية الإلهية. فالله، بوصفه مربّي الوجود، لا يحتاج إلى أموالنا، ولا إلى إعانتنا، ولا إلى عباداتنا؛ غير أن دعوته إيّانا إلى المشاركة تقوم على المنطق نفسه المتمثّل في إخراج الإنسان من حالة السلبية والانفعال. ونحن نُدعى إلى هذا المسار، لا لسدّ حاجة لدى الله، وإنما من أجل بناء ذواتنا وتكوينها.
تتمحور القضية الأساسية في هذه المقالة حول السؤال الآتي: إذا كان الله سبحانه وتعالى غنيًّا غنىً مطلقًا عن خلقه، فلماذا يخاطب الإنسان في القرآن بلغة الطلب والأمر، ويدعوه إلى الإنفاق، بل يستخدم تعبيرات من قبيل «إقراض الله»؟ هل هذه التعبيرات مجرّد أساليب أدبية، أم أن وراءها منطقًا تربويًا كامنًا؟ يسعى هذا البحث إلى بيان أن جانبًا مهمًا من الخطابات الدينية ينبغي فهمه في إطار «آلية التربية الإلهية»؛ وهي آلية لا يكون فيها الإنسان مأمورًا بالطاعة فحسب، بل مدعوًّا أيضًا إلى النمو والمشاركة وبناء الذات. ومن هذا المنظور، لا يُعدّ الدين مجرّد مجموعة من التكاليف، بل هو مشروع لإخراج الإنسان من حالة الانفعال والسلبية، وإيصاله إلى مرتبة من الفاعلية الأخلاقية والوجودية.
لماذا لا يمكن إرتقاء الإنسان من دون إطار وقانون؟
الإنسان، في الرؤية القرآنية، ليس مسافرًا متروكًا في رحاب الوجود، ولم يأتِ إلى هذا العالم لمجرّد تمضية الأيام أو تراكم المعلومات؛ بل غايته الأساسية تحوّلٌ وجوديّ عميق: «الصيرورة». فهناك مسافة عميقة بين أن يعرف الإنسان القواعد الأخلاقية، وبين أن يتحوّل هو نفسه إلى إنسان كريم صبور عادل. ومن هذا المنظور، ليست التربية الإلهية مجموعة من الواجبات المتفرقة التي لا رابط بينها، بل هي نمط مخطّط يهدف إلى أن يتزيّن الإنسان، خطوةً بعد خطوة، بالصفات والكمالات الإلهية، مثل الرحمة والعفو والحِلم والعدل.
إن المعارف البشرية الشائعة، من العلوم التجريبية إلى المهارات الإدارية، تزيد قدرتنا على التحليل والفهم والتدبير في الحياة، لكنها لا تمتلك، في حدّ ذاتها، القدرة على تغيير صفات الإنسان. فقد يكون المرء عالمًا بارزًا، ومع ذلك يظلّ أسير الأنانية أو الخوف أو البخل. وما ينقل الإنسان إلى مرتبة أعلى هو تَشكُّل الصفات الحقيقية في أعماقه. وفي هذا الإطار، لا يُعدّ الدين نظامًا رقابيًا يهدف إلى تقييد الحرية، بل هو آلية لتفعيل الطاقات الروحية الكامنة في الإنسان؛ إنه بمثابة مسابقة للابتعاد عن القيود الفردية والاقتراب من الكمال المطلق.
لكن كيف يتحقّق هذا التحوّل على أرض الواقع؟ إن كل علاقة تحتاج إلى «قاعدة» كي تستمر وتُثمر. فالعلاقة الأسرية أو العاطفية، مهما كانت مشاعر المودّة والألفة في بدايتها عميقة، تظلّ هشّة وقابلةً للاهتزاز ما لم تتحوّل تلك المشاعر إلى التزامٍ حقيقي، وحدودٍ واضحة، ومسؤوليةٍ متبادلة. . فالمشاعر وحدها لا تكفي لصون العلاقة أمام الأزمات وتقلّبات الحياة، ما لم تتجسّد في سلوكياتٍ منضبطة.
والمبدأ نفسه قائم في علاقة الإنسان بالله. فإذا كان من المفترض أن تكون صلة الإنسان بخالقه علاقةً مستدامة، ومنمّية، وعميقة، فإنها تحتاج إلى منظومة من الأوامر والتوجيهات. فالأحكام الدينية، بدءًا من العبادات الفردية ووصولًا إلى القواعد الأخلاقية والاجتماعية، هي في الواقع القوانين التي تعمل على تثبيت هذه العلاقة والحفاظ عليها. وهذه الضوابط، خلافًا للتصور الأولي، ليست جدرانًا لسجن الإنسان، بل هي بمثابة قضبان أو مسارات للسكّة تنقذ أذهاننا وسلوكياتنا المتشتتة من الفوضى، وتوجّهها نحو التركيز والوحدة الداخلية.
التربية الإلهية والخطابات التي تبدو، في ظاهرها، صادرةً عن حاجة
من أدقّ تجلّيات التربية الإلهية في القرآن تلك الخطابات التي يبدو في ظاهرها أن الله يطلب من الإنسان شيئًا: أنفقوا، وأقرضوا الله، وأنفقوا في سبيله. فعلى المستوى الأول، قد توحي هذه التعبيرات لمن لا يمتلك معرفةً بطبيعة الوجود الإنساني، ولا يستند إلى معرفة حقيقية بالذات، بأن الله تعالى محتاج. لكن على مستوى أعمق، يتضح أن المقصود هو انتقال الإنسان من مرتبة الانفعال والسلبية إلى رحاب الرحمانية. فعندما يُكلَّف الإنسان بالبذل والعطاء، يدخل مجال التأثير والفاعلية، ويرتقي بذاته من خلال الممارسة العملية.
وفي هذا المنطق، لا يعني الأمر بالإنفاق مجرّد نقل المال من شخص إلى آخر. فالإنفاق، في حقيقته، تدريب على الخروج من النظرة المتمحورة حول الذات والدخول إلى ساحة الكرامة. فالإنسان الذي يبذل لا يقتطع من ممتلكاته فحسب، بل يبتعد أيضًا عن التعلّق المحدود بالملكية. ويتعلّم أن حقيقة وجوده لا تنحصر في التملّك والادّخار. وفي الوقت نفسه، يواجه الهجمات القائمة على التخويف التي يمارسها الشيطان. وهنا تتجلّى حقيقة التربية الإلهية؛ فالله تعالى، من خلال لغة الخطاب، يرتقي بالإنسان من مستوى الموجود المنفعل إلى مستوى الفاعل الأخلاقي والوجودي.
التربية الإلهية ونموذج عاشوراء
إذا كان منطق الإنفاق يعمل على المستوى الفردي واليومي، فإن نموذج عاشوراء يكشف هذا المنطق على مستوى وجودي وتاريخي. ففي مشهد كربلاء، تبدو دعوة «هل من ناصرٍ ينصرني؟» في ظاهرها دعوةً إلى النصرة، لكنها في عمقها دعوة إلى ارتقاء الإنسان. فالمسألة ليست أن الإمام الحسين عليه السلام كان، من حيث حقيقة وجوده، محتاجًا إلى النصرة؛ وإنما المسألة أن الإنسان، حين يستجيب لهذه الدعوة، ينتقل من موقع المتفرّج إلى موقع المشارك. فهو، من خلال نصرة الحق، يبني ذاته في الحقيقة.
وتمثّل هذه النقطة إحدى قمم فهم التربية الإلهية. ففي عاشوراء، لا تعني نصرة حجّة الله مجرّد مساعدة حقيقة خارجية؛ بل إن هذه النصرة تحرّر الإنسان من التشتّت والخوف والعجز عن الفعل، ومن تغليب الحسابات والمصالح الشخصية، ومن طلب العافية والركون إلى السلامة، ومن البقاء عند مستوى الكمالات الحيوانية. فالإنسان الذي يقف في هذا الميدان يكون قد ربط ذاته بحقيقة أكبر من مصالحه الآنية؛ ولذلك، فإن كربلاء ليست مجرّد حادثة تاريخية، بل هي نموذج تربوي يبيّن كيف ينتقل الإنسان، في مواجهة الحق، من مستوى الادّعاء إلى مستوى التحقّق والتجسيد العملي. وهنا تحديدًا تتحوّل التربية الإلهية من مفهوم نظري إلى تجربة معيشية.
التربية الإلهية وبناء الذات الحقيقية
لم يأتِ الإنسان إلى هذه الدنيا ليكتفي بخوض التجارب واستهلاكها، وإنما جاء ليتكوّن ويصنع ذاته. فكلّ تكليف إلهي، إذا أُحسن فهمه، يمثل خطوة في مسيرة بناء الإنسان لحقيقته. فالصلاة والصوم والحج والزكاة والحجاب وسائر الأحكام، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجرد واجباتٍ شكلية؛ إذ إن اختزالها في هذا الجانب يُفقدها شيئًا جوهريًّا من معناها. فهي في حقيقتها وسائل عملية لمسيرةٍ وجودية ينتقل فيها الإنسان من التشتّت إلى الانسجام، ومن الغفلة إلى الحضور، ومن وهم الاستقلال عن الله إلى الارتباط الواعي به والافتقار إليه.
التربية الإلهية، في هذا المستوى هي بمعنى أن الله تعالى ينقل الإنسان، بواسطة أدوات متعددة، من مستوى الظاهر إلى طبقات أعمق من وجوده. فكل عبادة هي تدريب على التغيير؛ غير أن هذا التغيير ليس نفسيًا محضًا، ولا سلوكيًا فحسب. وإنما التغيير المقصود هو تغيير في نمط وجود الإنسان وكيفية كينونته. ولذلك، فإن من يأخذ العبادات والشعائر على محمل الجد، لكنه يغفل عن التحوّل الداخلي، لم يدرك الغاية على نحو صحيح بعد. فالأحكام هي أدوات لبناء الإنسان، والإنسان هو ثمرة عملية البناء، ومن ثمّ، ينبغي أن يكون أثر هذا المسار ظاهرًا في أخلاقه وإرادته وطبيعة علاقته بالآخرين.
التربية الإلهية في الحياة اليومية
لفهم هذا المنطق على نحو عملي، يكفي أن نعيد النظر في حياتنا اليومية. فحيثما يكتفي الإنسان بالأخذ ولا يعطي، فإنه في الواقع يظلّ في مرتبة أدنى من مراتب الوجود. وحيثما يكتفي بالانتظار بدلًا من المشاركة، فإنه لا يزال بعيدًا عن التربية. وحيثما ينظر إلى القانون بوصفه عائقًا، بدلًا من أن يراه أداةً لتكوين الشخصية، فإنه لم يفهم علاقته بالدين فهمًا صحيحًا. وفي المقابل، فإن كل قرار يُخرج الإنسان من حالة الانفعال والسلبية، ويدفعه نحو تحمّل المسؤولية والإنفاق والالتزام والحضور، يمثّل جزءًا من هذه التربية نفسها.
ومن هذا المنظور، تعني الحياة المؤمنة أن يعيش الإنسان في مدار التحوّل والصيرورة. وينبغي للإنسان أن يسأل نفسه في كل موقف: ما الذي تصنعه هذه الحالة في داخلي؟ هل تُبقيني في مستوى المستهلك، أم تنقلني إلى مستوى الفاعلية؟ هل تدفعني إلى تكرار العادات، أم تسوقني نحو اكتساب صفة من الصفات الإلهية؟ إن هذه الأسئلة تمثّل، في حقيقتها، الترجمة العملية للتربية الإلهية. فالدين يريد في نهاية المطاف أن ينقل الإنسان من مجرّد مستوى العيش إلى مستوى الصيرورة الواعية.
نعم، إنّ التربية الإلهية تقوم على هذا المنطق؛ فالله تعالى لا يكتفي، من أجل ارتقاء الإنسان، بإصدار الأوامر والنواهي، بل يضعه في مواقف تتفتح فيها قدراته وطاقاته الوجودية، وتنمو من خلالها قابلياته الكامنة. وتشكّل آيات الإنفاق والإقراض مثالًا واضحًا على هذه الآلية، كما تجسّد كربلاء ودعوة عاشوراء نموذجًا رفيعًا لها. ففي جميع هذه الحالات، ينتقل الإنسان من مجرّد متلقٍّ إلى مشارك وفاعل، ومن خلال هذا المسار يبني ذاته الحقيقية. أمّا الدين، في نهاية المطاف، فهو النظام الذي يحفظ هذا المسار ويوجّهه، حتى يبلغ غايته: تقريب الإنسان من أسماء الله وصفاته.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.
