مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

المهمة الأساسية للدين: من إشباع التطلّع إلى اللانهاية إلى اختبار الإيمان الخالص

تخيّل أنك موظف شاب أو متخصص في مقتبل حياتك المهنية، تجلس في اجتماع عمل مهم. يطرح المدير المسؤول عن المشروع خطة تبدو، في ظاهرها، مربحة ومجزية، لكنّها في جوهرها تنطوي على خداعٍ واضح أو انتقاصٍ من حق أحد العملاء.

أنت وزملاؤك تدركون جيدًا هذا الخلل الأخلاقي. وحين يسأل المدير: «هل الجميع موافق؟»، يخيّم صمت ثقيل على المكان. تجد نفسك عندها أمام مفترقٍ صعب؛ فمن جهة، يصرخ ضميرك وقناعتك الداخلية بأن تعترض وتقول «لا»، ومن جهة أخرى، تخنقك مخاوف عدّة: أن تُوصم بأنك شخص صعب المراس، أو أن تتعرّض فرصك في الترقّي للخطر، أو أن تنال حكمًا سلبيًا من زملائك.

وفي النهاية، تبتسم ابتسامة مصطنعة، وتهزّ رأسك موافقًا، وتمضي مع التيار، منسجمًا مع رأي الجماعة.

هذا المشهد يتجاوز مجرّد مسايرةٍ عابرة؛ فهو يكشف عن احتكاكٍ وجودي عميق يتصارع في داخل الإنسان. ففي كل مرة نضحّي فيها بحقيقة ما نشعر به في أعماقنا طلبًا لتأييد الآخرين ورضاهم، نبيع جزءًا من أصالتنا الوجودية بثمنٍ زهيد، هو قبولٌ مؤقت وشعبيةٌ زائفة سرعان ما تزول. وهذا الصراع المتواصل يضعنا أمام سؤالٍ جوهري: ما حقيقة هويتنا الوجودية؟ وكيف يمكننا أن نحافظ عليها ونصونها من أن تذوب تحت ضغط الآخرين؟

فهل جاءت الأديان والمناهج الإلهية لمجرّد أن تملي علينا مجموعةً من الآداب والطقوس، فتنظّم علاقاتنا الاجتماعية وتحولنا إلى مواطنين مطيعين؟ أم أنّ رسالتها أعمق من ذلك بكثير، وأنها تمتد إلى صميم وجودنا، وتتصل بأدق خيوط هويتنا وحقيقتنا الإنسانية؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن نرجع إلى البنية التكوينية للإنسان. فالإنسان، بحسب فطرته، كائنٌ يتوق إلى اللانهائية. في أعماق كلّ واحدٍ منا عطشٌ لا يرتوي إلى البقاء والكمال والجمال والقوة المطلقة؛ نزوعٌ لا يمكن لحدود المادة، ولا لثروة محدودة، ولا لمديحٍ عابر أن يروي ظمأه أو يلبّي تطلّعه. غير أن أعظم المآسي تبدأ عندما تُحبس هذه القابلية اللامتناهية داخل الإطار الضيق لاستحسان الآخرين والقبول الاجتماعي.

وهنا تتجلى المهمة الأساسية للدين؛ فالدين ليس نظامًا للرقابة الاجتماعية، بل مشروعٌ للتحرّر، يسعى إلى تحرير الإنسان من عبادة الأصنام الاعتبارية، كأحكام الجماعة ونظرات الآخرين، وربط طاقته اللامتناهية باللامتناهي المطلق.

هذا المقال يسعى إلى بيان كيف يكشف التعارض بين السعي إلى كسب الشعبية والقبول الاجتماعي وبين الإصرار على التمسّك بالحقيقة، عن معيارٍ دقيق لقياس أصالة الإنسان وتمحيص حقيقة إيمانه الخالص؛ وكيف يمهّد الدين الطريق للخروج من هذا الأسر الحديث، من خلال إعادة تعريف الإنسان لذاته ومعرفته بنفسه،.

الرغبة في اللانهائية؛ النواة المركزية للمهمة الأساسية للدين

إنّ مواجهة حقيقة الدين وماهيّته تقتضي أولًا أن نتعرّف إلى منشأ الحاجة في الإنسان؛ فإذا نظرنا إلى الدين بوصفه مجموعةً من القوانين والتوجيهات، فعلينا أن نتساءل عن الغاية التي تتجه إليها هذه التوجيهات.

ومن منظورٍ وجودي، تتمثّل المهمّة الأساسية للدين في الاستجابة إلى الرغبة في اللانهائية الكامنة في أعماق الإنسان. هذه الرغبة هي المحرّك الدافع لكثير من السلوكيات الإنسانية، وإذا لم يُوجَّه توجيهًا صحيحًا، أبقى الإنسان أسيرًا في دائرة الحدود الدنيوية وقيودها.

أما الوظائف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية والصحية للدين، فعلى الرغم من أهميتها في مواقعها، فلا ينبغي النظر إليها بوصفها الغاية النهائية. فهي في الحقيقة وسائل تمهيدية أُعدّت لتهيئة بيئة آمنة وعادلة، تتيح للحقيقة التوحيدية أن تتفتح وتزدهر؛ أي أن يتجلّى معنى «لا إله إلا الله» في وجود الإنسان.

وعليه، فإن حصر المهمّة الأساسية للدين في هذا الإطار التمهيدي يُعدّ ضربًا من الاختزال؛ لأن غاية الدين أسمى من مجرّد تنظيم الحياة الجماعية وضبط شؤونها.

الإيمان الخالص ومعيار تشخيص البعد الإنساني

ولكي يتبين ما إذا كان الإنسان يسير في طريق الاستجابة لهذا العطش اللامتناهي أم لا، فلا بد من وجود معيار دقيق وعملي للقياس. وقد بيّن المعصوم هذا المعيار من خلال ترتيب الأولويات في دائرة المحبة والانتماء.

فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا يَمحَضُ رَجُلٌ الإِيمانَ بِاللّه ِ حَتّى يَكونَ اللّه ُ أحَبَّ إلَيهِ مِن نَفسِهِ وأبيهِ واُمِّهِ ووُلدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ و حديث مِنَ النّاسِ كُلِّهِم»[1]

هذا الحديث لا يمثل مجرد توجيهٍ أخلاقي مجرد، بل يقدّم معيارًا دقيقًا لقياس مدى فاعلية البعد الإنساني في شخصية الفرد. فالإيمان لا يبلغ مرتبة الإخلاص إلا عندما يتصدر الله تعالى سلّم الأولويات في منظومة تفضيلات الإنسان، متقدمًا على جميع الارتباطات والمحبوبات الدنيوية.

وهذا التقديم هو الحد الفاصل بين إنسانٍ غارق في تفاصيل الحياة اليومية، وإنسانٍ يسير في طريق تحقيق المهمة الأساسية للدين. أما إذا لم يظهر هذا المعيار في السلوك العملي، فإن ذلك يدل على ركود البعد الإنساني في شخصية الإنسان وعدم تفعيله.

التعارض بين طلب رضا الناس والالتزام بالأحكام الإلهية

من النقاط المفصلية في تحليل الجانب الإنساني من وجود الفرد، كيفية مواجهته لضغط الرأي العام. فإذا تحوّلت شعبية الإنسان وقبوله لدى الناس إلى معيارٍ لاتخاذ القرار، تراجعت حقيقة «لا إله إلا الله» التي ينبغي أن تكون محور جميع التوجّهات إلى الهامش.

بعبارة أخرى، كلّما تهرّب الإنسان من تنفيذ حكمٍ إلهي حفاظًا على مكانته الاجتماعية، فإنه في حقيقة الأمر يقدّم الناس على الله، ويجعل رضاهم مقدّمًا على رضاه. وهنا تحديدًا يفشل الإنسان في أداء المهمّة الأساسية للدين. فأن يشعر المرء بالخجل من أداء العبادات أو الالتزام بالواجبات أمام الآخرين ليس خطأً عابرًا أو أمرًا هامشيًا؛ بل هو علامة على أنّه قدّم الناس جميعًا على الله، وأخرج بذلك إيمانه من دائرة الإخلاص.

إن الغفلة عن أن المهمة الأساسية للدين هي تحقيق تجلّي «لا إله إلا الله» في حياة الإنسان، لا مجرد كسب رضا المجتمع، تخلّف آثارًا واسعة في مختلف المجالات. ففي البيئات الاجتماعية نلاحظ أن بعض الأفراد يتراجعون عن تطبيق الأحكام الإلهية من أجل كسب الأصوات، أو المحافظة على الشعبية، أو ضمان استمرار مكانتهم لدى فئات معينة من الناس.

هذا السلوك ليس صورةً من صور الحكمة أو المصلحة المشروعة، بل هو في حقيقته توظيفٌ للدين في خدمة المصالح الشخصية. فالإنسان الذي يسلك هذا الطريق يكون قد باع جزءًا من حقيقته الإنسانية، المتمثلة في نزوعه إلى اللامتناهي، بثمنٍ بخس، مقابل شعبية دنيوية زائلة.

عندما يتحول الدين إلى وسيلة لاكتساب القبول الاجتماعي، فإنه يفقد وظيفته الأساسية، وهي توجيه رغبة الإنسان إلى اللانهائية، ويغدو تمجرد مؤسسة تسعى إلى التكيف مع الواقع الاجتماعي، وهو ما يتعارض مع الأسس الأصيلة التي يقوم عليها الدين.

التحليل السلوكي: لماذا نضحّي بالدين من أجل الناس؟

إن الجذر الحقيقي لهذا السلوك، الذي يجعل الإنسان يبتعد عن الدين إرضاءً للناس، يكمن في سوء فهمه لكلٍّ من رسالة الدين وحقيقة الإنسان. فإذا اعتقد الإنسان أن الغاية من الحياة هي نيل القبول الاجتماعي والحفاظ على مكانته بين الناس، فمن الطبيعي أن يقدّم رأي الناس على حكم الله كلما وقع تعارض بينهما.

أما من المنظور العقلي التحليلي، فإذا أدرك الإنسان أن المهمة الأساسية للدين هي إشباع رغبته الفطرية إلى اللانهائية، فسوف يعي أن رضا الناس لا ينسجم أصلًا مع هذه الحاجة الوجودية العميقة. فالناس متغيرون وزائلون، بينما الله سبحانه هو الحقيقة الثابتة واللامتناهية. ومن ثم، فإن تفضيل الناس على الله ليس سوى خطأ في التقدير داخل المنظومة القيمية للإنسان.

فالذي لم يبلغ إيمانه مرتبة الإخلاص لا يزال يبحث عن تأييد الآخرين واستحسانهم؛ لأنه لم يجعل علاقته بالله أحبَّ العلاقات إلى نفسه وأعلاها منزلة. وهذا الخلل في ترتيب الأولويات يؤدي إلى سقوط الإنسان في الاختبارات الصعبة المتعلقة بالالتزام بالدين، فيتجاوز مقتضيات بعده الإنساني، ويجعل الدين هو الذي يدفع ثمن مصالحه الشخصية.

إعادة بناء المنظومة القيمية على أساس معيار الإيمان

للخروج من هذا التحدي، لا بد للإنسان من إعادة بناء منظومته القيمية على الأساس الذي تمثله المهمة الأساسية للدين. وتبدأ هذه العملية بجعل حقيقة «لا إله إلا الله» محورًا لتزكية النفس وتفعيلها في الواقع العملي.

فينبغي للإنسان أن يطرح على نفسه باستمرار، في كل قرار يتخذه، سؤالًا جوهريًا: هل ينسجم هذا الفعل مع الاستجابة لتلك الرغبة اللانهائية الكامنة في فطرتي، أم أنه مجرد محاولة لاكتساب رضا الناس وتخفيف الضغوط الاجتماعية؟

هذا النوع من المحاسبة الذاتية يمثّل عملية تفعيلٍ حقيقية للبعد الإنساني في شخصية الإنسان. فإذا تبين له أثناء هذه المراجعة أنه يتجاوز حكم الله حفاظًا على سمعته أو مكانته بين الناس، فذلك يعني أن عليه أن يعيد النظر فورًا في سلّم أولوياته.

هذه المراجعة تعني العودة إلى المعيار الذي قرره الإمام الصادق (عليه السلام)، وهو تقديم محبة الله على كل محبة أخرى، سواء كانت محبة الأسرة، أو المال، أو المكانة الاجتماعية، أو رضا الناس جميعًا.

 

وفي الختام، يمكن القول إن تحقيق المهمة الأساسية للدين ليس حالةً جامدة أو إنجازًا يُكتفى به، بل هو مجاهدة مستمرة لصيانة البعد الإنساني في مواجهة الضغوط الاجتماعية. فالإنسان يواجه طوال حياته مواقف متكررة تضعه أمام خيارين: إما السعي إلى رضا الناس، وإما طاعة الله تعالى.

ولا يمكن اجتياز هذه المواقف إلا من خلال الفهم الصحيح للغاية التي جاء الدين من أجلها؛ فهذا الفهم هو خريطة الطريق التي تهدي الإنسان في مسيرته. لقد جاء الدين ليعلّم الإنسان كيف يتجاوز التعلقات المادية المحدودة، ويوجه عطشه الفطري إلى اللامتناهي نحو غايته الحقيقية.

وكل تراجع عن هذا المسار يعني إضعاف الحقيقة الإنسانية والابتعاد عن الغاية التي شُرّع الدين لتحقيقها. ومن هنا، فإن الفهم الصحيح للمهمة الأساسية للدين ليس قضيةً نظرية مجردة، بل هو الأساس الذي تقوم عليه جميع الممارسات الفردية والاجتماعية، والذي ينقل الإنسان من كائنٍ تحكمه ضغوط البيئة المحيطة إلى إنسانٍ يمتلك أصالةً إيمانية راسخة.

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن المهمة الأساسية للدين ليست سوى إقامة التوازن بين البنية الوجودية للإنسان وبين الحقيقة الإلهية اللامتناهية التي يتوجه إليها. فإذا تحقق هذا التوازن، فلن يكون لأي عامل، مهما اشتد ضغط الرأي العام، القدرة على صرف الإنسان عن طريق الحق؛ لأنه سيكون قد أدرك أن الله سبحانه وحده هو المستحق للتعلق المطلق، ولا أحد سواه.

وبذلك، فإن الإنسان، من خلال الفهم الدقيق للمهمة الأساسية للدين، يستعيد مكانته الحقيقية، ويغدو إيمانه خالصًا، لا في مستوى الأقوال فحسب، بل في ميدان العمل والسلوك أيضًا.

[1] فلاح السائل : 101 عن الحسين بن سيف ، بحار الأنوار : 70 / 24 / 25

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.