مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

من هو المتديّن؟ وما المؤشرات الموضوعية لتحليل معيار التديّن؟

تخيّل بستانيًا شابًا يغرس شجرة، ثم يعتني بها كل يوم بعناية فائقة؛ فيسقيها، ويرشّها بالمبيدات، ويُقلم أغصانها بانتظام. ومن بعيد تبدو الشجرة مكتملة الهيئة، يانعةً ونضرةً وحسنة المنظر، لكنّ الأعوام تمضي دون أن تحمل أغصانها ثمرةً واحدة. وفي موضع آخر، تُطعم أمٌّ طفلها الرضيع أفضل أنواع الغذاء، إلا أنّه، على الرغم من تلقيه الطعام باستمرار، لا يزداد وزنًا ولا طولًا، ويظل جسده هزيلًا. في كلتا الحالتين تكمن مشكلة جوهرية واحدة: غياب الامتصاص وانعدام الثمرة. ففي الأنظمة الحيوية، يُعدّ عدم إنتاج الثمار أو عدم امتصاص العناصر الغذائية مؤشرًا على وجود خلل بنيوي عميق داخل الكائن الحي، حتى وإن كانت المدخلات ــ كالسقي أو تناول الطعام ــ تتم بصورة منتظمة.

هذه الصورة تصف حالةً في عالم معتقدات الإنسان يمكن تسميتها بالتديّن الشكلي أو النمطي. فكثير من الناس يواظبون على أداء الطقوس، لكن عند مواجهة تحديات الحياة ينكشف خواء هذه الممارسات من روحها وحقيقتها. إن الشعور بالتعب والملل من العبادات ينشأ تحديدًا من هذا البناء الخالي من الثمرة.

فالإنسان لا يملّ من تناول أصناف الطعام المختلفة، ولا من استخدام وسائل الراحة كالسّيارة؛ لأنه في كل مرة يجني منها منفعةً حقيقية ويحقق فائدةً ملموسة. وكذلك الحال مع العبادة؛ فإن الشعور بالملل من عبادةٍ كالصلاة يدلّ على غياب الأثر الباطني الذي ينبغي أن تمنحه للإنسان.

إن التديّن الحقيقي يتجاوز الأشكال والطقوس الظاهرية، ولا بد أن يُثمر نتائج ملموسة وواقعية في حياة الإنسان. ولتقييم ذلك، نحن بحاجة إلى مؤشرات واضحة تُبيّن ما إذا كان التديّن قد ترسّخ في أعماق الإنسان أم لا. وتتمثل هذه المؤشرات في ثلاثة مكوّنات رئيسة تُشكّل معًا معيار التديّن.

المجالات الأربعة لتجلّي السلوك: المعيار الأول للتديّن

إن أول مؤشر، وأكثره وضوحًا وملموسية، لتقييم عمق تديّن الإنسان هو دراسة منظومة قراراته وسلوكياته عند تعامله مع أحداث الحياة اليومية. فالمتديّن بحق هو من يجعل المرجعية في اتخاذ قراراته، عبر المجالات الأربعة الأساسية لوجوده، خاضعةً للأمر الإلهي المقدّس. وهذه المجالات هي:

  1. الاختيارات: وتشمل القرارات المصيرية في الحياة، بدءًا من اختيار شريك الحياة ووصولًا إلى تحديد المسار المهني.
  2. العلاقات: أي طبيعة روابط يقيمها مع الآخرين واتجاهها، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي.
  3. السلوكيات: وهي الأفعال والممارسات العملية التي تصدر عنه في حياته اليومية.
  4. الأفكار: وتشمل توجهاته الذهنية، وتحليلاته الداخلية، وقناعاته ومعتقداته.

وفي هذا البناء، يتمثل المعيار الأساسي في التحرر من سلطان الأهواء الشخصية والرغبات النفسية. فالمتديّن بالمعنى الحقيقي لا يجعل ميوله الذاتية، وما يستحسنه أو يستثقله، مؤثرةً في هذه المجالات الأربعة، بل يستمدّ وجهته مباشرةً من الإرادة الإلهية.

فهو لا يقيم علاقةً مع أي شخص، أو ظاهرة، أو أمر مادي، انطلاقًا من رغباته الخاصة، وإنما يردّ معيار النفع والضرر، والحب والبغض، إلى ما يقرره الدين. ومن أبرز مظاهر هذا التسليم أن تكون المحبة والبغضاء خاضعتين للمقاييس الإلهية؛ فقد ورد في الروايات أن من لم يكن حبّه وبغضه قائمين على أساس الدين، فإنه لم ينل حقيقة الدين.[1]

عند تحليل السلوك الاجتماعي، يظهر الانحراف عن هذا المعيار في صورة التعصّب والانحياز الأعمى. فعندما تُقدَّم العصبيات القومية أو القبلية، أو الولاءات الحزبية والسياسية، على الموازين الدينية في القرارات المصيرية، كاختيار المرشح في الانتخابات أو اختيار شريك الحياة، فإن ذلك يكشف بوضوح عن الخروج من دائرة التديّن، وهيمنة الدوافع غير الإلهية على عملية الاختيار. ومن ثمّ، فإن انسجام توجهات الإنسان وسلوكياته مع الإرادة الإلهية يُعدّ أدقَّ معيار يمكن من خلاله قياس حقيقة التديّن.

 

 

الطمأنينة والأمن النفسي: المؤشر الثاني في قياس معيار التديّن

يتمثل المؤشر الثاني على صدق التديّن في ما يثمره من طمأنينة، وسكينة، وأمن نفسي. فالتديّن الشكلي، الذي يبقى حبيس الذهن دون أن يتغلغل إلى أعماق النفس، لا يملك القدرة على إحداث تحول حقيقي في البنية النفسية للإنسان. وكما أن عدم امتصاص العناصر الغذائية يحول دون النمو الجسدي للرضيع، فإن عدم نفاذ حقائق الدين إلى الطبقات العميقة من الشخصية يحول دون نشوء السكينة الداخلية.

ولكي يصبح الدين مصدرًا للأثر الحقيقي، لا بد أن يجد في نفس الإنسان موضعًا يتجاوب معه؛ أي أن يدرك الإنسان ذلك البعد من وجوده الذي يتطلع إلى المطلق ويحتاج إليه، حتى يتمكن من تقديم الجواب الذي يلبي حاجة هذا البعد الوجودي.

ولهذا نجد أن كثيرًا ممن أمضوا سنوات طويلة في أداء العبادات، كالصلاة والالتزام بالحجاب، ثم انتهى بهم الأمر إلى معارضة التعاليم الدينية، كانوا يعانون من هذا الخلل نفسه؛ إذ أن الدين تراكم في أذهانهم، لكنه لم يتغلغل إلى نفوسهم ولم يصبح جزءًا من شخصياتهم. وقد صُوِّرت هذه الحالة تصويرًا شعريًا بديعًا في قول الشاعر: «ما من آفةٍ أشد من الجهل، أن تكون بقرب الحبيب، ولا تذوق لذّة العشق.»

فالإنسان الذي يردد ألفاظ الصلاة والعبادة دون أن يدرك حقيقة من يخاطبه، ودون أن يقيم معه علاقة حضورٍ وقرب، إنما يمارس عبادةً تفتقر إلى الأثر الحقيقي. فعبارات مثل: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» لا تصبح مصدرًا للمعنى والسكينة إلا عندما يبلغ الإنسان معرفة نفسه، فيدرك حاجته الحقيقية إلى سندٍ لا مثيل له، ويجد في الله تعالى الجواب الكامل لحقيقة وجوده.

ومن هنا، فإن اللجوء إلى وسائل التهدئة المؤقتة، كالمهدئات والأدوية النفسية، عند مواجهة مصاعب الحياة، قد يكون دليلًا على ضعف الصلة بين النفس وربها. فعندما يعجز الإنسان عن استمداد السكينة والفرح من اتصاله بخالق الوجود، فكأن إلهه ــ في واقع تجربته ــ إلهٌ عاجز لا يملك إعانته، مع أن القرآن الكريم يقرر بوضوح: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ»[2].

إن الاتصال بالله، صاحب القدرة المطلقة، ينبغي أن يحرر الإنسان من الارتهان إلى كل ما سواه؛ ولذلك فإن مقدار ما يتمتع به الإنسان من طمأنينة وأمن نفسي وثبات عند مواجهة الشدائد، يُعدّ ميزانًا أساسيًا في تقويم معيار التديّن.

الاستقامة ومعرفة النفس: الصمود في الأزمات معيارًا للتديّن

يُعدّ المؤشر الثالث والأخير في قياس مستوى التديّن هو الثبات والصمود في الظروف المليئة بالأزمات والانحرافات. فإن مصدر تلقي الدين هو الذي يحدد مدى رسوخه واستمراره. فعندما يكون التديّن قائمًا فقط على تقليد الوالدين أو اتباع الشخصيات الاجتماعية، فإنه يتعرض للاضطراب والانحراف عند تغيّر الظروف المحيطة أو سقوط النماذج التي اقتدى بها الإنسان.

أما التديّن القائم على معرفة النفس والمعرفة المباشرة بالله تعالى، فإنه يمتلك من الثبات ما يجعل الإنسان قادرًا على البقاء طاهرًا راسخًا حتى في أكثر البيئات تلوثًا وأكثر الظروف تحديًا.

وبناءً على تعاليم أئمة الدين، فإن الانحراف في التديّن هو نتيجة التقليد الخالي من المعرفة؛ بينما يكون السير القائم على طريق المعرفة ثابتًا لا يتزعزع. وكما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن دَخَلَ في هذا الدِّينِ بالرِّجالِ أخرَجَهُ مِنهُ الرِّجالُ كما أدخَلُوهُ فيهِ ، ومَن دَخَلَ فيهِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ زالَتِ الجبالُ قَبلَ أن يَزولَ»[3].

كما ينبغي الالتفات إلى أن كثرة أداء العبادات الظاهرية لا تعني بالضرورة تحقق التديّن الحقيقي؛ فقد قال الإمام علي (عليه السلام): «رُبَّ مُتَنَسِّكٍ ولا دِينَ لَهُ»[4]؛ أي: كم من أشخاص يواظبون على أداء الطقوس الظاهرية، لكنهم محرومون من حقيقة الدين وجوهره.

ومن علامات رسوخ الدين الحقيقية في وجود الإنسان:

  • حسن الخلق وحسن التعامل مع الآخرين.
  • إيجاد الأمن والطمأنينة للنفس والمجتمع.
  • امتلاك سكينة داخلية مستقرة وسط تقلبات الحياة.
  • الأمانة في الجوانب المادية والمعنوية.

هذه الصفات لا تترسخ في وجود الإنسان إلا عندما يُمتصّ الدين بصورة صحيحة، ويقيم علاقةً عضويةً وحقيقيةً مع كيان الفرد. وفي هذا الأفق، فإن ثبات الإنسان القائم على المعرفة في البيئات غير الطاهرة يمثل نموذجًا واضحًا لترسّخ معيار التديّن.

الخاتمة: القياس العملي لمعيار التديّن في الحياة اليومية

من خلال التحليل الشامل لأبعاد التديّن المختلفة، يتضح أن الإيمان الحقيقي ليس مفهومًا تجريديًا أو نتاجًا ذهنيًا فحسب، بل هو حقيقة واقعية حيّة ومؤثرة تمتد إلى جميع طبقات حياة الإنسان.

ولتقييم هذه الحقيقة في الحياة الشخصية، يستطيع كل إنسان أن يعيد قراءة سلوكياته اليومية ويتأمل فيها:

هل قراراتنا في مفترقات الحياة تُبنى على أذواقنا ورغباتنا الشخصية، أم على الأمر الإلهي؟

هل تؤدي عباداتنا اليومية إلى السكينة والنشاط الداخلي، أم أنها مجرد تكرار لعادات مرهقة؟
وأخيرًا، هل تبقى معتقداتنا ثابتة أمام اضطرابات البيئة وتقلباتها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف مدى انسجامنا مع حقيقة الدين. ومن هنا، فإن المراجعة المستمرة للسلوكيات الأربعة، وقياس مستوى الطمأنينة الروحية، والثبات في مواجهة الأزمات، تمثل أدق وسيلة لتقييم معيار التديّن الحقيقي، والانتقال من التديّن النمطي الشكلي إلى التديّن المثمر والفاعل.

 

[1] كُلُّ مَن لَم يُحِبَّ على الدِّينِ و لَم يُبغِضْ على الدِّينِ، فلا دِينَ لَه ُ: الكافي : 2/127/16

[2] آیه 36 سوره مبارکه زمر

[3] بحار الأنوار : 2/105/67

[4] غرر الحكم : 5340 .

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.