أهمية الاستعداد للقيامة؛ وهل لقيامها وقتٌ معلوم؟
غالبًا ما يتبادر إلى أذهاننا، حين يُذكر يوم القيامة، أنه حدثٌ مؤجَّل في مستقبلٍ بعيدٍ غامض؛ واقعةٌ تلي الموت ونظنّ أن بيننا وبينها مسافاتٍ طويلة. غير أنّ الحقيقة تكشف أنّنا، بقدر ما نقدّم الحياة الدنيا الفانية وشؤونها على رأس اهتماماتنا، ونسعى جاهدين لتحصيلها، فإننا في المقابل نغفل عن الأبدية الحتميّة الصادقة التي تنتظرنا. ومن هنا، لا نشعر بالحاجة إلى معرفة ما يلزم عن القيامة وكيفية الاستعداد لها، فنقع في غفلةٍ يسيرة عن هذا الأمر العظيم.
إن مفهوم القيامة بوصفها يوم الجزاء في العالم الآخر بعد الموت، ليس حكرًا على الإسلام فحسب، بل هي حقيقةٌ مُسلَّم بها في مختلف الأديان، وتحظى بمكانةٍ بالغة الأهمية. كلمة «القيامة» مشتقة من الجذر «قوم»، أي النهوض والقيام، وهي – وفقًا لآيات القرآن – يومٌ مقداره خمسون ألف سنة.[1] وتنقسم في النصوص الدينية إلى قسمين: القيامة الصغرى والقيامة الكبرى.
فالقيامة الصغرى تبدأ منذ لحظة مفارقتنا لهذه الدنيا، وتشير إلى عالم القبر والبرزخ. أما القيامة الكبرى – التي يُقصد بها عادةً لفظ «القيامة» – فهي التي تلي البرزخ، وتبدأ ببعث الناس من قبورهم، وتترافق مع أحداثٍ عظيمةٍ مهولةٍ ورد ذكرها في القرآن. وفي هذه المرحلة، نشهد فناء جميع الموجودات، وعودتها إلى أصلها ومبدئها، ووقوف البشر بين يدي الله للحساب على أعمالهم. أي إننا، بمجرّد مفارقة الدنيا، ندخل طورًا يمتدّ إلى أن يُحسم مصيرنا النهائي: إمّا إلى الجنة أو إلى النار. وبناءً على ذلك، فإن إدراك هذه المراحل حقَّ الإدراك، والعمل بمقتضاها، هو الأساس الحقيقي للاستعداد ليوم القيامة.
الاستعداد للقيامة
في مسار حياتنا، تمثّل القيامة مرحلة حتمية، لا تقتصر على تعدد مواقفها ومحاسبتها لأعمالنا في مختلف الجوانب، بل تتطلب استعداداً شاملاً يمتد طوال حياتنا. فالقيامة ساحة للجزاء والثواب، وعلى خلاف ما يتصوره عامة الناس من أنها بعيدة ولا تستدعي الاستعداد أو الإحساس بالخطر، فإنها قد تفاجئنا في أي لحظة؛ إذ إن موت الإنسان، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو قيام قيامته.[2] ورغم أن الموت لا يكون له في الغالب وقت محدد سلفاً، فإنه أمر حتمي لا يمكن إنكاره بأي حال.
وهنا يبرز السؤال: ماذا ينبغي أن نفعل للدخول في هذه المرحلة العظيمة التي لا يُعرف وقتها؟ من الطبيعي أن نكون، قبل كل شيء، بحاجة إلى معرفة ما سنُسأل عنه في مواقف القيامة المختلفة؛ إذ إن سرعة الحساب ترتبط ارتباطاً مباشراً بمقدار استعدادنا للإجابة في تلك المواقف. هذه الأسئلة تتعلق بالواجبات والحقوق التي كانت على عاتق كل واحد منا في حياته الدنيا تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وأي تقصير فيها قد يؤدي إلى إطالة الوقوف في القيامة. لقد تناولنا في دروس مستقلة أسئلة القيامة، وطبيعة هذه الأسئلة وأجوبتها وكيفيتها.
نحن في الحقيقة، بوصفنا بشراً مسؤولين ومختارين، مُنحنا فرصة محددة للاستفادة من الدنيا، ملزمون بمواءمة مختلف جوانب حياتنا مع ما سنُسأل عنه، ولا يجوز لنا أبداً أن نسير في حياتنا وفق أهوائنا ورغباتنا الشخصية، من دون مراعاة الحدود والأولويات التي حدّدها الله لنا. إن مسألة القيامة، كما أنها أمر جادّ وحتمي، فإنها تقتضي منا الجدية في حياتنا الدنيا استعداداً لهذه المرحلة الحساسة؛ لأن كيفية استثمارنا للدنيا هي التي تحدد مستقبلنا، وهي المعيار الحقيقي لمدى استعدادنا ليوم القيامة.
أسماء القيامة ودلالتها على أحوالنا
لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم القيامة بأسماء متعددة، مثل: الواقعة، ويوم الفصل، ويوم الدين، والساعة، ويوم الحسرة، وغيرها؛ وليس هذا التعدد عبثًا، بل إن كل اسمٍ منها يكشف جانبًا من حالنا، ويصوّر موقفنا من تلك المرحلة العظيمة. إن تنوّع هذه الأسماء وأسرار تسمياتها دليلٌ على عظمة القيامة واتساع آفاقها؛ بل إن التعمّق في معانيها وما تحمله من دلالاتٍ وآثار، يمهّد لنا طريق الاستعداد لها، ويقرّبنا من فهم حقيقتها. ومن هنا، سنقف مع طائفةٍ من هذه الأسماء، لنتلمّس من خلالها صلتنا بهذه المرحلة الحاسمة من حياتنا.
- يوم الدين
إن الإنسان في هذه الدنيا يسير في طريقٍ متعرّج، تحفّه التحديات وتكتنفه المنعطفات، ولا سبيل له لبلوغ غاية الخلق والتشبّه بصفات الكمال الإلهي إلا بمنهجٍ وبرنامجٍ واضحٍ. غير أنّ الألفة بالدنيا، والغفلة عن الأبدية، كثيرًا ما تُنسيه دور الدين بوصفه خارطة الطريق نحو هذه الغاية. غير أن القيامة، يوم تتجلى فيه آثار الدين وحقائقه، ومن هنا سُمّيت بـ”يوم الدين”. وفي الواقع، فإننا بخروجنا من الدنيا ومعاينتنا لملكوت الوجود، نشاهد بصورة مباشرة آثار اتباع الدين ونتائج عدم الالتزام به.
- يوم تُبلى السرائر
خروجُ الإنسان من الدنيا يترافق مع قيام قيامته وانكشاف الحجب التي كانت تحول بينه وبين إدراك الحقيقة. وقد أوضح لنا البحث في إطار قانون النِّسبة أن صلة الدنيا بالآخرة تشبه تمامًا صلة رحم الأمّ بالعالم الخارجي؛ فالجنين، أثناء وجوده في الرحم، ينشغل بتكوين أعضائه استعدادًا للحياة المقبلة، وتكون ولادته مجرّد كشف عمّا أنجزه في تلك المرحلة. وكذلك نحن، في هذه الحياة، نعمل على بناء العُدّة التي سنواجه بها وجودنا الأبدي بعد مفارقتنا للدنيا.
- يوم الحسرة
من بين الأسماء الكثيرة التي أُطلقت على يوم القيامة، يكاد اسم “يوم الحسرة” يكون أشدّها وقعًا في النفس؛ لأنّ كلّ واحدٍ منّا اختبر في حياته مواقف شعر فيها بالندم أو الحسرة، نتيجة خطأ في الفهم أو غفلة عن فرصة كانت بين يديه. غير أنّ ما يرتبط بالقيامة من حسرة، وطبيعة الندم الذي يلازم الإنسان في ذلك اليوم، يفوق كلّ ما عرفناه في الدنيا ولا يمكن أن يُقاس بأيٍّ من تجاربها السابقة.
تكون حالتُنا في ذلك اليوم أشبه بإنسانٍ لا يلتفت إلى ما كان ينبغي عليه فعله في مرحلة وجوده في رحم أمّه إلا بعد أن يفوت الأوان؛ فيدرك عندها أنّه كان يجب أن يجتهد أكثر ليتهيّأ لمرحلة خروجه إلى الدنيا. وهي كذلك صورة من أهمل تلك المرحلة الحاسمة، فانتقل إلى عالمٍ لا يوافق ما بناه لنفسه، ولا ينسجم مع مقدار استعداده، فيجد نفسه غريبًا عن محيطه، وتلازمه مرارة الفقد والندم على ما لم يُحسن صنعه. وما يزيد هذه الحسرة عمقًا وألمًا هو أنها حالةٌ لا رجعة فيها ولا سبيل إلى تغييرها؛ فكما أن الإنسان لا يستطيع، بعد ولادته إلى الدنيا، أن يعود إلى رحم أمّه ليعوّض ما فاته، أو ليُصلح تقصيره، كذلك فإن خروجه إلى الآخرة، وقيام القيامة، يغلقان باب الرجوع إلى الدنيا، فلا يبقى أمامه إلا مواجهة نتائج عمله.
إنها حسرة أبدية، وندامة لا تنقضي، ناتجة عن عدم الاستعداد لذلك اليوم، وعن التقصير والغفلة عن الفرصة العظيمة التي أُتيحت لنا في رحم الدنيا — تلك الفرصة التي كان يمكن أن نصنع بها مصيرًا مختلفًا تمامًا، مصيرًا يمتد أثره إلى الأبد. وما يجعل هذه الحسرة أشد وقعًا وأعمق ألمًا أنّها حالة لا يمكن التراجع عنها ولا إصلاح ما ترتّب عليها؛ فكما يستحيل على الإنسان، بعد خروجه إلى الدنيا، أن يعود إلى رحم أمّه ليستدرك ما أهمله أو يرمّم ما قصّر فيه، كذلك يكون انتقاله إلى الآخرة وانكشاف الحقائق نهايةً نهائية لمرحلة العمل، وإغلاقًا تامًّا لباب العودة. ولم يعد أمامه حينئذٍ إلا مواجهة حصاد ما قدّمته يداه. إنها حسرة لا تنتهي، وندامة تمتد بامتداد الأبد، سببها الحقيقي هو سوء الاستعداد لذلك اليوم، والغفلة عن تلك الفرصة العظمى التي مُنحت لنا في رحم الدنيا؛ الفرصة التي كان بإمكانها أن تصنع لنا مصيرًا آخر تمامًا… مصيرًا يبقى أثره ما بقي الخلود.
في هذا الدرس تناولنا علاقة الإنسان بيوم القيامة، وبيّنّا ضرورة الاستعداد له. وتوصّلنا إلى أن القيامة مرحلة تبدأ بخروج الإنسان من الدنيا وتمتدّ إلى لحظة الحساب التي يُحدَّد فيها المصير النهائي، إمّا الجنّة وإمّا النار. كما اتّضح لنا أن وقوع القيامة حقيقةٌ يقينية لا مجال للشك فيها، وأن مواجهتها تستلزم استعدادًا متواصلاً يرافق الإنسان طوال حياته. وتوقفنا عند دلالات أسماء القيامة المختلفة، وكيفية إسهامها في الكشف عن طبيعة تلك المرحلة الدقيقة، وفي توجيه الإنسان نحو الموقف السليم منها والاستعداد الواعي لها. إنها دعوةٌ إلى الانتباه ومراجعة الطريق، قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما قدمناه، ولا يبقى للإنسان إلا ما صنعت يداه.
[1] سورة المعارج، الآية 4
[2] مَن مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتهُ