كيف تُشكِّل علاقة الإنسان بالقرآن مصيره الوجودي؟
تخيَّل إنسانًا يسير في الظلام وقد وُضِع في يده مصباحٌ مضيء، لكنه بدلًا من الاستفادة من نوره، يضعه في حقيبته ويواصل طريقه بالاعتماد على التخمين أو العادة أو علامات متفرقة. في مثل هذا الوضع، لا تكمن المشكلة في أنه امتلك المصباح ولم يستخدمه فحسب، بل في أن علاقته بالطريق، والخطر، والغاية، وحتى بالمصباح نفسه، قد تغيّرت. هكذا هو موقع القرآن في حياة الإنسان. فإذا نعتبر القرآن مجرد كتاب للقراءة أو مجموعة من التعاليم، فإن جانبًا من حقيقته يبقى مستورًا. إن الحديث عن نسبة الإنسان إلى القرآن هو في الحقيقة حديث عن علاقة الإنسان بكلام الله، وعن طريق الخروج من الظلمات، وإمكان التدبر، وحجية الهداية الإلهية، والتجلّي الأخروي لهذه العلاقة.
فالقرآن في المنظور الديني ليس نصًا عاديًا. إنه كلام الله؛ أي إن الله سبحانه يخاطب الإنسان من خلاله. ومن هنا فإن مواجهة الإنسان للقرآن ليست مجرد مواجهة لألفاظ أو عبارات، بل هي مواجهة لخطاب إلهي يراد له أن ينقل الإنسان من الظلمة إلى النور. وتشير الآية الكريمة: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾[1] إلى أن الغاية من نزول القرآن ليست مجرد إيصال المعلومات، بل إخراج الإنسان من حالة الظلمة وإيصاله إلى أفق النور. ولذلك يرتبط القرآن ارتباطًا مباشرًا بوجود الإنسان واختياراته ومصيره النهائي.
كلام الله وأساس علاقة الإنسان بالقرآن
إن أول أصل في فهم مكانة القرآن هو أنه كلام الله الموجَّه إلى الإنسان. فإذا تعامل الإنسان مع هذا الأصل بجدية، فلن تنحصر قراءة القرآن في ممارسة لغوية مجردة. فالقراءة، وفق هذا الفهم، هي نوع من التعرّض المباشر للخطاب الإلهي. فالإنسان يقرأ القرآن، لكنه في مستوى أعمق يجد نفسه مخاطبًا بكلام الله. ومن هنا يُفهم التعبير القائل: «اقرأ القرآن بصوت الله»، أي أن يتلقاه الإنسان لا بوصفه نصًا بعيدًا عنه، بل بوصفه وحيًا حاضرًا وموجَّهًا إليه شخصيًا.
وبناءً على ذلك، تتجاوز علاقة الإنسان بالقرآن مجرد اكتساب المعرفة لتصل إلى مستوى التكوين الوجودي. فعندما يسمع الإنسان آيةً أو يقرأها، فإنه لا يضيف معلومة جديدة إلى ذهنه فحسب، بل يقف أمام حقيقة تطالبه باتخاذ موقف. ومن هنا يكون القرآن هاديًا ومعيارًا في آنٍ واحد؛ فهو هادٍ لأنه يرشد إلى طريق الخروج من الظلمات، وهو معيار لأنه يكشف موقف الإنسان من الهداية الإلهية ومدى استجابته لها.
من هذا المنظور، فإن «الظلمات» في القرآن لا تعني الجهل النظري وحده، بل قد تتمثل في الغفلة، والتعلّق بالدنيا، ونسيان الآخرة، وعدم الإحساس بالمسؤولية، والابتعاد عن الله. وفي المقابل، فإن «النور» لا يقتصر على معرفة بعض القضايا الدينية، بل هو وضوح طريق الحياة وظهور الاتجاه الصحيح نحو الله تعالى. ولهذا فإن القرآن لا يدعو الإنسان إلى إصلاحات سلوكية سطحية فحسب، بل يعمل على تغيير الأساس الذي تقوم عليه توجهاته وخياراته.
التدبر: الانتقال من القراءة اللفظية إلى التلقي الوجودي
ورد في الحديث الشريف: «لا خَيْرَ في قِراءةٍ لا تَدَبُّر فيها»[2]، حيث يظهر في هذا الحديث أن قيمة قراءة القرآن لا تُقاس بعدد الآيات المقروءة فقط، بل بكيفية تفاعل الإنسان معها أيضًا. فالتدبر يعني الوقوف عند الآية، والتساؤل عن علاقتها بالحياة، وإفساح المجال لكلام الله كي ينفذ إلى طبقات القرار والنية والعمل.
إن التدبر يُخرج القرآن من هامش الحياة إلى مركزها. فقد يقرأ الإنسان آيةً تتحدث عن الآخرة، لكن إذا لم تؤثر تلك الآية في قراراته اليومية، فإن فهمه لها لا يزال ناقصًا. أما عندما يتلقى الآية بوصفها كلام الله، فإنها تصبح قادرة على تغيير نظرته إلى الحياة. وهذا التغيير ليس بالضرورة صاخبًا أو مفاجئًا؛ بل قد يحدث بهدوء واستمرار وعلى نحو تدريجي. فالإنسان يرى نفسه كل يوم في مرآة القرآن، ويقيس من خلالها ما إذا كان يسير نحو النور أم يواصل طريقه في اتجاه الظلمة.
وينبغي أن يكون الارتباط بالقرآن جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية للإنسان. ووفقًا لما أوصى به كبار علماء الدين، يُستحب لكل فرد أن يقرأ ما لا يقل عن خمسين آية يوميًا، وأن يتدبر في آيتين منها على الأقل. فإذا كان القرآن كلام الله ومصباح الطريق، فلا يصح أن يُحصر حضوره في مناسبات أو أزمات أو لحظات عاطفية عابرة. إن المواظبة على القراءة والتدبر تهيّئ للإنسان أرضيةً يعيش من خلالها بمنطق القرآن، ويتشرّب هداياته بصورة تدريجية ومستمرة.

التدبر والمرجعية وعلاقة الإنسان بالقرآن في الحياة اليومية
قد يلتفت الإنسان أحيانًا إلى حقيقةٍما من خلال رؤيا أو تجربة خاصة؛ غير أن العاقل لا ينبغي له أن يجعل يقظته المعرفية مرهونة بمثل هذه الوقائع. فالقرآن هو كلام الله الواضح والبيّن، وبالنسبة لمن يعدّه حجةً ودليلًا، فإن آيةً واحدة منه قد تكون أصدق وأوثق من كثير من التجارب الغامضة والمبهمة.
وعندما يتخذ الإنسان القرآن حجةً له، فإنه ينقل معيار حركته وتوجيهه من أمور متغيرة وشخصية وغير يقينية إلى كلام الله الثابت. ومثل هذا الإنسان لا يحتاج إلى رؤيا أو حلم ليؤمن بالآخرة؛ لأن الله تعالى قد أخبر في القرآن عن حقيقة الآخرة، وعن جزاء الصالحين، وعن المصير الأبدي للإنسان. وتشير الآية الكريمة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾[3] إلى أن الثواب الإلهي يفوق حدود التصور الإنساني المعتاد. كما أن الأمر الإلهي: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[4] يدل على أن معرفة الآخرة ينبغي أن تدفع الإنسان إلى المبادرة والمسارعة في طريق العمل.
وعليه، فإن القرآن لا يكتفي بإعطاء صورة عن المستقبل، بل يحرك حاضر الإنسان وواقعه أيضًا. فالآيات التي تتحدث عن الآخرة، إذا فُهمت فهمًا صحيحًا، تُولِّد في نفس الإنسان قوةً تدفعه إلى تجاوز الضعف والفتور والانشغال بأعباء الحياة اليومية. ن قوة الروح قادرة على التغلّب على كثير من مظاهر الضعف والآلام، والارتقاء بالإنسان نحو الله. غير أن هذا الكلام لا ينبغي أن يُفهم فهمًا نفسيًا أو عاطفيًا محضًا؛ فالمقصود هو أنه عندما تتصل نفس الإنسان بالحقيقة الإلهية، فإن جسده وسلوكه يتأثران أيضًا بذلك الاتجاه ويكتسبان منه أثرهما.
التجلّي الأخروي لعلاقة الإنسان بالقرآن وعواقب نسيانه
إن القرآن ليس مجرد نص مكتوب في الحياة الدنيا، بل هو حقيقة لها ظهورها وتجليها في يوم القيامة. وهذا الظهور هو ثمرة العلاقة التي أقامها الإنسان مع القرآن في حياته الدنيوية. فبقدر ما يعيش الإنسان الألفة والأنس والتدبر والعمل بالقرآن في الدنيا، يكون القرآن في الآخرة مصدرًا للنور والهداية له. وعلى العكس من ذلك، فإن من أهمل القرآن أو نسيه في الدنيا سيواجه آثار هذا الإهمال في الآخرة.
وتعبّر الآية الكريمة: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ﴾[5] بدقة عن هذه العلاقة. فالمقصود بالنسيان هنا ليس مجرد النسيان الذهني أو فقدان التذكر، بل الإعراض العملي عن آيات الله. فمن الذي يسمع الآيات، ثم لا يجعل لها مكانًا في حياته واختياراته وغاياته، يكون في الحقيقة قد أبعد القرآن عن دائرة حياته الوجودية. والنتيجة الأخروية لهذا الموقف هي أن يواجه الإنسان تلك القطيعة والحرمان اللذين صنعهما بنفسه في الدنيا.
إن ظلمات البرزخ والآخرة ليست أمورًا منفصلة عن الحياة الدنيا، بل إن الإنسان يبدأ مسيرته نحو الظلمة أو النور من هذه الحياة نفسها. فإذا سار على هدى نور القرآن، فإن هذا النور يرافقه في المراحل اللاحقة أيضًا. أما إذا أعرض عن المصباح الإلهي، فإن الظلمة التي تواجهه بعد ذلك ليست إلا امتدادًا لذلك الإعراض. ومن هنا، فإن الآخرة ليست مجرد موطن لإعلان النتائج، بل هي ميدان ظهور الحقيقة الكاملة للعلاقة التي كوّنها الإنسان في الدنيا.
من القراءة اليومية إلى بناء المسار الوجودي
يمكن الآن ملاحظة المسار العام لهذا البحث في إطار الحياة اليومية. فالإنسان مطالب أولًا بأن يؤمن بأن القرآن هو كلام الله، ثم لا يكتفي بقراءته، بل يتلقاه بالتدبر والتأمل العميق. وبعد ذلك، عليه أن يقدّم حجية القرآن على المعايير الشخصية الغامضة وغير الموثوقة، ثم يحوّل هذه العلاقة إلى برنامج دائم ومستمر في حياته.
وفي هذا السياق، فإن القراءة اليومية للقرآن والتدبر في آيتين على الأقل ليست سوى رمز لمبدأ أوسع وأعمق، وهو أن على الإنسان أن ينقل علاقته بكلام الله من حالة عارضة ومؤقتة إلى حالة مستقرة ودائمة.
وهذا الارتباط المستمر يعيد تشكيل هوية الإنسان تدريجيًا. فمع كل آية يقرؤها، يجد نفسه أمام سؤال جوهري: هل ينسجم مساري مع نور القرآن أم مع ظلمات الغفلة؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تقتصر على الجانب الذهني، بل تتجلى في السلوك، وترتيب الأولويات، والنظرة إلى الآخرة، والمسارعة نحو مغفرة الله. ولذلك فإن القرآن ليس مجرد كتاب يُقرأ من أجل المعرفة، بل هو حقيقة يُعاش بها، وميزان تُقاس به الوجهة الوجودية للإنسان.
فالقرآن، بوصفه كلام الله، هو مصباح الخروج من الظلمات، ورفيق الطريق، وحجة اليقظة، وحقيقة ذات تجلٍّ أخروي. ومن ثمّ، لا ينبغي أن تنحصر علاقة الإنسان به في قراءة لفظية أو معرفة مفهومية مجردة. بل ينبغي له أن يتعامل معه بوصفه حاضرًا في حياته، مخاطبًا له، ومرشدًا ودليلًا وحجةً عليه؛ وأن يقرأه بتدبر، ويستمد من آياته القوة للسير نحو الآخرة، وأن يدرك أن نسيان القرآن في الدنيا ستكون له صورة من صور الحرمان في الآخرة.
وفي النهاية، فإن ما يظهر للإنسان في الآخرة ليس أمرًا جديدًا أو منفصلًا عما كان عليه في الدنيا، بل هو الحقيقة الكاملة للعلاقة التي بناها بنفسه مع كلام الله تعالى خلال حياته.
[1] سورة ابراهيم، الآية 1
[2] عن الإمام علي عليه السلام: ألا لا خَيرَ في قِراءةٍ ليسَ فيها تَدَبُّرٌ ، ألا لا خَيرَ في عِبادَةٍ ليسَ فيها تَفَقُّهٌ، الكافي- ط الاسلامية،ج : 1،ص : 36، الشيخ الكليني
[3] سورة السجدة، الآية 17
[4] سورة آل عمران، الآية 133
[5] سورة طه، الآية 126