محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

لماذا يُعدّ القرآن مظهر اللّانهاية، ولماذا لا يُستنفد فهمه؟

كثيراً ما يواجه الإنسان، في سياق تجربته العادية في الحياة، حقائقَ كلما ازداد معرفةً بها انكشفت له آفاقٌ جديدة لم تكن حاضرة في وعيه من قبل. فقد يقضي الباحث سنوات طويلة في دراسة تركيب خلية واحدة، ثم لا يكون كلُّ اكتشاف جديد إلا نافذةً تكشف له أن وراء ما عرفه طبقاتٍ أخرى كثيرة ما تزال مجهولة. ومثالٌ آخر على ذلك دراسة الجسيمات الذرية الدقيقة؛ فهي تبدو للوهلة الأولى موضوعًا صغيرًا محدودًا، غير أنّ التعمّق في البحث عنها يكشف باستمرار مستوياتٍ أعظم من التعقيد والعمق.

وتدلّ هذه التجربة على حقيقة مهمّة، وهي أنّ عجز الإنسان عن الإحاطة الكاملة بالشيء لا يختصّ بالأمور الواسعة والعظيمة فحسب، بل يشمل حتى الظواهر التي هي نفسها جزء من هذا العالم المحدود؛ إذ لا يبلغ الإنسان فيها معرفةً نهائيةً شاملة تستوعب جميع أبعادها.

ومن هنا تبرز مسألة أساسية: إذا كان العقل البشري لا يستطيع أن يحيط إحاطةً تامّةً بظواهر محدودة، فكيف تكون علاقته بحقيقةٍ ترتبط بالمبدأ اللامحدود؟ ويزداد هذا السؤال أهميةً وجديّةً عندما يتعلّق بالقرآن الكريم. فالقضية هنا ليست مجرّد كتابٍ جُمعت فيه ألفاظٌ وعبارات أو صيغت فيه مجموعة من القضايا والأحكام، بل إنّ السؤال الجوهري هو: ما طبيعة الصلة التي تربط القرآن بالحقيقة الإلهية؟

فإذا أُدركت هذه النسبة على وجهها الصحيح، فإنّ عدم تناهي معارف القرآن لن يكون مجرّد دعوى ذوقية أو انطباعًا وجدانيًا، بل سيغدو نتيجةً عقليةً واستدلاليةً واضحة. ومن ثمّ، فإنّ البحث في سرّ عدم نفاد معارف القرآن ينبغي أن يبدأ من تحليل حقيقته الإلهية وماهيته الربانية، لا من خصائص نفسية أو ظروف تاريخية للمتلقّين والمخاطَبين به.

المعنى الوجودي للقرآن بوصفه مظهر اللّانهاية

تنطلق هذه المسألة، في أساسها، من الذات الإلهية. فالله سبحانه ليس محدوداً، ولا يعتري ذاته حدٌّ ولا نهاية. وأيّ مقاربةٍ للقرآن لا تبدأ من هذا الأصل ستظلّ عاجزةً عن ملامسة الجذر الحقيقي للمسألة. فإذا كان المبدأ غير متناهٍ، وجب أن تُفهم الظواهر الصادرة عنه في ضوء هذه الحقيقة نفسها. وضمن هذا الأفق، لا يُنظر إلى القرآن بوصفه نصّاً منفصلاً عن مبدئه، بل باعتباره تجلّياً وظهوراً لحقيقةٍ لا تقبل التحديد في أصلها.

ومن ثمّ، فإن الحديث عن القرآن ليس حديثاً عن مجموعةٍ من الألفاظ فحسب. فإذا كان القرآن تجلّياً تامّاً للذات الإلهية، لزم النظر إليه بوصفه ظهوراً تتبع سعته الدلالية سعةَ مبدئه. وحيث إنّ ذلك المبدأ غير محدود، فإن هذا الظهور لا ينغلق، في أفق المعنى، عند حدٍّ نهائيّ أو أفقٍ مستنفَد. وبذلك، فإن عدم نفاد معارف القرآن ليس أمراً طارئاً يُفرض عليه من خارج، بل هو أثرٌ مباشر لنمط انتسابه إلى الله تعالى. ولهذا يغدو البحث في لا نهائية القرآن، قبل أن يكون بحثاً تفسيرياً أو أدبياً، بحثاً أنطولوجياً يتصل بحقيقته الوجودية.

غير أنّ القول بلا نهائية معارف القرآن لا يعني فتح الباب أمام كلّ تأويلٍ اعتباطي أو قراءة كيفما كانت. بل المقصود هو أنّ الحقيقة القرآنية، من حيث اتصالها بالمبدأ اللامحدود، لا تبلغ في مجال الكشف والفهم نقطةَ انقضاءٍ نهائي. ومن ثمّ، قد تكون كلّ مرتبةٍ من مراتب الفهم صحيحةً في حدودها، لكن صحةَ مرتبةٍ معيّنة لا تعني أنّ جميع المراتب الأخرى قد استُنفدت أو أنّ إمكان التعمّق قد انتهى.

لماذا لا يبلغ فهمُ القرآن ـ بوصفه تجلّياً للّانهاية ـ نقطةَ ختام؟

حين يُقال إنّ معارف القرآن لا تنفد، فلا بدّ أن يُفهم هذا القول على أساس علاقةٍ حقيقية تفسّره، لا على هيئة عبارةٍ إنشائية. وتلك العلاقة هي أنّ القرآن تجلٍّ تامّ للذات الإلهية؛ فلو كان هذا التجلّي صادراً عن حقيقةٍ محدودة لأمكن أن تُرسم له حدودٌ واضحة وأفقٌ مغلق، ينتهي عنده الكشف وتستقرّ الدلالة. أمّا وقد كان التجلّي من ذاتٍ إلهيةٍ غير متناهية، فإنّ تصور “سقف نهائي” للمعنى يغدو تصوراً متعذّراً: إذ لا يصحّ القول إنّ مرحلةً ما ستجيء ينكشف فيها كلّ شيء ثم لا يبقى بعد ذلك ما يُستكشف. وليس الحديث هنا عن اضطرابٍ في الدلالة أو عن غموضٍ يفتح الباب لكلّ احتمال؛ بل عن عمقٍ في الحقيقة الحاضرة في القرآن، عمقٍ لا يقبل الاستنفاد.

ولهذا، مهما تقدّم فهم الإنسان، ستظلّ علاقته بالقرآن علاقةَ كشفٍ تدريجي لا علاقةَ إحاطةٍ تامة. قد ينفذ الباحث إلى طبقةٍ من المعنى ويصيب وجهاً من وجوه الحقيقة، لكنه لا يملك ـ من حيث المبدأ ـ أن يدّعي أنّ ما في القرآن قد صار كلّه بين يديه دفعةً واحدة وعلى وجهٍ نهائي. وسبب ذلك لا يرجع إلى قصور الإنسان فحسب، بل يرجع قبل كلّ شيء إلى جلالة الموضوع نفسه: فموضوع المعرفة هنا هو ظهورُ حقيقةٍ لا حدّ لها، ومن ثمّ فإنّ فهمها لا يصل إلى “ختمٍ” قاطع، لأنّ ما يتعلّق باللامحدود لا يُستوعَب استيعاباً نهائياً.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أنّ عدم انتهاء فهم القرآن لا يعني غياب المعايير أو العجز عن إدراك معناه. فالقرآن ـ بما هو تجلٍّ تامّ للذات الإلهية ـ يحمل معارفَ ثابتةً وواقعيةً لا تتهاوى أمام النسبية والاعتباط. الذي لا ينتهي إنما هو إمكان التعمّق واتساع الكشف، لا أصل الحقيقة. فالقرآن حقيقةٌ واحدة، غير أنّ سُبل استجلاء أبعادها لا تُختزل في مرحلةٍ بعينها، ولا تُحصر في أفقٍ واحد.

قاعدةُ التجلّيات الإلهيّة وصلتها بالقرآن

ولإيضاح هذه المسألة على نحوٍ أدقّ، لا بدّ من الالتفات إلى قاعدةٍ كلّية، مفادها أنّ تجلّيات إلهية لا تقع ضمن ما يمكن للإنسان أن يحيط به إحاطةً تامّة. فكلّ ما يُعدّ ظهوراً من ظهورات الله تعالى وتجلّياً من تجلّياته، يحمل ـ من حيث نسبته إليه سبحانه ـ سعةً تتجاوز حدود الإحاطة النهائية التي يطلبها العقل البشري. وهذه القاعدة لا تختصّ بالقرآن وحده، بل تصدق ـ في أصلها ـ على سائر التجلّيات الإلهية. غير أنّ القرآن يحتلّ في هذا السياق منزلةً فريدة، إذ يُنظر إليه بوصفه التجلّي الأكمل للذات الإلهية.

فإذا كان من المسلَّم، في باب التجلّيات الإلهية على وجه العموم، أنّ حقيقتها لا تُستوعَب استيعاباً نهائياً من قِبل الإنسان، فإنّ هذا الحكم يكون في شأن القرآن أولى وأشدّ ثبوتاً؛ ذلك أنّ صلته بالذات الإلهية أرفع وأوثق، ومقامه في الكشف عن الحقيقة الإلهية أتمّ وأبلغ. ومن هنا، فإنّ القول بعدم نفاد معارف القرآن ليس حكماً استثنائياً منفصلاً عن قاعدةٍ أوسع، بل هو ثمرةٌ مباشرة لذلك الأصل الكلّي الذي يقضي بأنّ التجلّي الإلهي، لا ينتهي في أفق الإدراك البشري المحدود، إلى حدٍّ يُدَّعى عنده الاستيعاب الكامل. والمبنى في ذلك كلّه هو نفسه: لامحدودية الذات الإلهية.

وعلى هذا الأساس، لا يصحّ أن يبدأ تحليل حقيقة القرآن من مستوى الألفاظ ثمّ يتوقّف عنده. فالألفاظ، وإن كانت حاملةً للمعنى وكاشفةً عنه، ليست هي في ذاتها منشأَ عدم التناهي في القرآن. وإنما المنشأ الحقيقي لذلك هو أنّ القرآن ظهورُ حقيقةٍ لا ينفذ إليها التحديد ولا يعتريها الحدّ. وكلّما كانت نسبة التجلّي إلى تلك الحقيقة أتمّ وأكمل، ازداد عمقه، وتعذّر على الإنسان أن يبلغ كنهه بلوغاً نهائياً. ومن هنا يتبيّن أنّ الحديث عن القرآن، في جوهره، ليس حديثاً عن نصٍّ فحسب، بل عن نمطٍ خاصّ من العلاقة الوجودية بين كتاب الله والذات الإلهية الحقة.

الاستدلال بالأَولى في فهم القرآن بوصفه مظهر اللانهاية

ومن أوثق المسالك في بيان هذه الحقيقة الاستدلالُ بالأَولى. فالإنسان، إلى اليوم، لم يبلغ معرفةً كاملةً بالذرّة، كما أنّه ـ على الرغم من التقدّم العلمي الكبير ـ لم يُحِط إحاطةً تامّةً بحقيقة خلية واحدة وما تنطوي عليه من دقيقة البنية ووظائفها. وهذان مثالان من عالم المخلوقات والظواهر الكونية؛ أي من دائرة موجودات تمثّل مراتب محدودة من الظهور، وتقع في نطاقٍ أدنى من حيث النسبة إلى الحقيقة الإلهية. ومع ذلك كلّه، ظلّ العقل البشري عاجزاً عن استيعابها استيعاباً نهائياً.

فإذا كانت الإحاطة الكاملة متعذّرةً في معرفة مثل هذه المظاهر المحدودة، فكيف يُتصوَّر إمكانُها في شأن القرآن، وهو التجلّي الأكمل للذات الإلهية؟ وهنا يتجلّى وجه الاستدلال بالأَولى: فإذا كان الإنسان لا يملك الإحاطة التامّة بما هو أدنى رتبةً وأقرب إلى حدود العالم المشهود، فإنّ عجزه عن الإحاطة بما هو أعلى رتبةً وأشدّ اتصالاً بالمبدأ الإلهي يكون أوضح وأوْلى. وعلى هذا، فإنّ عدمَ بلوغ كنه القرآن ليس أمراً عارضاً، ولا نتيجةً لقصورٍ تاريخيّ في مسيرة المعرفة البشرية، بل هو مقتضى طبيعيّ للعلاقة بين المحدود واللامحدود.

وتكمن قوّة هذا الاستدلال في أنّه ينطلق من خبرةٍ إنسانيةٍ واضحة. فكلّ إنسانٍ على قدرٍ من الوعي يدرك أنّ العالم الطبيعي ما يزال مفتوحاً على آفاقٍ واسعة من المجهول، وأنّ ما كُشف منه، على سعته، لا يمثّل نهاية المعرفة به. فإذا انتقلنا من هذا المجال إلى القرآن، لم يعد الادّعاء بإمكان استنفاد معانيه ادّعاءً غير مسوَّغٍ فحسب، بل غدا أيضاً منافياً لمنطق المعرفة نفسه. ذلك أنّ ما تكشفه لنا أمثلة الذرّة والخلية ليس مجرّد محدودية الإنسان في بعض الميادين، بل حقيقةٌ أعمق، وهي أنّ حتى مراتب الواقع الأكثر تحديداً لا تخضع له إحاطةً كاملة. فإذا كان الأمر كذلك، فإنّ نسبتَنا إلى حقيقةٍ كالقرآن الكريم ستكون من باب الأَولى أبعدَ منالاً وأعظمَ عمقاً.

نسبةُ الإنسان إلى القرآن في مسيرة حياته

هذه المسألة ليست مجرّد بحثٍ تجريديٍّ منفصلٍ عن واقع الإنسان، بل لها صلةٌ مباشرةٌ بكيفية حضور القرآن في حياته الفكرية والروحية. ذلك أنّ نوعَ علاقتنا بالقرآن يتحدّد في ضوء فهم هذه الحقيقة نفسها. فإذا نُظر إلى القرآن على أنّه كتابٌ استُنفدت معانيه وانتهت دلالاته، انكمشت صلتُنا به إلى حدود تلقّي عددٍ من قضايا مقرّرة ومعان جاهزة. أمّا إذا تبيّن أنّ القرآن هو التجلّي الأكمل للذات الإلهية اللامتناهية، غدت علاقة الإنسان به علاقةَ رجوعٍ متجدّدٍ واكتشافٍ مستمرّ. وعندئذٍ لا تكون العودة إلى القرآن مجرّد تكرارٍ لما سبق، بل دخولاً متكرّراً إلى أفقٍ لم تُستنفد إمكاناته ولم تنغلق آفاقه.

ومن هذا المنظور، فإنّ حضور القرآن الكريم في حياة الإنسان يعني أنّه يقف بإزاء نصٍّ لا يُطوى كلّياً، ولا يُتجاوز بصورةٍ نهائية. نعم، قد ينال الإنسان منه في كلّ مرحلةٍ بقدر طاقته واستعداده، غير أنّه لا توجد مرحلةٌ يمكن أن تُدَّعى فيها نهايةُ الفهم أو اكتمالُ الإحاطة. وتكمن أهمية هذه الحقيقة في أن الارتباط بالقرآن يُفهم بوصفه ضرورةً وجودية؛ فالإنسان محدود، بينما ما يرجع إليه هو تجلٍّ لحقيقةٍ لا متناهية. ومن اجتماع هذين الأمرين تنشأ ضرورة الرجوع الدائم إلى القرآن، ويتحقق الكشف التدريجي لمعانيه.

وعليه، فالمسألة لا تنحصر في القول بأنّ القرآن كتابٌ عميق، بل تتجاوز ذلك إلى بيان منشأ هذا العمق، وهو نسبته إلى الله تعالى. فما لم تُدرَك هذه النسبة على وجهها الصحيح، لن يكون من الممكن تفسيرُ عدم تناهي معارف القرآن تفسيراً دقيقاً. أمّا إذا سُلِّم بهذا الأساس، اتّضح حينئذٍ لماذا لا يبلغ فهمُ القرآن نهايةً قاطعة، ولماذا يكون كلّ ادّعاءٍ بالإحاطة النهائية به ادّعاءً يفتقر إلى المسوّغ المعرفي.

خلاصةُ القول أنّ النتيجة في هذه المسألة بيّنة: فبما أنّ ذاتَ الله سبحانه غيرُ متناهية، وبما أنّ القرآن يُمثّل أتمَّ تجلٍّ لتلك الذات، فإنّ المعارف المودَعة فيه لا يمكن أن تكون محدودةً أو قابلةً للاستنفاد. فعدمُ التناهي هنا نابعٌ من حقيقة القرآن ذاتها، لا من مجرّد طريقة تلقّينا له. ذلك أنّ كلّ ما يتجلّى بوصفه مظهراً إلهيّاً يظلّ ـ من حيث نسبته إلى المطلق اللامحدود ـ متعذّراً على الإحاطة البشرية النهائية، والقرآن يقع في ذروة هذه النسبة وأكمل تجلّياتها.

ويؤيّد هذا المعنى أيضاً الاستدلالُ بالأَولى؛ فإذا كان الإنسان لم يبلغ بعدُ معرفةً كاملةً بالذرّة والخلية، مع أنّهما يقعان في مرتبةٍ أدنى وأضيق من مراتب التجلّي، فإنّ دعوى الإحاطة التامّة بالقرآن تكون أولى بالامتناع. ومن هنا فإنّ وصفَ القرآن بأنّه «مظهر اللانهاية» ليس تعبيراً أدبيّاً أو مبالغةً بيانية، بل تقريرٌ لحقيقةٍ وجودية عميقة. وهذه الحقيقة هي التي تفسّر لماذا لا تنفد معارف القرآن، ولماذا يظلّ كلُّ جيل ـ بل كلُّ مستوى من مستويات التأمّل ـ قادراً على أن يكتشف فيه آفاقاً جديدةً من الفهم والكشف.