محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

كلمة “لا إله إلا الله” هي عمودُ الأديان: دراسة في علاقة حقيقة الإنسان بالتوحيد في بنية الدين

إنَّ معرفة أيِّ بناءٍ، حيًّا كان أو جامدًا، لا تبدأ من جدرانه ونوافذه، بل من عمود يحمل ثقل أجزائه كلِّها. فإذا أُسيءَ فهمُ ذلك العمود اختلَّ إدراكُ صورة البناء بأكملها. والأمر في شأن الدين والإنسان من هذا القبيل. فقد يتحدّث المرء عن أعمال دينية، أو عن الشعائر، أو حتى عن صفات أخلاقية للإنسان، غير أنّ هذه المقاربات تظلّ ناقصة ما لم تُدرك قاعدة يقوم عليها هذا الكلّ. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما الأساس الذي يقوم عليه الدين، والذي يعود إليه في الوقت نفسه فهمُ حقيقة الإنسان؟

إنّ الجواب يتجلّى في أصل وحيد عُدَّ الركن الأعمق للدين: أي كلمة “لا إله إلا الله”. فهذه الكلمة ليست مجرد عبارة لسانية أو شعار تعبّدي، بل هي معيار فهم الدين، ومقياس تفسير حقيقة الإنسان، وأساس ضبط العلاقة بينهما. وإذا كان الدين كلّه قائمًا على كلمة واحدة، فإن هذه الكلمة لا تمثّل جزءًا بين أجزاء، بل قاعدةً تحدّد معنى سائر الأجزاء وقيمتها. لذلك فإن أيَّ بحث في الإنسان أو الدين، أو في الصلة بينهما، لا بد أن يبدأ من هذه النقطة المحورية.

لا إله إلا الله بوصفها العمودَ التأسيسي للدين

لا يُفهم الدين فهمًا صحيحًا إلا إذا ابتدأ النظر فيه من أصوله لا من فروعه ومظاهره. فعندما يُقال إنّ الدين كلَّه قائم على كلمة واحدة، فالمقصود أنّ حقيقته لا تتبدّد في كثرة الصور والتفاصيل، بل تتركّز في وحدةٍ تنبثق منها سائر المستويات وتستمدّ معناها. وفي هذا الإطار تُعدّ عبارة “لا إله إلا الله” عمود الدين؛ أي المبدأ الذي إن غاب، خلا الدين من أساسه.

ولا تقتصر أهمية هذا الأصل على منزلته العقدية فحسب؛ فالإنسان يشهد بهذه الحقيقة مرارًا في الصلاة والأذان، حيث يدلّ تكرار هذه الشهادة على أنّ الدين يعيد الإنسان على الدوام إلى مركزه التأسيسي، ليبقى ارتباطه بأصل التوحيد حيًّا في مستوى الوعي والقول والاتجاه الوجودي. ومن ثمّ فهذه الكلمة ليست مجرد قضية للتصديق الذهني، بل هي محور تنتظم حوله الحياة الدينية كلّها.

إنّ حقيقة الدين لا تنطلق من التعدّد والتشعّب، بل تستمدّ معناها من وحدة الأصل. ولذلك فإنّ من أراد أن يتعرّف إلى الدين الحق الحنيف، وإلى الإسلام الأصيل، فعليه أن يدرك المعنى الحقيقي لهذا الأصل. فمعرفة الدين تبدأ من لحظة يُكتشف فيها هذا التوحيد المؤسِّس.

علاقة كلمة «لا إله إلا الله» بفهم حقيقة الإنسان

لا يمكن إدراك حقيقة الإنسان من خلال مقارنته البيولوجية أو الطبيعية بسائر الكائنات فحسب؛ فمثل هذه المقارنات، على أهميتها، لا تكشف عن الفارق الجوهري الذي يميّزه. إن فهم الإنسان يقتضي معيارًا يكشف هذا التميّز في مستواه الأعمق، وهذا المعيار هو بعينه الأصل الذي عُدَّ سابقًا عمود الدين. ومن هذا المنظور تُفهم حقيقة الإنسان في ضوء كلمة التوحيد: “لا إله إلا الله”.

ويترتّب على ذلك دلالة مهمّة؛ إذ لا يُعرَّف الإنسان بمجرد صورته الظاهرة، ولا بامتلاكه قدرات عقلية مألوفة، ولا بانتمائه البيولوجي إلى نوع البشر. بل إنّ حقيقة وجوده تُقاس بمدى صلة يقيمها مع أصل التوحيد، ومن ثمّ فإن تعريف الإنسان في هذا الإطار تعريف وجودي بالدرجة الأولى، لا تعريف طبيعي أو اجتماعي فحسب. فما يحدّد مرتبة يبلغها الإنسان في إنسانيته هو مقدار حضور هذا الأصل وتحقّقه في كيانه الوجودي.

وبهذا المعنى تتجاوز العلاقة بين الإنسان والدين صورة ارتباط خارجي. فالدين ليس أمرًا مضافًا إلى الإنسان من خارج كيانه، ولا منظومة فُرضت عليه لاحقًا، بل هو معيار يُكتشف به جوهره. فإذا قيس الإنسان بمعزل عن هذا الأصل بقي تعريفه ناقصًا، وإذا فُسِّر الدين منفصلًا عنه ضاعت حقيقته. وهكذا تغدو الوحدة التي يقوم عليها الدين هي نفسها الميزان الذي يُفهم به الإنسان.

الفطرة وشهادة الإنسان على أصل التوحيد

إن الشهادة اللفظية التي يردّدها الإنسان في الصلاة والأذان تمثّل إلى جانب الشهادة الفطرية، مستويين لحقيقة واحدة. فالأولى تعبيرٌ ظاهر ووعيٌ معلن، أما الثانية فمتجذّرة في فطرة الإنسان وكيانه العميق. ومن هنا لا يمكن فهم الإنسان فهمًا كاملاً من دون الالتفات إلى هذه الشهادة الباطنة؛ فإذا كانت الفطرة تشهد بوحدانية الإله، فإن في أعماق الوجود الإنساني صلةً أصيلة بهذه الوحدة. هذه الصلة ليست أمرًا عارضًا أو طارئًا، بل علامة على موقع التوحيد في تعريف حقيقة الإنسان.

ويفضي ذلك إلى نتيجة أساسية: إن علاقة الإنسان بعمود الدين ليست علاقة اصطلاحية أو تربوية محضة، بل هي علاقة يمكن فهمها من داخل بنية وجوده نفسه. فالإنسان، بما هو إنسان، مرتبط بهذا الأصل، ومن خلال هذه العلاقة يتيسّر الفهم الصحيح لكلٍّ من الدين والإنسان معًا.

كما لا يقتصر الأمر على معرفة الإنسان بهذا الأصل أو التلفّظ به؛ بل العبرة بمدى حضوره الفعلي في كيانه الوجودي. فالسؤال الحقيقي هو: إلى أي حدّ تتجلّى حقيقة “لا إله إلا الله” في باطن الإنسان وتصبح قوة فاعلة في وجوده؟ إن هذا التصوّر يدلّ على أن حقيقة الإنسان تُقاس بدرجة التحقّق الداخلي لهذا الأصل، لا بمجرد الادعاء الشكلي له.

ومن هنا يُنظر إلى الوجود الإنساني بوصفه ذا مراتب وساحات متعددة، ليست جميعها في مستوى واحد. فهناك في الإنسان بعدٌ يتجاوز العقل المتعارف والطبقات المادية أو الطبيعية البحتة. وعندما تتفعّل هذه الساحة الأعمق يقترب الإنسان من حقيقته الإنسانية. وبذلك فإن بلوغ معنى الإنسانية الكامل رهين بتحقّق تلك المرتبة العليا التي يُقاس شأنها بمدى اتصالها بأصل التوحيد.

ويكشف هذا التحليل عن تمييزٍ دقيق بين «النوع البيولوجي للإنسان» و«الحقيقة الإنسانية». فقد يكون المرء إنسانًا من حيث الصورة والانتماء النوعي، غير أن المعيار الحاسم لإنسانيته هو تفعّل تلك الساحة المجرّدة المتعالية على العقل الأداتي، وهي ساحة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأصل التوحيد. وعلى هذا الأساس لا تكون حقيقة الإنسان معطًى ثابتًا مضمونًا سلفًا، بل أمرًا يتحدّد بقدر ما يتحقّق هذا الأصل في وجود كل فرد.

الموجودات وتميّز الإنسان عمّا سواه

إذا فُعِّل في الإنسان جانب ماوراء العقل، أو ما يمكن تسميته بالبعد المجرّد في وجوده، أمكن القول إن إنسانيته قد تحقّقت بالفعل. أمّا إذا بقيت هذه الساحة معطّلة، فإن وجوده لا يرتقي إلى مرتبة الإنسان بالمعنى الحقيقي؛ بل وقد ينحدر إلى مراتب أخرى من الوجود، فيكون أقرب إلى الحيوان أو النبات أو الجماد، وقد يهبط إلى ما هو أدنى من ذلك. وتكشف هذه الرؤية عن أن مفهوم الإنسان في الإطار المفهومي للفكر الشيعي ليس عنوانًا ظاهريًا أو توصيفًا شكليًا، بل مرتبة وجودية لا تتحقّق إلا بقدر ما يتجلّى أصل التوحيد في كيان الإنسان.

والجدير بالانتباه أن التمييز بين الإنسان وسائر الموجودات لا يُبنى هنا على بنية جسدية أو خصائص طبيعية. فالمعيار الحاسم ليس الشكل البيولوجي، بل كيفية تفعّل البعد المجرّد من الوجود. ومن هنا يرتقي موقع الإنسان من جهة، وتتضاعف مسؤوليته من جهة أخرى. يرتقي لأنه مرتبط بمرتبة تتجاوز مستويات طبيعية محضة، وتتعاظم مسؤوليته لأن السقوط من هذه المرتبة يظل احتمالًا قائمًا.

بهذا المعنى يمكن للإنسان، من حيث مرتبته الوجودية، أن يقترب من مراتب موجودات أخرى أو يبتعد عنها. فالفاصل الحقيقي بين هذه المراتب ليس المظهر الخارجي، بل درجة تحقق ذلك الأصل الجوهري في الوجود. ومن ثمّ فإن تقويم حقيقة الإنسان لا يتم إلا بالرجوع إلى العمود نفسه الذي يقوم عليه بنيان الدين.

يبلغ فهم الدين والإنسان درجة من الاتساق والدقة حين يُنظر إليهما انطلاقًا من مبدأ واحد. فإذا كان الدين قائمًا على عموده الأساس، فإن معرفته لا ينبغي أن تبدأ من مظاهره المتفرقة أو جزئياته العملية، بل من ذلك الأصل الذي يمنحه المعنى والاتجاه. وهذا الأصل هو “التوحيد”؛ أي المبدأ الذي يقوم عليه الدين كله، والذي تستمد منه سائر عناصره دلالتها ووظيفتها. ولذلك فإن أي قراءة للدين تنفصل عن هذا الأساس تبتعد في الحقيقة عن مركز ثقله.

وفي الإطار نفسه، لا تُفهم حقيقة الإنسان من خلال صورته النوعية الظاهرة، ولا بمجرد خصائصه الطبيعية أو قدراته العقلية المتعارفة. فالإنسان، وفق هذا التصور، كائن تتحدد حقيقته بقدر ما يتحقق أصل التوحيد في ساحة وجوده. وبعبارة أدق، إن ما يرفع الإنسان إلى مرتبة الإنسانية الحقيقية هو تفعيل تلك الساحة المتعالية في وجوده؛ الساحة التي تتجاوز العقل الأداتي وتمثّل البعد المجرّد في كيانه. في هذه الساحة تتجلّى الحقيقة التي تميّز الإنسان عن سائر مراتب الموجودات.

وتكمن أهمية هذا التحليل في أنه لا يقيم علاقة خارجية أو تعاقدية بين الإنسان والدين، بل يكشف عن وحدة داخلية بينهما. فالأصل الذي يقوم عليه الدين هو نفسه المعيار الذي تُقاس به حقيقة الإنسان. وعلى هذا الأساس لا يكون الدين مجرد منظومة من التعاليم لتنظيم سلوك الإنسان، بل أفقًا يضيء للإنسان فهمه لذاته. كما أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ لخطاب الدين، بل إن حقيقته ذاتها تتحدد في ضوء علاقته بأساس الدين.

ومن هذا المنظور، فإن شهادة الإنسان في الصلاة والأذان بوحدانية الإله، وشهادة فطرته العميقة بالحقيقة نفسها، تمثّلان مظهرين لحقيقة واحدة: حقيقة حاضرة في بنية الدين كما هي كامنة في أعماق الوجود الإنساني. ولهذا فإن معرفة الدين الحق ومعرفة الإنسان الحق ليستا مسارين منفصلين، بل طريقين يلتقيان عند نقطة واحدة.

وعليه، فإن العلاقة بين الإنسان وعمود الدين ليست علاقة بين كائن ومبدأ خارجي مفروض عليه، بل علاقة بين حقيقة الإنسان والقاعدة الأساسية التي تمنح إنسانيته معناها. وكلما ازداد حضور هذا الأصل في وجود الإنسان تجلّت إنسانيته على نحو أوضح، وكلما بقي معطّلًا اتّسعت المسافة بينه وبين مرتبته الإنسانية الأصيلة. ومن هنا يغدو التوحيد ليس أساس الدين فحسب، بل المعيار الأخير لفهم الإنسان ذاته.