محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

الرحمة الحافظة: قراءة تحليلية في الإسلام الرحماني ومعنى الجهاد

في الحياة اليومية تُعرَف المحبة عادةً باللين والتسامح وتجنّب الشدّة. فعندما يعتني شخصٌ بطفلٍ صغير، فإنّ أول ما يتبادر إلى الذهن من مظاهر محبّته هو احتضانه، ورعايته، وتبديد مخاوفه، وإشعاره بالأمان. غير أنّ هذه الرعاية نفسها تتخذ صورةً مختلفة عندما يتعرّض الطفل لخطرٍ يهدّده؛ فالمحبّ لا يكتفي حينئذٍ بالمشاهدة أو الترقّب، بل يسارع إلى منع الأذى، ودفع الخطر، وإقامة حاجزٍ بين محبوبه وما يهدّده. وهنا لا تؤول المحبّة إلى السكون والانفعال، بل إلى الحماية والصيانة ورسم الحدود الفاصلة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن تناول مفهوم الإسلام الرحماني انطلاقاً من افتراضٍ مسبقٍ يقضي بإلغاء كلّ مواجهةٍ للشرّ أو المانع أو العدوّ. إذا حصرنا معنى الرحمة في مجرد اللين والرفق بلا حدود، فلن نفهم كيف يمكن أن ترتبط الرحمة بحماية الحق، ومنع الفساد والانحراف، ومواجهة ما يعوق الطريق. بمعنى آخر: الرحمة ليست ضعفًا أو تساهلًا دائمًا، بل قد تقتضي أحيانًا الحزم والدفاع عن الحقيقة.

 المسألة تدور حول معنى الرحمة وحدودها: هل تعني الرحمة إلغاء كلِّ شدّةٍ وكلِّ إبعادٍ بشكلٍ مطلق؟ أم أن الرحمة الحقيقية قد تقتضي ـ في بعض مراتبها ـ إزالةَ ما يمنع الناس من الوصول إلى الحق، حتى لو استلزم ذلك نوعًا من الحزم؟ وتبرز أهمية هذا السؤال حين يفسِّر بعضهم دين الرحمة على أنه تسامح بلا حدود، فيظنون أن أيَّ موقفٍ حازم، أو وضعٍ للحدود، أو جهادٍ، يناقض معنى الرحمة.

وفي المقابل، إذا كانت الرحمة ناظرةً حقّاً إلى صلة الإنسان بمبدئه وغاية وجوده، فإنها لا تتعارض مع إزالة الموانع ودفعها، بل تبقى ناقصةً من دون ذلك. ومن ثمّ، فإنّ تبيين معنى “الإسلام الرحماني” ضمن هذا الإطار يقتضي فهماً دقيقاً للعلاقة بين “المحبة والرعاية”، وبين “التوحيد ووضع الحدود الفاصلة”، وبين “الجهاد والرحمة”.

الإسلام الرحماني والمعنى غير الانفعالي للرحمة

ينطلق هذا البحث من رفض التصور الذي يرى أن كل موقف يتضمن مواجهةً أو رفضًا أو تصدّيًا يُعدّ بالضرورة عنفًا. فالإسلام لا يشتمل على أحكام عنيفة بالمعنى المتعارف عليه؛ لأن ما قد يُنظر إليه ظاهريًا على أنه شدّة، هو في حقيقته لونٌ من ألوان الحماية للمحبوب والدفاع عنه، ومواجهةٌ لما يحول بينه وبين من يقصده.

ومن هنا تخرج الرحمة من دائرة الشعور العاطفي المجرّد، لتُفهم في ارتباطها بالغاية والمقصد. فوجود محبوبٍ‌ما يقتضي العناية به، وهذه العناية لا تتحقّق بمجرد إعلان المحبّة أو التعبير عنها عاطفيًّا، بل تستلزم أيضًا درء ما يهدّده ويحول دون سلامته. ومن ثمّ فإنّ معارضةَ ما يعوق الوصول إلى المحبوب ليست أمرًا خارجًا عن دائرة المحبّة، بل هي من مقتضياتها الداخليّة ولوازمها الطبيعية.

وبناءً على ذلك، فإن الرحمة ليست حالة حيادية أو موقفًا سلبيًا، بل هي علاقة فاعلة مع الخير. فالخير عندما يصبح موضعًا للحفظ والرعاية، يستلزم بطبيعته التمايز عن نقيضه والابتعاد عنه. وإذا أُلغيت هذه المسافة الفاصلة بين الخير وضدّه، تحوّلت المحبة إلى حالة من اللامبالاة وفقدت معناها الحقيقي. ومن ثمّ، فإنّ توصيف الإسلام بأنّه «رحماني» لا يعني التغاضي عن العوائق أو التساهل إزاء ما يقطع الطريق إلى الغاية، بل يقتضي إدراك الرحمة ضمن منظومةٍ قيميّة يكون فيها حفظُ الصلة بالحقيقة هو الأصل الحاكم. ففي هذا الإطار، لا تُفهم الرحمة بوصفها حيادًا إزاء الانحراف، بل بوصفها التزامًا بصون العلاقة بالحقّ؛ وكلّ ما من شأنه أن يخلخل هذه الصلة أو يشوّهها يصبح محلَّ رفضٍ ومواجهةٍ في ضوء هذا المبدأ.

الإسلام الرحماني ونقد تساهل بلاحدود

تقف الرؤية الشيعية في مواجهة التصور الذي يساوي بين الرحمة وبين التساهل المطلق والتسامح غير المشروط. فإشكالية هذا التصور أنه يعتبر اللعن، أو أي موقف سلبي تجاه أعداء الله والمستكبرين، أمرًا منافيًا للدين وروحه. غير أن هذا الفهم لا يقدّم تمييزًا واضحًا ـ على المستوى الوجودي ـ بين محبة الحق وبين اللامبالاة تجاه ما يناقض الحق. فإذا كان التوحيد يعني التوجّه الكامل نحو الله تعالى، فلا يمكن اعتبار موقف الإنسان من أعداء الله موقفًا محايدًا. فالتساهل مع ما يقف في مواجهة الله يُعدّ ـ وفق هذا المنظور ـ علامةً على ضعف التوحيد؛ لأن التوحيد ليس مجرد إقرار لفظي، بل له مقتضياته العملية التي تتمثل في الولاء للحق والبراءة من الباطل. ويتضح ذلك من خلال سؤالٍ أساسي: أيُّهما أرحم، الإنسان أم الله الذي خلقه؟

فإذا رأى شخص ـ استنادًا إلى ذوقه الشخصي ـ أن كل لعنٍ أو إقصاءٍ يتعارض مع الرحمة، فإنه يكون قد جعل للرحمة معيارًا مستقلًا عن المعيار الإلهي. بينما المقياس النهائي للرحمة هو فعل الله تعالى وحكمه. ومن ثمّ فإن بناء مفهوم تعبير «الإسلام الرحماني» على مشاعر إنسانية منفصلة عن الإرادة الإلهية يُعدّ فهمًا غير صحيح لهذا المفهوم.

الشواهد القرآنية وإمكان الجمع بين الرحمة واللعن

تُصاغ الحجة الأساسية في نقد التساهل اللامحدود بلغة القرآن الكريم. ففي الآيات التي يُستدلّ بها في هذا السياق، يُنسب اللعن والعذاب إلى الله تعالى، كما في قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، وقوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وقوله: ﴿أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وتكمن أهمية هذه العبارات في أنها تدلّ على أنّ نفي بعض المواقف والأشخاص وإبعادهم ليس أمراً خارجاً عن المنطق الإلهي، بل هو جزءٌ منه. فإذا كان الله تعالى، وهو مصدر الرحمة ومنشؤها، يُصدر ـ في مقام التقييم الوجودي والقيمي ـ حكماً باللعن والعذاب على فئةٍ معينة، فلا يمكن اعتبار كلّ صورةٍ من صور الرفض أو المعارضة مناقضةً للرحمة.

فاللعن ليس مجرد ردّ فعلٍ عاطفي أو انفجارٍ لغضبٍ بشري، بل هو تعبيرٌ عن نوعٍ من العلاقة الوجودية مع الباطل. فاللعن، في هذا المستوى، إعلانٌ للبراءة والابتعاد عمّا يتعارض مع الحقيقة الإلهية. ومن هنا، فإنّ الاعتراض على اللعن بدعوى منافاته للرحمة يستلزم إغفال جانبٍ من التصوير القرآني للعلاقة بين الله تعالى وبين الشرّ والعداوة. وعلى هذا الأساس، لا يُفهم “الإسلام الرحماني” فهماً صحيحاً إلا إذا فُهمت الرحمة الإلهية لا بوصفها إلغاءً للحكم والتمييز ووضع الحدود، بل بوصفها نظاماً تتحدّد فيه الصلة بالخير بالتزامن مع نفي الشرّ ومواجهته.

من التوحيد إلى البراءة: البنية الداخلية للمحبة الدينية

إن المحبة، إذا كانت متوجهة إلى الله تعالى، تمتلك بنيةً داخليةً تميزها عن سائر أشكال المحبة العاطفية المجردة. ففي هذه البنية يكون الله هو المحبوب الأعلى، ويغدو كل ما يُبعد الإنسان عنه ليس أمرًا هامشيًا أو ثانويًا، بل عائقًا حقيقيًا في مسيرته الوجودية نحو الكمال. ومن هنا، فإن معارضة هذا العائق ليست أمرًا إضافيًا أو طارئًا، بل هي من مقتضيات الوفاء للمحبوب ولوازمه. فمَن يتحدث عن المحبوب، ثم لا يتخذ موقفًا من موانع تحول دون الوصول إليه، تكون محبته فاقدةً لانسجام داخلي وتماسك حقيقي.

ويمكن إدراك هذا المنطق حتى في تجارب يومية مألوفة؛ فالإنسان في أمور يراها عظيمة ومهمة لا يكتفي بمجرد ميل إيجابي نحوها، بل يسعى أيضًا إلى تهيئة ظروف تحفظ ما يحب وتصونه. وعندما تُنقل هذه القاعدة إلى الساحة الإلهية، فإنها تكتسب صورةً أكمل وأعمق. فالتوحيد، بوصفه توجهًا شاملًا نحو الله تعالى، يقترن بالبراءة من أعدائه. ولذلك فإن التعبير من “الإسلام الرحماني”، وفق هذا الفهم، ليس اسمًا آخر للحياد أو اللاموقف، بل هو تعبير عن نظام تتحقق فيه الرحمة من خلال حفظ العلاقة بالحق وإقصاء ما يعوقها ويحول دونها.

الإسلام الرحماني وإعادة تعريف الجهاد

إذا كانت الرحمة تهدف إلى إيصال الإنسان إلى صلته الأصيلة بالحقيقة، فإن كل فعل يُبذل لإزالة أرجاس وعوائق تحول دون هذه الصلة يمكن أن يكون مظهرًا من مظاهر الرحمانية. ومن هنا تبرز نتيجة بالغة الأهمية: فالجهاد ليس عنفًا، بل هو رحمانية. إنه فعل يواجه مظاهر الفساد والانحراف، ويصل الإنسان بأسرته السماوية وموطنه الحقيقي. ولذلك فالجهاد ليس انفصالًا عن الرحمة، بل هو تجلّيها العملي حين تتزاحم مع الشر وتواجهه. «… وسياحةُ أمّتي الجهادُ في سبيلِ الله».[1] وعندما يُفهم الجهاد في هذا الأفق، يصبح محبوبًا ومطلوبًا؛ لأنه ليس مجرد ممارسة خارجية، بل ترجمة عملية للوفاء بالحقيقة التي ينبغي للإنسان أن ينسجم معها ويجسدها في حياته. وإذا كان الجهاد يُقدَّم ـ بعد الله ورسوله وأهل البيت ـ بوصفه محبوبًا للإنسان الحقيقي، فإن السبب يعود إلى هذه العلاقة الداخلية العميقة بين الجهاد وبين صيانة الطريق المؤدي إلى الحقيقة. ومن ثمّ فإن الإسلام الرحماني لا يتعارض مع الجهاد، بل إن فهمه يظل ناقصًا ما لم يُفهم الجهاد في موقعه الصحيح ضمن هذه المنظومة.

الوظيفة الوجودية للجهاد في الحياة الإنسانية

إن حياة الإنسان معرضة على الدوام لعوامل ومؤثرات تسعى إلى صرفه عن وجهته الأصلية. وهذا الانحراف لا يقع على المستوى الخارجي فحسب، بل يمتد إلى مستوى تقييم الإنسان للخير والشر وتحديد موقفه منهما. فإذا أصبح الإنسان بلا موقف تجاه مظاهر الفساد والانحراف، خفتت حساسيته تدريجيًا تجاه الحقيقة، وأصبح الحد الفاصل بين الحق والعائق أكثر غموضًا واضطرابًا. ومن هذا المنظور، يمثل الجهاد صورةً منظّمة لحراسة الوجهة الوجودية للإنسان وصيانتها.

ولهذا يُفهم الارتباط بين الجهاد والرحمة من خلال الحفاظ على إمكانية الهداية نفسها. فالرحمة، إذا كانت ناظرة إلى المصير الحقيقي للإنسان، لا يمكن أن تلتزم الصمت إزاء ما يبعده عن غايته ويحول بينه وبين كماله. ومن هذه الجهة، يكون الجهاد حمايةً لإمكان الارتباط بالحقيقة وصيانةً له. وهذا الفهم يجعل الإسلام الرحماني أقرب إلى التجربة الإنسانية المعيشة؛ إذ إن كل إنسان يدرك من خلال حياته أن محبة الخير لا يمكن أن تستمر وتدوم ما لم تقترن بمقاومة ما يناقض ذلك الخير ويهدده.

خلاصة: الإسلام الرحماني بوصفه رحمةً حافظةً وصائنة

تُفضي هذه القراءة التحليلية إلى أنّ مفهوم الرحمة، في المنظومة الإسلامية الشيعية، ليس مفهوماً سلبياً أو لا مبالياً أو بلا حدود. فالمحبة لله تعالى، إذا كانت حقيقية، تلازمها العناية بالطريق المؤدي إليه، ومواجهة عوائق تحول دون بلوغه. ومن هنا يتضح أنّ اللعن والعذاب والبراءة والجهاد ليست عناصر غريبة عن الرحمة أو مناقضة لها، بل هي مكوّنات داخلية في نظامٍ يُفترض فيه حفظ الخير ونفي الشرّ.

كما أنّ آيات اللعن والعذاب تكشف أنّ العلاقة الإلهية مع الباطل لا تقوم على مجرد المداراة أو التسامح المطلق، بل تتضمن حكماً وتمييزاً وموقفاً واضحاً، وهو ما يوفّر معياراً لفهم الرحمة فهماً صحيحاً.

وعليه، فإن “الإسلام الرحماني” لا يعني إلغاء الحدود الفاصلة أو تعطيل مواقف مبدئية، بل يعني فهم الرحمة في ارتباطها بالحقيقة والتوحيد وصيانة الإنسان من مظاهر الفساد والانحراف. ووفق هذا الفهم، يُنظر إلى الجهاد لا بوصفه مظهراً من مظاهر العنف، بل باعتباره تجلياً من تجليات الرحمانية؛ لأن غايته تخليص الإنسان من التلوث الروحي والأخلاقي، وربطه بأسرته السماوية وانتمائه الأصيل.

وبذلك، لا تنحصر الرحمة الإسلامية في اللين الظاهري وحده، بل تتجلى ـ على مستوى أعمق ـ في الدفاع عن طريق الحقّ، وفي نفي كلّ ما يحول دون الوصول إليه وصيانة الإنسان من آثاره.


[1] میزان الحکمة، ج2، ص312