سرّ عالمية الدين: لماذا يُخاطب الجميع ولا ينحصر في جغرافيا معينة؟
يُثار أحياناً سؤالٌ محوريّ حول الدين: إذا كان الدين رسالةً موجَّهةً إلى البشر جميعاً، فما الذي يفسّر ظهوره في حقبةٍ تاريخية محدّدة، وفي بيئةٍ اجتماعية بعينها؟ وهل تدلّ هذه الخصوصية الزمانية والمكانية على أنّ الدين ليس سوى نتاجٍ لذلك السياق الثقافي، لا خطاباً إنسانياً عاماً يتجاوز حدود القوم والبلد؟
للاقتراب من جوابٍ منهجي، ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين: “سياق ظهور الرسالة” و”نطاق صلاحيتها“. فكونُ حقيقةٍ ما تبدأ من نقطةٍ محددة لا يستلزم أن تكون معتبرة داخل حدود تلك النقطة وحدها. ذلك أن كل خطابٍ إنساني، علميًا كان أو أخلاقيًا أو روحيًا، لا بد له من بدايةٍ في مكانٍ وزمان. غير أنّ معيار الشمول ليس مكان الميلاد، بل “مدى اتصال الخطاب بحقيقة الإنسان“.
لو كان الدين مجرد مجموعةٍ من عادات وطقوس ومواضعات مرتبطة بمجتمعٍ بعينه، لكان ادعاء الشمول ادعاءً بلا أساس؛ إذ ستظل أحكامه ومعانيه أسيرة شروط تلك البيئة. أمّا إذا كان الدين مرتبطًا بالبنية الوجودية للإنسان، فإن ظهوره ضمن قومٍ معيّن لا ينقض عالميته. ومن هذا المنطلق يمكن القول: إن الدين الحق، إن صحّت دعواه، إنما يتصل بـالفطرة الإنسانية قبل أن يتصل بظروف مجتمعٍ مخصوص.
تعود كثيرٌ من مظاهر التردد المعاصر تجاه الدين إلى تصوّرٍ غير دقيق يرى الدين محضَ نتاجٍ لحقبةٍ تاريخية أو لقوميةٍ بعينها أو لفضاءٍ فكريّ محدد. مثل هذا التصور يجعل إنسان اليوم يشعر أنه أمام منظومة تعاليم قديمة، صيغت لأناسٍ آخرين في زمنٍ مضى، ولا صلة لها بحياته وحاجاته في العصر الراهن. غير أنّ القضية الأهم هنا هي ضرورة إعادة تحديد علاقة الدين بالإنسان على نحوٍ أعمق وأكثر انضباطًا.
وإذا كان يُقال إن الدين موجَّه إلى الجميع، فإن سؤالًا أساسياً يفرض نفسه: من المقصود بـ«الجميع» على وجه الدقة؟ فالبشر في ظاهر أحوالهم، يتباينون في اللغة والثقافة والعرق والجنسية وأنماط العيش تباينًا كبيرًا؛ فكيف يمكن لرسالة نزلت في زمانٍ ومكانٍ محددين أن تكون خطابًا صالحًا لكل إنسان، وفي كل عصر؟ ومن جهةٍ أخرى، إذا كان الدين صادرًا حقًّا عن خالق الوجود، فلا بدّ أن ينسجم مع البنية الداخلية للإنسان، ومع الميول الفطرية المشتركة التي يتقاسمها جميع البشر.
كيف يتجاوز الدين الحدود والثقافات؟
يُقال إن الدين موجَّهٌ إلى الناس كافة، غير أن ذلك لا يعني أنّ البشر يعيشون بالطريقة نفسها أو أنّ عليهم أن يتشابهوا. فوجه الشمول هنا لا يعود إلى تماثل أنماط الحياة، بل إلى اشتراك الجميع في حقيقةٍ واحدة: إنهم بشر. ومهما اختلفت الثقافات والأزمنة والأمكنة، يبقى الإنسان “إنسانًا”، يولد وهو يحمل حاجاتٍ مشتركةً وجذورًا فطريةً ثابتة. وهذه الحاجات تتصل بحسب التقسيم الذي تقدّم الحديث عنه في مواضع سابقة، بالمرتبة الإنسانية في وجود الإنسان. أمّا اختلاف الثقافات والعصور فلا يتجاوز في الغالب حدود تأثيره في طرائق الفهم وأشكال التطبيق، دون أن يمسّ أصل الرسالة ومضمونها.
ولو اعتُبر الدين محضَ نتاجٍ لثقافةٍ بعينها، لَلزم من ذلك أنّ تغيّر تلك الثقافة يجرّد الدين من فاعليته ويُسقط قدرته على مواكبة الحياة؛ إذ سيغدو حينئذٍ جزءًا من الماضي، عاجزًا عن الإجابة عن أسئلة حيوية متجددة في واقع الإنسان. كما أنّ القول بعالمية الدين لا يستلزم تبسيطه أو تسطيحه، ولا يعني إقصاء العقل والتفكير. بل على العكس: كلما ازداد الدين عمقًا، ازدادت صلته بالفطرة الإنسانية وضوحًا.
وخلافًا لمن يتصور الدين مجموعة أوامر جامدة لا روح فيها، يقدّم هذا التصور الدين بوصفه برنامجًا دقيقًا واعيًا، مُصاغًا على وفق البنية الوجودية للإنسان. ومن ثمّ، حيثما وُجد الإنسان وُجد مجال الحديث عن الدين. وبناءً على ذلك، تصبح الأسئلة من قبيل: لماذا ظهر الدين في بقعةٍ معينة؟ ولماذا صيغت رسالته بلغةٍ مخصوصة؟ أسئلةً ثانويةً قياسًا إلى السؤال الجوهري: هل يخاطب الدين الإنسانَ بما هو إنسان أم لا؟[1] فإذا كان الجواب بالإيجاب، أمكن للرسالة_مهما كان ظرف ظهورها_ أن تُحاور الإنسان في مختلف العصور والبيئات. وقد تناول الشهيد مرتضى المطهري هذه الإشكالية ضمن مباحث عُرفت بعناوين مثل «الأممية الإسلامية» و«الدعوة العالمية للإسلام»، متسائلًا: هل للإسلام لونٌ قوميّ خاص، كأن يكون عربياً، أم هو دينٌ عامّ لا يتقيد بجنسيةٍ أو عِرق؟[2]
ومن أخطاء شائعة في الحديث عن عالمية الدين أن يُنظر إلى الدين والثقافة على أنهما شيء واحد تمامًا، أو على أنهما منفصلان انفصالًا كاملًا. وكلا التصورين غير صحيح؛ فلو كان الدين عينَ الثقافة لتبدّل بتبدّلها وفقد اعتباره، ولو كان منفصلًا عنها تمامًا لتحول إلى منظومة نظرية مجردة لا سبيل إلى تنزيلها في الحياة.
والأدقّ أن يقال: إن للدين علاقةً بالثقافة، لكنه لا ينحصر في إطارها. فالدين يمنح الحياة وجهتها ومعناها، بينما تمنح الثقافة تلك المعاني صورها وتجلياتها. الدين يحدد ما العدل والخير والمسؤولية والروحانية، أما الثقافات فتُظهر كيف تتجسد هذه المفاهيم في الممارسة اليومية. وهذه النقطة بالذات حاسمة لفهم عالمية الدين: فلو كان الدين انعكاسًا لثقافةٍ بعينها لما استطاع تجاوز حدودها؛ غير أن التاريخ يشهد بأن الدين الإلهي قد عبر مرارًا حدود اللغة والقومية والجغرافيا، وترسّخ في بيئات متعددة. وليس في ذلك إهمالٌ للثقافة، بل دلالةٌ على أن الدين يستند إلى طبقةٍ أعمق منها: وهي الفطرة.
ومن ثمّ، فالعلاقة بين الإنسان والدين الحق ليست علاقةً خارجيةً مصطنعة، ولا إملاءً مفروضًا من الخارج، بل هي علاقة داخلية وجودية، قوامها الاستجابة لحقيقةٍ مودَعة في باطن الإنسان.
وحين يُقال إن الدين فطري، فلا يراد بذلك أنّ جميع الناس يمتلكون بالفعل وبالتفصيل معارف الدين وتعاليمه؛ بل المراد أن في تكوين الإنسان ميولًا أساسية تدفعه نحو الدين الحق: النزوع إلى الحقيقة، التطلع إلى الكمال، طلب العدل، محبة الخير، النفور من العبث، والرغبة في التحرر من النقص والقيود. فالإنسان ليس كائنًا ذا حاجات طبيعية فحسب، بل كائنٌ يتجاوز وضعه الراهن ويبحث عن اللامحدود.
ومن هذا المنظور، لا يكون الدين الحق غريبًا عن بنية الإنسان، بل منسجمًا مع كيفية خلقه. وقد أشار القرآن إلى هذه المناسبة بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾؛[3] أي توجّه إلى الدين على نحوٍ يوافق الفطرة التي فُطر الناس عليها. وعلى هذا الأساس، تكون عالمية الخطاب الديني ممكنةً لأن مخاطبَه هو الفطرة الإنسانية المشتركة.
ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذا المسار الاستدلالي لا ينهض وحده لإثبات حقانية دينٍ بعينه إثباتًا نهائيًا، لكنه يبيّن أن مبدأ «عالمية الدين الحق» مبدأٌ معقولٌ وقابلٌ للدفاع عنه، متى كان الدين متلائمًا حقًا مع فطرة الإنسان. وعليه، فإن فهم العالمية لا يقوم أولًا على الامتداد الجغرافي، بل على مقدار الانطباق على حقيقة الإنسان.

الدين منسجمٌ مع الفطرة لا مع «الطبيعة»
من المفاتيح الأساسية لفهم عالمية الدين ألا يُقاس الدينُ بمجرّد رغبات طبيعية عاجلة للإنسان. فوفق هذا المنظور، ثمّة فرقٌ بين الطبيعة والفطرة: الطبيعة هي مجال الحاجات والغَرائز والدوافع الأولية، أمّا الفطرة فهي مجال نزوع الإنسان إلى الحقيقة، وتطلّعه إلى الكمال، وتوجّهه إلى الله. ولم يأتِ الدين لإلغاء طبيعة الإنسان أو قمعها، بل جاء ليُهذّبها ويُربّيها بحيث تعمل في خدمة الفطرة.
ولهذا قد تبدو بعض أوامر دينية شاقةً على الإنسان الذي ألِفَ إطلاق رغباته الطبيعية بلا ضابط. غير أنّ هذه المشقّة لا تدلّ على عدم انسجام الدين مع الإنسان، بل تكشف مقدار ابتعاد الإنسان عن فطرته. وكلما اقترب الإنسان من فطرته، بدا له الدينُ أَعقلَ وأليقَ بكيانه، بل وأكثر سهولة ويسرًا. وفي هذا الأفق تتضح دلالة قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛[4] فـ«يُسرُ» الدين لا يعني إسقاط التكليف، بقدر ما يعني انسجامه مع المسار الصحيح لنموّ الإنسان وارتقائه.
وعليه، حين يُقال إن الدين للناس جميعاً، فليس المعنى أنّ كل إنسان، وفي كل حال، سيقبله فوراً بلا مقاومة؛ وإنما المعنى أنّ الدين متناسبٌ مع الحقيقة الإنسانية لدى الجميع، حتى لو حالت طبقاتُ العادة والغفلة والشهوة والتعصّب أو بعض الثقافات المنحرفة دون إدراك هذا التناسب.
الإنسان حقيقةٌ أعمق من الهويات القومية والتاريخية
ومن أسباب أخرى تفسر عالمية الدين أن المخاطَب الأساسي للدين ليس «القوم» ولا «العرق» ولا «الطبقة الاجتماعية»، بل الإنسان بما هو إنسان. فالإنسان في أعماق وجوده يمتلك حقيقة تتجاوز انتماءاته التاريخية والاجتماعية. أما القومية واللغة والمنطقة الجغرافية، بل وحتى كثير من الأشكال الثقافية، فهي مظاهر مرتبطة بحياته التاريخية، وليست هي كل حقيقته وهويته.
وإذا كان الدين الحق يتوجه إلى هذه الطبقة العميقة من وجود الإنسان، فمن الطبيعي ألا يكون محصورًا في قوم أو جماعة بعينها. فظهور الدين في بيئة محددة لا يعني أكثر من أن الدعوة الإلهية بدأت دخولها إلى التاريخ من نقطة معينة. أما البداية التاريخية فلا تعني أبدًا التقيّد أو الانحصار في تلك البيئة. وكما قد يُصاغ مبدأٌ عقليّ أو أصلٌ أخلاقيّ في زمانٍ ومكانٍ بعينهما من غير أن يُحبس فيهما، كذلك يمكن للدين أن يبدأ في التاريخ مع احتفاظه بأفقٍ متعالٍ على التاريخ.
وفي هذا السياق يقدّم الشهيد مرتضى مطهري رؤية مكمّلة لهذه الفكرة، إذ يقول: «إن العلماء والفلاسفة والأنبياء ينتمون إلى البشرية جمعاء؛ لأن أفكارهم ومُثُلهم لا تنحصر في حدود قوم أو أمة معينة… فمجرد أن ينشأ شيء بين شعب معين لا يجعله بالضرورة خاصًا بذلك الشعب، كما أن مجيء شيء من خارج الحدود لا يجعله بالضرورة غريبًا أوأجنبيًا».[5]
وبهذا الاعتبار، لا يُختزل الإنسان في جملة حاجاته البيولوجية والاجتماعية، بل هو كائنٌ يضمر في أعماقه ميلاً إلى التشبّه بالكمال المطلق، ومحبةً للحق، وتوقاً للرجوع إلى موطنه الحقيقي. ومن ثمّ، فالدين المبني على هذا التركيب الوجودي لا يصحّ أن يُفهم بوصفه ديناً محلياً مؤقتاً.
علاقة الدين بالثقافة: الدين يتجلى في الثقافة لكنه لا يذوب فيها
ومن أسباب تولّد شبهة «محلية الدين» الخلطُ بين الدين ذاته وبين الأشكال الثقافية التي يظهر من خلالها. فكل دينٍ لا بد أن يتجسّد في لغةٍ ورموزٍ وأعرافٍ وشروطٍ تاريخيةٍ لمجتمعٍ ما؛ وهذه حقيقةٌ لا مفرّ منها، إذ لا تصل رسالةٌ إلى البشر من غير لغةٍ وسياقٍ تاريخي. غير أنّ هذا لا يبرّر قول إن دين ليس سوى تلك الثقافة.
فالدين يظهر في الثقافة، لكنه لا ينحلّ فيها. والثقافة تمنح الدين صورته التاريخية، لكنها لا تُنشئ أصلَه. وبعبارة أدق، ينبغي التمييز بين نواةٍ ثابتةٍ فطرية في الدين وبين صورٍ تاريخيةٍ متغيرة في فهمه وتطبيقه. تمحور حقيقة الدين حول حقيقة الإنسان، وصلته بالله، وغاية الحياة، ومنظومة القيم، والاتجاه العام لنموّه. بينما قد تتبدّل كثيرٌ من طرائق تحققه الاجتماعي، وأشكال بيانه اللغوي، وصيغه الحضارية، عبر التاريخ.
وإذا أُهمل هذا التمييز وقع خطآن متقابلان: إمّا أن يُتصوَّر الدينُ ظاهرةً تاريخيةً قوميةً خالصة، وإمّا على النقيض، أن تُحسب جميع صوره التاريخية عينَ ذاته. بينما يقوم الدفاع العلمي عن عالمية الدين على هذا الفارق تحديداً: فجوهر الدين، عالميّ؛ لأنه متصلٌ بفطرة الإنسان، لا لأن كل أشكاله التاريخية تبقى واحدةً في كل زمانٍ ومكان.
الفطرة ونظام المحبّة: لماذا يرتبط الدين بقلب الإنسان؟
إن عالمية الدين لا تنحصر في مجال الفكر فحسب، بل تمتد أيضًا إلى بنية المحبة والتعلّق في الإنسان. فالإنسان لا يعيش بعقله النظري وحده، وإنما يتحدد مسار حياته من خلال منظومة محبته؛ أي من خلال ما يحبه أكثر من غيره، وما يراه جديرًا بالأولوية، وما يكرّس حياته من أجله.
فإذا كان في كيان الإنسان ميلٌ فطريّ إلى الحقّ والكمال واللامتناهي، فإن الدين الحقّ ينبغي أن يكون قادراً على تنظيم هذا النظام العاطفي وتوجيهه. وعندئذٍ لا يغدو الدين حملاً زائداً على الإنسان، بل طريقاً لترتيب محبوباته ترتيباً صحيحاً، وتحريره من أسر تعلّقات أدنى.
ومن هذا المنظور يمكن فهم آية سورة التوبة التي تتحدّث عن تقديم الله ورسوله والجهاد على سائر التعلّقات؛[6] فالقضية ليست أمراً شكلياً خارجياً، بل هي إعادة القلب إلى مدار الفطرة السليم.
وبناءً عليه، إذا عاش الإنسان على خلاف هذا البناء الفطري، وقدّم محبوباتٍ محدودةً زائلةً على الحقيقة، ابتعد عن مساره الإنساني الأصيل. وعلى العكس، كلّما اقتربت محبّة الإنسان من الحقّ اتّضحَت علاقته بالدين أكثر. ومن هنا يُفهم وجه عالمية الدين: لأن قلب الإنسان، في أصل خلقته، قابلٌ للتوجّه إلى حقيقةٍ تتجاوز كلَّ ارتباطٍ محدود.
لماذا لا يقبل جميع الناس الدين على نحوٍ واحد؟
قد يُقال: إذا كان الدين فطرياً وعالمياً حقّاً، فلماذا لا يدركه جميع الناس أو يقبلونه على نحوٍ متساوٍ؟ والجواب أنّ عالمية أيّ رسالة لا تساوي قبولها العام بالفعل؛ فكثيرٌ من حقائق إنسانية كبرى حقائقُ مشتركة، ولكن الناس لا يثبتون عليها عملياً على السواء.
ثم إن الفطرة قد تُحجَب تحت طبقاتٍ متعدّدة مثل تربيةٍ غير صحيحة، أو مصالحَ شخصية، أو عاداتٍ ثقافية، أو تعلّقاتٍ نفسية، أو غفلة، أو حتى تجاربَ تاريخيةٍ جائرة. ولهذا توجد فجوة بين «امتلاك الفطرة» و«العيش وفق الفطرة». فالدين موجَّهٌ إلى الجميع، غير أنّ الناس لا يواجهونه دائماً في ظروفٍ متكافئة، ولا يستجيبون له الاستجابة نفسها.
ومع ذلك تبقى هنا مسألةٌ مهمّة: إذا كان الدين قد بدأ تاريخياً من نقطةٍ بعينها، فما حال الذين لم تتيسّر لهم صلةٌ مباشرة به؟ إن هذا سؤالٌ جادّ حول العدل الإلهي، ويحتاج بحثاً مستقلاً في موضوع الحجّة، وإمكان الوصول، ومراتب المسؤولية، وكيفية الحكم الإلهي؛ ومن ثمّ فإن الدفاع عن عالمية الدين لا ينبغي أن يتحوّل إلى إنكارٍ لتعقيد هذه الإشكالية.
ولكي نقرّ بإمكان كون الدين للناس كافة، لسنا مضطرين إلى إثبات أنه كان حاضراً حضوراً تاريخياً متساوياً في أرجاء العالم منذ البداية. الذي ينبغي إظهاره هو أنّ الدين، إذا كان حقّاً، مرتبطٌ بالحقيقة المشتركة بين البشر، وهذا الارتباط هو ما تشرحه التقاليد الدينية بمفهوم «الفطرة».
على هذا الأساس، يكون الدين للناس جميعاً لا لأنه انطلق في العالم وفي الوقت نفسه، بل لأنه يخاطب ما يشترك فيه الناس جميعاً: طلب الحقيقة، والتطلّع إلى الكمال، والنزوع إلى الله، والحاجة إلى ضبط «نظام المحبّة» ومسار الحياة ضبطاً صحيحاً. أما ظهوره بين قوم معينين، فليس إلا نقطة البداية التاريخية لرسالته؛ بينما يمتد نطاقها بامتداد الإنسان نفسه.
ومن هنا يتبين أن محدودية مكان ظهر فيه دينما لا تعني أبدًا أن حقيقته محلية أو خاصة بفئة دون أخرى. فإذا كان الدين منسجمًا مع فطرة الإنسان، أمكن فهم كيف ينبثق من سياق تاريخي محدد، ومع ذلك يظل خطابه موجهًا إلى البشر كافة، في كل زمان ومكان.
[1] . الإنسانُ بما هو إنسان؛ أي الإنسانُ لِما يحمله من قيمٍ إنسانيّة، ولأجل إنسانيّتِه ومحبّتِه للإنسان.
[2] . الإسلام وإيران: مرتضى المطهري، مترجم: محمد هادي اليوسفي الغروي
[3] . الروم، الآية 30
[4] . البقرة، الآية 185.
[5] . الإسلام وإيران، مرتضى المطهري، ج1، ص 64
[6] . قالتوبة، الآية 24: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)