محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

إذا كانت الرغبة في الخلود فطرية لدى الإنسان ، فما هو سبب الإعراض عن الأبدية؟

تخيّل عائلة تلقت دعوة لحضور حفلٍ رائع؛ مجلسٍ يوفّر حضورُه، إلى جانب المتعة، منافعَ عظيمةً ودائمةً لجميع أفراده. ومع ذلك، لا تتشابه ردود الأفعال؛ فبعضهم يستعدّ بحماس، وبعضهم يتردّد، وفريقٌ آخر لا يرغب في الذهاب أصلًا. لكلٍّ حجته؛ فهذا مُرهَق، وذاك مشغول بأعمالٍ متراكمةٍ غير منجزة، وثالثٌ قلقٌ من أن يفوته شيءٌ في البيت. والنتيجة هي أنه على الرغم من قيمة الدعوة، فإن الحماس للذهاب ليس واحدًا لدى الجميع.

يُصوّر هذا المشهد أحوالنا في مواجهة الرغبة في الخلود والسعي نحو الأبدية. فلكل إنسان انجذاب فطري للبقاء والخلود، نابع من إلهام روح الله؛ لكن في الواقع، لا يستجيب الكثير منا لهذا النداء الداخلي. فقد شغلت مشاغل الحياة اليومية والتعلق بالأمور الآنية عقولنا لدرجة أن ذكرى الأبدية أصبحت هامشية بالنسبة لنا. مع أن هذه الرغبة نفسها، إن بقيت حاضرة ونشطة، قادرة على توجيه خياراتنا وسلوكياتنا.

اليوم، يهرب الإنسان من الموت أكثر من أي وقت مضى، ويفكر في الخلود أقل من أي وقت مضى. إنه يريد البقاء، لكنه يسعى وراء رغبته في النجاة في عالم محدود. لقد تحولت “الرغبة في الخلود” لديه إلى “رغبة في البقاء في الدنيا”؛ بمعنى أن كل جهوده تنصب على الهروب من الموت، لا على الاستعداد للحياة الأبدية. هذا التحول في المنظور دليل على إهمال عميق؛ إهمال هو مصدر الكثير من البرود الروحي واللامبالاة لدى الإنسان المعاصر.

عندما ينسى الإنسان علاقته بخالقه ومصيره الأبدي، يصبح النداء إلى الخلود بلا معنى. فالدنيا، بدلًا من أن تكون ممرًا للنمو، تصبح هي الغاية القصوى. والعودة إلى الذات الحقيقية وتذكّر مكانة الإنسان الأبدية هي أنجع السبل لإيقاظ هذه الرغبة المنسية؛ رغبةٌ إن أُحييت، ستنقل الإنسان من مستوى الرغبة في البقاء إلى مستوى الرغبة في الخلود.

عقبات داخلية أمام الرغبة في الخلود

إذا كان الإنسان بطبيعته متلهفًا للخلود، فلماذا انصرف الكثير منا عنه؟ يكمن الجواب في أعماق أنفسنا أولًا؛ حيث يؤدّي ضعف المعرفة، والغفلة عن الذات، وغياب الانسجام بين الإيمان والعمل، إلى إضعاف الميل إلى الخلود في كيان الإنسان.

أ. نسيان الذات والخطأ الإدراكي في فهم هوية الإنسان

إن أكبر عائق داخلي هو الجهل بحقيقة وجودنا الإنساني. فالإنسان حين يعرّف نفسه في حدود قدراته الجسدية أو الذهنية أو الاجتماعية فحسب، يكون من الطبيعي أن تنحصر أهدافه ضمن هذه الأبعاد المحدودة. إن نسيان البُعد الإلهي والأبدي للوجود يجعل الخلود موضوعًا بعيدًا وغير واقعي في نظر الإنسان؛ أي موضوعًا يسمع عنه ولكنه لا يرتبط به في حياته اليومية. والإنسان المصاب بنسيان الذات يفقد الدافع للسير نحو الحياة الأبدية؛ لأنّ الغاية لم تعد في نظره قريبةً محسوسة، بل صورةً غامضةً باهتة الأثر.

  • ضعف اليقين بشأن الحياة الأبدية

كثيرون منّا يتحدّثون عن الحياة بعد الموت بألسنتهم، غير أنّ هذا الإيمان لم ينفذ بعدُ إلى عمق معرفتهم ولا إلى قلوبهم. فالمعرفة السطحية بالآخرة، ما لم تُصاحبها قناعة قلبية، لا تُنشئ شوقًا راسخًا في النفس. وحين يبقى الإيمان بالأبدية مجرّد فكرة ذهنية لا تنعكس على القرارات والسلوكيات، تتلاشى الرغبة في الخلود تدريجيًا في الوجود الإنساني. إنّ اليقين بالأبدية يتشكّل حين يرى الإنسان أثرها في تجاربه اليومية، ويجعلها معيارًا لخياراته، وعلاقاته، وسلوكه، وأفكاره.

  • الجهل بالوجهة النهائية للحياة

الإنسان الذي لا يعرف غاية حياته ولا يعرف وجهته النهائية، يُبدد قدراته ومواهبه في مسارات قصيرة ومحدودة وعابرة. أحيانًا نسعى وراء الرغبة في الخلود والبقاء من خلال نجاحات مهنية واجتماعية وعلمية، ولكن بعد تحقيقها، يبقى فينا شعور بالفراغ الداخلي؛ لأن هذه الإنجازات ليست سوى استجابة مؤقتة لحاجتنا إلى الخلود، ولا تُشبعها تمامًا. وعندما يغيب أو ينقطع الاتصال الواعي بالأبدية، ينحرف مسار الحياة. عندها، يسعى الإنسان وراء أهداف عديدة، لكن لا يقوده أي منها إلى سلامه الأبدي. في مثل هذه الحالة، تتلاشى الرغبة في الخلود، التي كان من الممكن أن تكون أساس لمنح القوة والتوجيه والحافز.

  • خمول الإرادة والكسل الروحيّ

ليس الإعراض عن الأبدية ناتجًا دائمًا عن الجهل؛ فكم من إنسانٍ يدرك جوهرَ الوجود ولكنه لا يملك القدرة على الحركة نحوه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «الكسل يُفسد الآخرة».[1] فكم من إنسانٍ واعٍ للخلود، لكنّه يعمل بخُمولٍ وتوانٍ، فيبهتُ لونُ الحياة الأبدية فيه.

فذاك الذي اعتاد التأخير والتسويف، يفقدُ الحافزَ الداخليَّ للسعي في مسار النموّ والكمال، فيجعلُ مستقبلَ الحياة الأبديّة أمرًا مُبهَمًا في نظره، ويضعُ الميلَ إلى الخلود في مرتبةٍ ثانويّة لا توقظ الإرادة ولا تحفّز الحركة. ومتى خمد هذا الميل، ضعفت الإرادة، وبهتت الهمّة، وذبل الإيمان، وتحلّل من عمقه إلى سطحٍ باهتٍ من معرفةٍ جامدةٍ بلا عملٍ ولا تصميم. الإيمان بلا معرفةٍ عميقة يظلّ هشًّا، والمعرفة بلا إيمانٍ قويم تبقى مجرّدةً من الدّفء. الإنسان لا يُبعث إلى الأبد إلّا إذا وحد بين الإيمان والمعرفة، فاستعاد بواطنَ ذاته، وأدرك حقيقةَ مصيره، وآمن بالحياة الأبديّة إيمانًا واعيًا، فحينئذٍ يُخطّط لمسيره بروحٍ يقظةٍ وعزمٍ ثابتٍ.

عقبات خارجيّة أمام الرغبة في الخلود

إذا كانت العوائقُ الداخليّة تنبع من أعماق الإنسان، فإنّ العقبات الخارجيّة تُولَد من بيئة يعيش فيها وتؤثّر في نموّه وبصيرته. يغرق الإنسان في عالم اليوم في دوّامةٍ من المادّيات تُشغله عن خلواته وتأمّلاته في الأبدية، فتدعوه إلى الانغماس في عالمٍ مكتظّ بالوسائل والإعلام والضغط الاجتماعي، حتى تقيّده داخل دائرةٍ محدودةٍ، فتحاصر ذهنه في حدود “اليوم”، ولا تترك له فسحةً للتأمل في الغد الخالد.

ولا يقتصر أثر هذه العوامل الخارجية على من لا يؤمن بالآخرة والحياة الأبدية؛ بل إنّ المؤمنين أنفسهم، إذا غرقوا في هذه الأجواء، يفقدون تدريجيًا حماسهم الداخلي. فالرغبة في الخلود لا تنطفئ في قلوبهم، لكنها تضعف؛ لأنّ أذهانهم تنشغل بتفاصيل الطريق أكثر من التفاتها إلى المقصد. والإيمان، إذا لم يُصَن ويُراعَ، يضعف بسهولة تحت ضغط البيئة المحيطة.

  • سيطرة ثقافة الانشغال اليومي

في الحياة الحديثة، يبدو الإنسان أكثر انشغالًا من أيّ وقتٍ مضى، غير أنّ هذا الانشغال غالبًا ما يكون للتسلية والاستهلاك لا للنموّ والكمال. فالثقافة العامة تُبقي الإنسان عالقًا في دوّامة العمل واللذة والتنافس، وتحرمه فرصة التفكير في الغاية النهائية للخلق. والعقل الذي يتعرّض باستمرار لصورٍ وإثاراتٍ عابرة، لا يجد وقتًا ولا قدرةً على التأمل في الأبدية. وفي مثل هذا المناخ، ينحصر الميل إلى الخلود في الرغبة في الظهور أو تحقيق نجاحاتٍ سريعة الزوال.

  • نماذج اجتماعية محصورة في الدنيا

حینما یُعاد تعریف “البطل” فی مجتمع‌ما وفق معاییر مثل الثروة أو الشهرة أو النفوذ، فإن غریزة الخلود لدی الناس تنحرف بطبیعتها نحو تلک المسارات المادیة. فالنموذج المثالي للإنسان الناجح، في مثل هذه الثقافة، هو من يحصد أكبر قدرٍ من مكاسب الدنيا، لا من يُعدّ نفسه للحياة الأبدية. وبهذا، يضعف النظام القيمي للمجتمع إيمانه بالأبدية شيئًا فشيئًا، وتُستبدل الغاية النهائية للحياة بالنجاح الدنيوي العابر.

  • الضغط الاجتماعي وقلق التخلّف عن الركب

الضغط المتواصل لتحقيق النجاحات الدنيوية يُقحم الإنسان في سباقٍ لا نهاية له. هذا السباق يستغرق ذهنه إلى حدٍّ يجعل حتى الموت، الذي ينبغي أن يكون تذكيرًا بالأبدية، حدثًا بعيدًا قليل الأهمية. فيفضّل الإنسان الهروب من التفكير فيه، لأنه لا يجد فرصةً للتوقّف ومراجعة مساره وسط سرعة الحياة.

في هذا السياق، يذكرنا أمير المؤمنين، (ع)، بحقيقة مُرّة: “ما رَأيتُ إيمانا مَع يَقينٍ أشبَهَ مِنهُ بشَكٍّ على هذا الإنسانِ؛ إنّهُ كُلَّ يَومٍ يُوَدِّعُ إلَى القُبورِ و يُشَيِّعُ و إلى غُرورِ الدّنيا يَرجِعُ و عنِ الشَّهوَةِ و الذُّنوبِ لا يُقلِعُ، فلَو لَم يَكُن لابنِ آدمَ المِسكينِ ذَنبٌ يَتَوَكَّفُهُ و لا حِسابٌ يَقِفُ علَيهِ إلاّ مَوتٌ يُبَدِّدُ شَملَهُ و يُفَرِّقُ جَمعَهُ و يُوتِمُ وُلدَهُ، لَكانَ يَنبَغي لَهُ أن يُحاذِرَ ما هُوَ فيهِ بأشَدِّ النَّصَبِ و التّعَبِ”[2] هذه المقولة تصف الإنسان في كل العصور. رجل يرى الموت، لكنه ينغمس في حياته اليومية لدرجة أنه ينسى الأبدية.

عندما تُبنى قيم المجتمع على اللذة والربح والمنافسة، يبتعد عقل الإنسان وقلبه تدريجيًا عن التفكير في الأبدية والخلود. وإحياء هذا الميل لا يكون إلا بصناعة بيئةٍ حيّةٍ يسري فيها ذكر الموت، والتفكّر في المصير النهائي، والتواصل مع أشخاصٍ يُذكّر حضورهم بالغاية الكبرى والحياة الأبدية. فاللقاء والحوار مع أمثال هؤلاء يوقظان الرغبة في الخلود في القلب، تمامًا كما تستطيع الغفلة الجماعية أن تُخمِده.

في هذا المقال، قصدنا أن نتأمّل في سبب رغبة الإنسان المعاصر في الخلود، ولماذا خبت ألوانُ هذا الميل في حياته اليوميّة. إنّ ضعف الإيمان بالحياة الأبديّة، والجهل بحقيقة الوجود، والعوامل الداخلية كالوَهَنِ في الإرادة وفقدان الحسِّ بالهدف في مسيرة الحياة، تُضعف حركةَ الإنسان نحو الأبدية. كذلك تؤثّر العوامل الخارجية — كغلبة الثقافة الماديّة وضغوط الأنماط الاجتماعيّة والسعي المحموم إلى النجاح المؤقّت — في أن تشغلَ الذهن الإنساني بحيث لا يبقى متّسعٍ للتفكّر في الأبد، فلا تبقى فطرته التي تميل إلى الخلود حيّةً ساعيةً إلى الحياة الأبدية.

إنّ إحياءَ هذه الرغبة لا يكون إلا حين يتّصل الإيمان بالمعرفة، وتتوثّق الصلة بين ما يعتقده الإنسان وما يعمل به. فحين يعرف الإنسان نفسه معرفةً أعمق، ويُعزّز الإيمان بالأبدية في أعماق روحه، ويُجسّده في قراراته ونمط حياته، يتجاوز الميل إلى الخلود كونه إحساسًا غامضًا، ليغدو قوّةً بنّاءةً موجِّهة في مسار نموّه وتكامله.

برأيكَ، ما هي أهمّ العقبات التي تعترضُ فهمَ الإنسانِ لمفهومِ الخلود في الحياة المعاصرة؟ شاركونا تجاربَكم وتأمّلاتكم في قسم التعليقات، لنتبادل الرأي معكم ومع سائر القرّاء.

[1] مستدرك الوسائل، حسین بن محمدتقی النوري،  بیروت – لبنان، مؤسسة آل البیت (علیهم السلام) لإحیاء التراث، ۱۴۰۸_۱۴۰۹ ق، ج ۱۳، ص ۴۵

[2] ما رَأيتُ إيمانا مَع يَقينٍ أشبَهَ مِنهُ بشَكٍّ على هذا الإنسانِ؛ إنّهُ كُلَّ يَومٍ يُوَدِّعُ إلَى القُبورِ و يُشَيِّعُ و إلى غُرورِ الدّنيا يَرجِعُ و عنِ الشَّهوَةِ و الذُّنوبِ لا يُقلِعُ، فلَو لَم يَكُن لابنِ آدمَ المِسكينِ ذَنبٌ يَتَوَكَّفُهُ و لا حِسابٌ يَقِفُ علَيهِ إلاّ مَوتٌ يُبَدِّدُ شَملَهُ و يُفَرِّقُ جَمعَهُ و يُوتِمُ وُلدَهُ، لَكانَ يَنبَغي لَهُ أن يُحاذِرَ ما هُوَ فيهِ بأشَدِّ النَّصَبِ و التّعَبِ؛ ابن طاووس، علی بن موسی، فلاح السائل، قم، مرکز النشر، ۱۴۰۶ ق، ص ۲۱۴