مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

اختصار رحلة العبودية: كيف نقطع طريق مئة عام في ليلة واحدة بـ «الحركة بالعشق»؟

عند تأمّل السلوك الإنساني، نجد دوماً فجوةً عميقة بين «التكليف المفروض» و«الدافع النابع من الداخل». لإدراك هذا الفرق بصورة أوضح، يمكن أن نتأمل حال مشجّعٍ لكرة القدم، يكرّس ساعة طويلة لتحليل المباريات بشغف، ودراسة تاريخ فريقه المفضّل، ومتابعة أدقّ تفاصيل تدريباته. لا توجد قوة خارجية تجبره على القراءة أو المتابعة؛ وإنما الحب هو الذي يدفعه، فيتولى بنفسه توجيه قنوات إدراكه وسلوكه كلها.

في هذه الحالة، ينشغل كيان الإنسان كلّه بالمحبوب، إلى درجة أن الإغراءات المحيطة تفقد تأثيرها، ولا يعود هناك ما يحول دون مواصلة الطريق نحو الهدف الذي يتعلّق به قلبه.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الصراع المُنهك مع النفس إلى الأطر المعرفية التي يقوم عليها نموذج «الحركة بالعشق»، بحيث يقطع طريق التكامل في أقصر وقت ممكن؟

تحديات الصراع مع النفس في مسيرة الإنسان

إنّ عدم معرفة الإنسان بحقيقته، والخلط بين «الذات الوهمية» و«الذات الحقيقية»، قد يجعلان الدين في نظره مجموعةً من المعارك المستمرة ومحاولات التمرّد والمقاومة. وفي هذه الحالة لا تتحقق العبودية بمعناها الحقيقي، وتظلّ العبادة مصحوبةً بالاحتكاك والمشقّة؛ لأن الدافع الأساسي للحركة يكون إمّا الخوف من عقاب جهنم، وإمّا الطمع في نيل ثواب الجنة.

ولا شكّ أن هذا الأسلوب يمكن أن يؤدي دوراً رادعاً في المراحل الأولى من التدين، لكنه من المنظور الإنساني العميق يجعل طاقة الإنسان الوجودية منصرفةً إلى إدارة الأزمات وإخماد الوساوس، بدلاً من أن تتجه إلى الارتقاء الحقيقي في جوهر الإنسان.

وعند نقد هذا المنهج، ينبغي الالتفات إلى أن «توبيخ النفس» ليس سوى استراتيجية لإدارة مرحلة الغفلة. فعندما ينشغل الإنسان بـ«الصراع مع النفس»، تُستهلك طاقته الذهنية كلّها في «المعركة»، بدلاً من أن تُوجَّه نحو «المحبوب». وهذه الطاقة المتراكمة، التي كان يمكن أن تكون محرّكاً للنمو، تتحول بدلاً من ذلك إلى سدٍّ يبطّئ مسيرة السلوك ويحول دون بلوغ الغاية بسرعة.

أما نموذج «الحركة بالعشق»، فيبدأ حين يعرف الإنسان حقيقة وجوده معرفةً صحيحة، ويؤمن بها إيماناً راسخاً. عندها تنتقل العبودية من ساحة «التكليف القائم على المواجهة» إلى ساحة «المحبوبية الإيجابية».

فإذا امتلأت تلك النزعة اللامتناهية الكامنة في أعماق وجودنا بـحب الله تعالى، فلن يبقى مجال لتسلّل وساوس ما سواه. فحين يمتلئ القلب بالمحبوب الحقيقي، لا تعود هناك مساحةٌ تُغري الإنسان بالتعلّق بغيره.

ولإدخال نموذج «الحركة بالعشق» في حياتنا اليومية، علينا قبل كل شيء أن نغيّر نظرتنا إلى الأعمال والتكاليف الدينية. ففي النظرة التقليدية التي تركز حصراً على ضبط النفس، تبدو هذه الأعمال في كثير من الأحيان أشبه بـ«واجب ثقيل» يُفرض على الإنسان ويُلزمه به. أما في النظرة العاشقة، فإن كل عمل صالح يصبح «وسيلة» لا «عائقاً». ولننظر إلى الأمر بمنطق بسيط: إذا كان شخصٌ عاشقاً لمحبوبه، ووجد في طريقه وسيلةً توصله إليه، فهل سيقاوم هذه الوسيلة أو ينفر منها؟ بالتأكيد لا؛ بل سيقبل عليها بشوق، لأنها تقرّبه من محبوبه. وهكذا، فإن التكاليف الشرعية في نموذج «الحركة بالعشق» ليست قيوداً تكبّل الإنسان، ولا حدوداً تحدّ من حريته؛ بل هي، في الحقيقة، الوسائل التي تقرّبه خطوةً بعد أخرى من محبوبه الحقيقي: الله تعالى.

مكانة الاتّباع في المنظومة المعرفية

في النصوص الوحيانية، تمثّل الصلة بين «الحبّ» و«الاتّباع» أصلاً أساسياً. يقول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[1] فالآية لا تطرح اتّباع الرسول بوصفه أمراً مفروضاً على الإنسان من الخارج، وإنما تقدّمه بوصفه «الثمرة المنطقية للحبّ». وفي نموذج «الحركة بالعشق»، لا يكون الاتّباع فعلاً إرادياً قاسياً يفرض الإنسان نفسه عليه، بل يصبح «ضرورة عاطفية» تنبع من أعماق المحبّة.

فمن يدّعي حبّ الله تعالى لا يمكنه أن يعرض عن أوامره التي هي في حقيقتها الطريق الذي يقوده إلى الوصال بالمحبوب.

وفي نموذج «الحركة بالعشق»، يصبح اتّباع الشريعة والسيرة، في جوهره، «إخلاء الطريق أمام التحليق». فعندما يستغرق الإنسان في الحبّ، لا تعود نفسه راغبةً في الانشغال بالوساوس المتفرقة. وهو أشبه بمن بلغ ذروة الشغف بعمله، فأصبح يكرّس له وقته كلّه، وصارت الملهيات الأخرى، كالراحة في غير وقتها أو وسائل الترفيه غير الضرورية، فاقدةً لمعناها في نظره.

وهذا التركيز العاشق هو بالضبط ما يمكن أن يمكّن الإنسان من قطع طريق مئة عام في ليلة واحدة؛ لأن الاحتكاك الداخلي قد بلغ أدنى مستوياته. ومن هنا يقوم التطبيق العملي لنموذج «الحركة بالعشق» على مبدأ التركيز الأقصى على المحبوب، بحيث يغدو كل عمل صالح تجسيداً لدرجة جديدة في سلّم الصعود إليه.

الشواهد التاريخية والتجريبية

يمكن أن نلمس تجلّيات نموذج «الحركة بالعشق» في صفحات التاريخ، من خلال الوقائع المفصلية في تاريخ التشيّع، بل وحتى في بعض التجارب في عصرنا الحاضر.

وتبقى واقعة عاشوراء أوضح مشهد لتجسّد هذا المعنى. فأصحاب الإمام الحسين عليه السلام، في تلك الظروف العصيبة، لم يكونوا يعيشون حالة «الصراع مع النفس»؛ بل كانوا في مقام «الدفاع عن المحبوب».

وما كان يحول دون تزلزلهم في ظهيرة عاشوراء لم يكن الخوف من جهنم ولا الطمع في الجنة، وإنما كان «حلاوة الوصال بالمحبوب». فقد استغرقت نفوسهم في الإمام إلى حدّ أن الجراح والآلام الجسدية لم تكن قادرةً على أن تحول بينهم وبين مواصلة الطريق.

وقد تجلّى هذا النموذج بأوضح صورة أيضاً في ميادين الجهاد والدفاع عن الوطن. فالمقاتلون الذين كانوا، رغم إصاباتهم البليغة، يعودون بشوق إلى ساحات القتال، كانوا نموذجاً كاملاً لأشخاص استنفدوا طاقة أنفسهم في حبّ الله والجهاد.

ولو افترضنا أن المنهج هو «توبيخ النفس»، لبدت هذه السلوكيات غير منطقية؛ لأن الحفاظ على الحياة هو من أولى غرائز النفس. أما في نموذج «الحركة بالعشق»، فإن هذا السلوك يصبح منطقياً تماماً؛ لأن الحياة تفقد قيمتها أمام الحبيب. وفي نظر أهل المعرفة، قلب المؤمن حرم الله؛ فإذا امتلأ هذا الحرم بحبّ الله تعالى، لم يعد فيه موضع لغيره.

بناء المنظومة العبادية

ولتطبيق هذه الرؤية في مجال نمط الحياة، لا بدّ من إعادة بناء المنظومة العبادية للإنسان. ففي المنهج السائد، تكون العبادة «واجباً»، أما في المنظومة الجديدة فتصبح العبادة «لقاءً». وهذا الاختلاف في النظرة يُحدث تحوّلات بنيوية عميقة في حياة المؤمن:

  1. الفرائض:

في هذا النموذج، لا تكون الصلاة والصيام مجرد وسيلة لإسقاط التكليف وأداء الواجب، بل تصبح فرصاً للخلوة بالمحبوب. فالإنسان الذي يقف للصلاة بدافع الحبّ يختلف اختلافاً جوهرياً، في «جودة حضوره»، عن إنسان يصلّي بدافع الخوف من العقاب.

  1. المستحبّات:

في النظرة القائمة على توبيخ النفس، تبدو المستحبّات وكأنها أعباء إضافية. أما في نموذج «الحركة بالعشق»، فهي «وسائل للتقرّب». فكما أن العاشق يغتنم كل فرصة وكل ذريعة للقاء محبوبه، يستثمر المؤمن النوافل وسائر المستحبّات في إدامة حضوره في رحاب المحبوب.

  1. اجتناب المعصية:

في هذا النموذج، لا يكون ترك الذنب نابعاً من الخوف، بل من «عدم الانسجام». فالعاشق لا يعصي، لا لأنه يخاف العقوبة، وإنما لأن المعصية لا تنسجم مع مقام محبوبه ولا تليق بعلاقته به. وهذا الاختلاف في الدافع المحرّك هو ما يمنح الإنسان ثباتاً واستقامةً على الطريق.

إن الآثار الوجودية لنموذج «الحركة بالعشق» تتجاوز بكثير مجرد تغيير السلوكيات الظاهرية؛ فهذا النموذج يرتقي بـ«الماهية الوجودية» للإنسان. فالإنسان العاشق، وهو يمارس العمل الصالح، يبلغ من اللذّة ما يجعل أياً من وساوس الدنيا عاجزاً عن منافستها. وهذه اللذّة هي «المحرّك الدافع» الذي يحوّل السلوك إلى الله من «حركة تكليفية مُنهكة» إلى «مسيرة عاشقة مفعمة باللذّة».

ويقدّم نموذج «الحركة بالعشق»، مستنداً إلى سنّة الله وسيرة أهل البيت عليهم السلام، حلاً متكاملاً تصبح فيه النفس، بدلاً من أن تكون عائقاً في الطريق، مركباً للتحليق.

وهذه هي حقيقة التديّن: أن لا يقطع الإنسان طريقه بقوة سوط التوبيخ والإجبار، وإنما بقوة جاذبية الحبّ؛ فيتمكّن، بفضل هذا العشق، من قطع طريق مئة عام في ليلة واحدة.

 

[1] سورة آل عمران، الآية 31

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.