مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

التضادّ؛ بين نشوء التكليف وتجسّد مكارم الأخلاق في المسيرة التربوية

في الحياة اليومية، يواجه الإنسان باستمرار مواقف تُحدث فجوةً عميقة بين رغباته الداخلية وتكاليفه الخارجية. لنفترض أن شخصًا يتعامل مع إنسان آخر يتصرّف بمنتهى الظلم؛ عند هذه النقطة، تميل النفس غريزيًا إلى ردّ فعل حاد أو إلى المواجهة. وفي اللحظة نفسها، يدعوه صوتٌ داخلي وأمرٌ دينيّ (تكليف) إلى الحِلم أو العفو أو الصمت.

هذه النقطة، أي موضع اصطدام الغريزة بالفطرة، هي ذاتها النقطة التي يراها الكثيرون عائقًا أمام النمو، في حين أن الحقيقة هي أن هذا التعارض نفسه يشكّل جوهر البرنامج التربوي للإنسان. فلولا هذه الضغوط والاحتكاكات التي تعترض الإنسان في حياته، لما أمكن لصفاتٍ كالحِلم والعفو أن تنتقل من الإمكان إلى الفعل في وجوده. وفي الواقع، فإن كثيرًا من المآزق الأخلاقية والسلوكية التي نواجهها تنشأ من تصوّرنا لآلية عمل العالم على أنه بيئة هادئة خالية من التحديات؛ في حين أن نظام الخِلقة قائم على هذه التضادّات، لكي يتمكّن الإنسان، في أتون الحوادث، من بلوغ جوهر وجوده.

الأسس الوجودية للتضاد التربوي في عالم المادة

إنّ عالم المادة، خلافًا للتصوّر السطحي لدى بعض الناس، ليس دارًا للهدوء والراحة المطلقة، بل هو عالم التضاد والتزاحم. وفقًا للحكمة المتعالية والتعاليم القرآنية، لا تحدث حركة في عالم الناسوت من دون احتكاك. فالتضاد هو السنّة الحاكمة على عالم المادة، تكمن وراءه حكمة عميقة؛ فلو لم يكن في العالم تضاد، لما اضطرّ أيّ موجود إلى بذل الجهد من أجل البقاء أو التكامل. وعلى الصعيد الإنساني، تهيّئ هذه التضادّات أرضيةً تتفتّح فيها الاستعدادات الكامنة في وجود الإنسان، بفعل احتكاكه بالتحديات البيئية والاجتماعية.

وعليه، فالتضاد التربوي ليس أمرًا عارضًا ومزعجًا، بل هو من صميم عالم الدنيا. وفي الواقع، فإنّ القدرات التي ينبغي للإنسان أن يكتسبها للعودة إلى الله تعالى، إنما تتحصّل جميعها من خلال مواجهة هذه التضادّات والدخول في صراع معها. فالإنسان بلا تحدٍّ إنسان ساكن فاقد للقوة. ولكي يتمكّن الإنسان من بلوغ مقام « تَخَلَّقُوا بِأَخْلاَقِ اَللَّهِ»[1]، فإنه يحتاج إلى ميدان عملي تتجلّى فيه الصفات الإلهية. فكيف يمكن للإنسان أن يتخلّق بصفة «العفو» من دون وجود من يظلمه؟ وكيف يمكنه أن يبلغ صفة «الحِلم» من دون وجود من يثير غضبه؟ إنّ هذه التضادّات هي وقود حركة الإنسان نحو التكامل؛ وفي الحقيقة، فإنّ الجانب الحيواني في وجود الإنسان يقف دائمًا في تعارض مع الأحكام الإلهية، وهذا الضغط هو بالضبط ما يغذّي الجانب الفائق للعقل في الإنسان.

مكانة الشيطان في هندسة التضاد التربوي

في هندسة التكامل، يؤدي الشيطان دورًا استراتيجيًا. فتنفيذ كل حكم من الأحكام الإلهية يعني عمليًا الدخول في ميدان محاربة. ولفظة «المحراب»، التي تُطلق على موضع الصلاة، تعبّر بدقة عن هذا المعنى؛ فالمحراب هو موضع الحرب مع الشيطان. ويقول آية الله جوادي آملي في بيان هذه الحقيقة الأساسية: «كلّ من حقّق أيّ نموّ، فإنما كان ذلك ببركة وجود الشيطان.» ولا يعني هذا الكلام أن الشيطان هو الهدف في حدّ ذاته، بل إنه العامل المحفّز للقوى الداخلية في الإنسان لخوض الجهاد الأكبر.

ولولا وجود هذا العدو الداخلي والخارجي، لما وصلت الطاقات المقاومة في الإنسان إلى مرحلة الفعل؛ فلو كان تنفيذ كل حكم شرعي يتمّ من دون أدنى مشقة أو معارض، لما عاد للتكليف معنى. إنّ مشقّة التكليف إنما تنشأ تحديدًا من وجود هذا العامل الشيطاني والنفسي الذي يعوق حركة الإنسان؛ ومن ثمّ، فإن الشيطان أحد أركان التضاد التربوي، الذي يهيّئ الأرضية اللازمة لتقرّب عباد الله المخلصين.

المواجهة العاقلة مع التضاد التربوي في ساحة النفس

حين يجد الإنسان نفسه في عالم مليء بالتضادّات، يكون أمامه نوعان أساسيان من التعامل. وأول هذين الأسلوبين هو المواجهة العاقلة. يقوم هذا الأسلوب على حسابات الربح والخسارة الأخروية. إذ يدرك الإنسان أنّ رذائل مثل الغضب والحسد والتكبّر ستجرّ عليه أعباء ثقيلة من العذاب البرزخي وضغطة القبر. وهنا يأمره العقل بأن عليه، لكي يتخلّص من المتاعب طويلة الأمد في عالم ما بعد الموت، أن يتغلّب على نفسه.

وفي هذا المستوى، يشبه التعامل مع الرذائل التعامل مع حيوان مفترس. فالإنسان العاقل لا يتصرّف أمام الحيوان المفترس بانفعال أو تسرّع؛ لأنه يعلم أنّ الردّ الفعل العاطفي سيؤدي إلى مزيد من هجوم ذلك الحيوان. ولذلك يحاول أن يجتاز ميدان الخطر بالصبر والمداراة. وهذا هو منطق التضاد التربوي على المستوى العقلي؛ حيث يميل الإنسان، رغم رغبته الداخلية في ردّ الفعل، إلى المداراة بدافع بُعد النظر وإدراك عواقب الرذائل. هذه المداراة هي مفتاح نجاة الإنسان من هجمات النفس والأضرار الأخلاقية.

منهج الحب في مواجهة التضاد؛ أرقى نموذج تربوي

وراء العقلانية التي تزن الأمور بمنطق الحساب والربح والخسارة، تأتي مرتبة الحب. ففي هذه المرحلة، يكون الإنسان قد أعاد بناء منظومة حبّه ومشاعره على نحو سليم. وحين يصبح حبّه وبغضه «في الله»، تغدو مشقة التكاليف، ومعاناة مجاهدة النفس وترك الرذائل، أمرًا عذبًا مستساغًا، بل يجد فيها لذةً خاصة.

وفي رحاب الحب، يتبدّل معنى «التضاد» ويتخذ طبيعةً مختلفة. فالأم، مثلًا، حين تسعى إلى راحة طفلها وسعادته، لا تكتفي بالصبر على مشاقّ رعايته وتدبير شؤون البيت، بل قد تجد في هذه المتاعب نفسها متعةً ورضًا؛ لأن حبها لطفلها يجعل ما كان يبدو شاقًا أمرًا محبوبًا لديها. وكذلك محبّ الله؛ فإنه في طريق الطاعة لا يكتفي بتحمّل مشاقّ الطريق، بل يقبل عليها برضا، ويجد في عنائها حلاوةً وفي مجاهدة النفس لذةً.

في هذه الحالة، لا يتحقّق ترك رذائل مثل سرعة التأثّر أو سوء الظنّ بالإجبار الداخلي، بل بالحياء والخجل أمام الربّ. ومن يرى نفسه منتسبًا إلى الأسرة السماوية، ويعدّ أمير المؤمنين عليه السلام أباه الحقيقي، والسيدة الزهراء سلام الله عليها أمّه، لا يرضى أبدًا بأن يتسبّب بالرذائل الأخلاقية في خزيهما. وهو يستشعر في كل موقف تضادّي حضور المراقبين من عالم الغيب. وهذا المنظور يضفي عمقًا جديدًا على التضاد التربوي؛ فالتضاد هنا لم يعد مجرّد ميدان حرب، بل أصبح اختبارًا للوفاء، تزيل فيه محبّة الحقّ جميع العوائق من الطريق.

التضاد التربوي؛ تطهير القلب من سموم الحقد

من أكبر التحديات التي يواجهها الإنسان في عالم المادة، هي تعارض المصالح والرغبات، وهو ما يؤدي إلى الظلم والتعدّي على حقوق بعضنا بعضًا. فالعالم عالم التزاحم، وهذا الأمر نفسه يهيّئ الأرضية لنشوء الحقد وسوء الظن. وهنا تكمن النقطة الأساسية: لا ينبغي للإنسان المؤمن أن يسمح للتلوّثات الناجمة عن أفعال الآخرين بأن تتسرّب إلى قلبه. وقد قال الإمام الرضا عليه السلام في رواية يخاطب فيها عبد العظيم الحسني عليه السلام:

«يا عبد العظيم، أبلغ عنّي أوليائي السلام، وقل لهم: لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً، ومُرهم بالصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ومُرهم بالسكوت، وترك الجدال فيما لا يعنيهم، وإقبال بعضهم على بعض، والمزاورة، فإنّ ذلك قربةٌ إليّ، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضًا، فإنّي آليتُ على نفسي أنّه من فعل ذلك، وأسخط وليًّا من أوليائي، دعوتُ الله ليعذّبه في الدنيا أشدّ العذاب، وكان في الآخرة من الخاسرين. وعرّفهم أنّ الله قد غفر لمحسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، إلا من أشرك بي، أو آذى وليًّا من أوليائي، أو أضمر له سوءًا، فإنّ الله لا يغفر له حتى يرجع عنه، فإن رجع عنه، وإلا نُزع روح الإيمان عن قلبه، وخرج عن ولايتي، ولم يكن له نصيب في ولايتنا، وأعوذ بالله من ذلك.» [2]

ويكشف هذا الكلام النوراني أنّ الحقد وامتلاء القلب بالضيق تجاه الآخرين سموم ثقيلة تدمّر سلامة القلب. والتضاد التربوي هنا فرصة للإنسان كي يطهّر قلبه من خلال التغاضي عن مظالم الآخرين والعفو عنها. ومن دون هذا التجاوز والتطهير الداخلي، يستحيل بلوغ المقام الإلهي. وهذا يعني أنّ على الإنسان، في ذروة صراعاته الاجتماعية، أن يحافظ على باطنه نقيًا من التلوّثات الأخلاقية؛ لأنّ نموّه مرهون بألا يسمح لظلم الآخرين بأن يرسّخ الحقد في قلبه.

دور الأسرة في كسر الغرور وصيانة المكانة الإنسانية

غالبًا ما تمرّ التربية الإلهية عبر تحطيم صنم الأنا. فأحيانًا يضع الله الإنسان في مواقف يتم فيها تجاهل كبريائه ومكانته. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «أزهدُ الناسِ في العالمِ أهلُه وجيرانُه».[3]  فالمقرّبون، بسبب حجاب العادة، لا يدركون القيمة الحقيقية للإنسان، وهذا بالنسبة إلى من يسعى إلى المقام الإلهي فرصة ذهبية للتدرّب على التواضع. وفي منظومة التضاد التربوي، ينبغي للإنسان أن يتعلّم ألا يُدخل الاعتبارات والمكانة الظاهرية إلى دائرة العلاقات الخاصة. وهذا النوع من النظرة إلى الأمور يبني الإنسان نفسه، ويحول في الوقت ذاته دون نشوء توترات لا طائل منها. وهذا التغافل بحدّ ذاته ميدان تدريب كبير للتحرّر من قيد الأنا الزائفة.

مسيرة التكامل في خضمّ التضادّات

إنّ نظام الخِلقة قائم على أساس التزاحم، ولا سبيل إلى الفرار منه. غير أنّ هذا التزاحم خيرٌ في مجموعه؛ لأنه يمهّد لحركة الإنسان نحو مبدأ الوجود. وحين يتقبّل الإنسان حقيقة أنّ الدنيا ميدان للتضاد التربوي، فلن يعود يهاب المشقّات. فهو يعلم أنّ كل مصيبة، وكل أذى، وكل تعارض، هو فرصة للتخلّق بالصفات الإلهية.

ويبدأ هذا الطريق أولًا بالعقلانية وضبط الانفعالات، ثم يبلغ ذروته بالمحبّة في الله. وفي مسيرة الطريق، تصقل المواظبة على العبادة النفس، وتُهيّئها للتحليق نحو مراتب أعلى. وكل خطوة فيه تمثّل تحرّرًا جديدًا من قيود الأحقاد والحسد والأنا. فحقيقة الإنسان تتشكّل في خضمّ هذه المواجهات، لا في هدوءٍ زائف يخلو من التحديات.

ومن هنا، ينبغي استقبال التحديات لا بوصفها عوائق تعترض الطريق، بل درجاتٍ يرتقي بها الإنسان نحو القرب الإلهي. فهذا هو طريق العودة إلى الله: أن يسير الإنسان في قلب ميدان المجاهدة، وفي صميم التضاد التربوي.

 

[1]   بحار الأنوار،  جلد۵۸، صفحه۱۲۹

[2] بحار الأنوار، ج 71، ص 230

[3] نهج الفصاحة، جلد1  صفحه207

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.