مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

من العدمية إلى المعنى: دراسةٌ فلسفيةٌ لعجز الكمالات المحدودة عن تحقيق غاية الإنسان

تخيّلوا باحثًا أفنى سنواتٍ طويلة من عمره بين المختبرات والمكتبات، مدفوعًا بأملٍ ظلّ يرافقه طوال رحلته العلمية، ويتمثّل في هذه الفكرة الراسخة في ذهنه:«إذا نلتُ شهادة الدكتوراه، وإذا نجحتُ في إثبات هذه النظرية العلمية، فسأبلغ السكينة الدائمة وأحظى بالرضا الداخلي.»

يواصل هذا الباحث ارتقاء سُلّم العلم درجةً تلو أخرى، وينشر العديد من المقالات العلمية، إلى أن يبلغ في نهاية المطاف أرفعَ مرتبةٍ علمية في تخصّصه. غير أنّه يجد نفسه، في لحظة الذروة بالذات، حيث كان يُفترض أن يفيض قلبه بشعور الاكتمال والرضا، في مواجهة صمتٍ ثقيل وفراغٍ روحيٍّ مروّع، يحلّان محلّ البهجة العابرة التي طالما انتظرها. عندها، يدرك أنّ تلك القمّة لم تكن جوابًا عن توقه الداخلي؛ فقد نال الشهادة، ونُشرت مقالته، وحظي بتقدير زملائه، ومع ذلك ظلّ الظمأ الجوهري المتجذّر في أعماق وجوده على حاله، كأنّه لم يرتوِ قط.

ليست هذه الظاهرة مجرّد حالة عابرة من عدم الاستقرار، ولا شعورًا عارضًا بالإرهاق، بل هي مواجهة مباشرة بين الإنسان وتناقضٍ عميق ينشأ من الهوّة الفاصلة بين «الطبيعة اللامحدودة لرغباته الداخلية» و«محدودية القدرات المادية». ويُظهر التحليل المنطقي لهذه الفجوة أنّ الأزمات الوجودية، كالاكتئاب الحادّ والانسداد الفكري الذي قد يفضي إلى الانتحار، تنبع من خطأٍ في الحساب والتقدير عند تعيين متعلَّقات النزعات الأصيلة للإنسان وتطلّعاته الجوهرية.

البنية التكوينية للروح وإشكالية إشباع الرغبة نحو اللانهاية

لفهم السلوكيات الإنسانية الأساسية، لا بدّ من النظر في طبيعة الإنسان وميوله الباطنية. فمن منظور علم الوجود (الأنطولوجيا)، يتّجه الإنسان بطبيعته نحو «اللانهاية». ولا تمثّل هذه النزعة خيارًا شخصيًّا يمكن التخلّي عنه، بل هي جزء لا يتجزّأ من كينونته. فالإنسان لا يتوقّف عند بلوغ هدفٍ ما ابداً، إذ لا يمثّل بلوغ كلّ قمة سوى منطلقٍ للتطلّع إلى مرتبة أعلى. وهذه النزعة المتأصّلة في طبيعته هي المحرّك الذي يدفعه إلى مواصلة السعي بلا انقطاع على امتداد حياته.

واستنادًا إلى المبادئ الخمسة للطلب، فإنّ الرغبة في اللانهاية تقتضي وجود كمال حقيقي غير محدود في العالم الخارجي. غير أنّ الإشكالية الجوهرية تنشأ حين يقع خلل معرفي في كيفية تطبيق هذا المبدأ على الواقع؛ إذ يسعى الإنسان، بدافع توقه الفطري إلى اللانهاية، إلى إشباع حاجته الوجودية العميقة من خلال متعلّقات مادية محدودة. ولا بدّ أن تؤول هذه المحاولة إلى الإخفاق، لأنّ ما هو محدود لا يمكنه أن يفي بمقتضيات التطلّع اللامحدود للروح. ومن ثمّ، فإنّ التباين بين «الرغبة اللامتناهية» و«محدودية متعلّقات هذه الرغبة» يفضي إلى سعيٍ يعجز عن تحقيق غايته، وينتهي في نهاية المطاف إلى إنهاك الإنسان واستنزاف طاقته الروحية.

التفاوت في مراتب الكمال: التمييز بين الكمالات الأصيلة والكمالات الوهمية

لفهم الأسباب المنطقية التي تحول دون بلوغ الإنسان الطمأنينة، لا بدّ من تصنيف الكمالات التي يسعى إلى تحقيقها تصنيفًا عقليًّا. ويمكن، في ضوء تحليل شامل، تقسيم هذه الكمالات إلى فئتين:

  1. الكمالات المحدودة والناقصة: وتشمل الكمالات الحسية والخيالية والوهمية والعقلية.
  2. الكمالات المطلقة والأصيلة: وهي الكمالات ماوراء العقلية، والتي تتجاوز قيود الزمان والمكان والفناء، وتنسجم مع الطبيعة غير المادية للروح.

قد يتّخذ الإنسان، نتيجة غفلته عن الطبيعة الحقيقية لاحتياجاته، الكمالات المادية أو مظاهر الترف أو المكانة الاجتماعية غايةً نهائيةً لحياته. إذ يتوهّم أنّ بلوغ مستوى معيّن من الرفاه المادي أو نيل مكانة اجتماعية محدّدة كفيلٌ بإخماد ظمئه الداخلي وإرواء عطشه الروحي.

غير أن الحقيقة هي أن هذه الكمالات المادية والاعتبارية، بحكم محدوديتها الذاتية، سرعان ما تكشف، بمجرد بلوغها، عن عجزها عن تحقيق الطمأنينة الدائمة. فالكمالات المادية تنتمي إلى عالم المادة، والمادة بطبيعتها خاضعة للتغيّر والزوال ومحدودة في وجودها؛ ولذلك لا يمكن أن تكون الغاية النهائية لكائن يتطلّع بطبيعته إلى ما يتجاوز حدود المادة.

وحين يواجه كائنٌ ذو تطلّع لا متناهٍ غايةً محدودة، ينكشف الخلل في العلاقة بينهما؛ إذ لا تتناسب سعة التطلّع مع ضيق الغاية. فمهما بلغ الإنسان من تلك الكمالات، فإنها تظلّ محدودة، ويمكن أن تنفد أو تزول، بينما تبقى جذوة التطلّع متّقدة في أعماقه، لا يخمد لهيبها بلوغُ غاية تنتهي عند حدودها.

التحليل المعرفي للإخفاق في بلوغ المراتب العلمية

يُعدّ طلب العلم والكشف عن الروابط بين الظواهر من أرقى ما يسعى إليه الإنسان. غير أن هذا السعي النبيل قد ينتهي، هو الآخر، إلى الإخفاق في تحقيق الغاية المنشودة، إذا تحوّل العلم من وسيلة للارتقاء إلى غاية نهائية يُعلّق الإنسان عليها آماله كلها.

فكثيرًا ما نرى أناسًا يكرّسون سنوات طويلة من حياتهم لدراسة العلوم التجريبية أو الفلسفية أو التقنية، معتقدين أن بلوغ مراتب أعلى من المعرفة، وتوسيع آفاقهم الفكرية، واكتساب المزيد من المعلومات، كفيلٌ بأن يحقّق لهم الإشباع الذي ينشدونه. وكأنهم يتوقعون أن يجدوا في تراكم المعارف، ضمن حدود المفاهيم الذهنية والقضايا الدنيوية، ما يروي ظمأهم الداخلي ويضع حدًّا لتطلّعهم إلى المزيد.

لكن هنا تبدأ المفارقة.

فكلما ارتقى الإنسان درجة في سلّم العلم، شعر في البداية بأنه يقترب من غايته، وأن ما حصّله من معرفة قد قرّبه خطوة أخرى من الحقيقة. غير أن هذا الشعور لا يلبث أن يتغيّر حين يبلغ تلك المرتبة، ويتمكّن من معارفها، ويتجاوز ما تتطلبه من شروط ومراحل وإجراءات رسمية. عندها، يبدأ في رؤية ما حصّله على حقيقته: معرفة، مهما اتّسعت، تظل محدودة بحدود موضوعها ومجالها.

وهكذا، يجد الإنسان الذي تتوق روحه إلى الحقيقة اللامتناهية نفسه أمام مفارقة مؤلمة: لقد قطع طريقًا طويلًا، وبلغ ما كان يطمح إليه، لكنه لم يجد في نهاية الطريق ما كان يرجو العثور عليه. وكأن كل ما جمعه من معارف لم يملأ الفراغ الذي كان يأمل أن يملأه.

إن عدم شعور الإنسان بالإشباع، حتى بعد بلوغ مراتب جامعية أو بحثية رفيعة، لا يعني أن العلم فاقد للقيمة، ولا ينتقص من شأنه؛ بل يكشف عن أمر آخر، هو أن تحصيل العلم، مهما بلغ من السعة والعمق، لا يكفي وحده لإشباع تطلّع لا يعرف حدًّا يقف عنده. فالمعرفة المحدودة، مهما عظمت، لا تستطيع أن تمنح الإشباع الكامل لوجود يتطلّع إلى ما لا نهاية له.

وحين يبدأ الإنسان في إدراك هذه الحقيقة، ويكتشف أن الطريق الذي ظنّه كفيلًا بتحقيق طمأنينته لا يوصله إلى الغاية التي ينشدها، قد يتضاعف إحباطه بدلًا من أن يتبدّد. وقد يستقر في ذهنه استنتاج يبدو له منطقيًا، لكنه ينطوي على مغالطة عميقة: «إذا كان العلم، وهو من أسمى ما أنجزته البشرية، لم يستطع أن يحقّق لي الإشباع، فكيف يمكن لأي شيء آخر أن يحقّقه؟».

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ إذ لا يعود الإخفاق في تحقيق الإشباع تجربةً محدودة في مجال واحد، بل يتحوّل إلى حكم شامل على الحياة نفسها. ومن هذا الاستنتاج قد تنشأ أولى بذور اليأس الفلسفي.

منطق تشكّل العبثية

لفهم كيف يتشكّل اليأس في أعماق الإنسان، لا بدّ من التأمل في علاقته بفكرة زوال الدنيا وانقضائها. فالدنيا، بحكم طبيعتها، عالم محدود ومتغيّر، لا يخلو فيه وجود من احتمال الفقد، ولا يدوم فيه حال على صورة واحدة. فما نملكه اليوم قد نفقده غدًا، وما نبلغه من مكانة قد يتراجع، وما نطمئن إليه قد يتبدّل. فلا شيء في هذا العالم يضمن للإنسان بقاءً أبديًا أو استقرارًا لا يعتريه التغيّر.

والإنسان الذي يتأمل هذا الواقع بعين تحليلية نافذة، سرعان ما يلحظ ما ينطوي عليه من نقص وحدود. يرى الثروة وهي تتبدّد، والصحة وهي تضعف، والعلاقات العاطفية وهي تنقطع، والمعارف وهي تقف عند حدود لا تتجاوزها. وكلما تعمّق في فهم طبيعة الدنيا، ازداد إدراكًا بأن ما فيها، مهما بدا عظيمًا أو مرغوبًا، لا يملك صفة البقاء المطلق، ولا يستطيع أن يمنح الإنسان إشباعًا لا يعتريه النقص أو الزوال.

من هنا، فإن القول إن «الدنيا، في ذاتها، عالم عبثي عاجز عن تحقيق الإشباع الكامل» قد يبدو نتيجةً منسجمة مع ما يكشفه التأمل في طبيعتها المحدودة والمتغيّرة. فالمشكلة ليست في ملاحظة هذا النقص، بل في الخطوة التي قد تأتي بعده.

إذ يبدأ الخطأ المنطقي حين ينتقل الإنسان من حقيقة أن بعض ما في الدنيا محدود وقاصر عن إشباع تطلّعاته، إلى الحكم بأن الوجود بأسره فاقد للمعنى والغاية. فكون الأشياء الدنيوية لا تمنح إشباعًا مطلقًا لا يعني بالضرورة أن الحياة عبثية، ولا أن الوجود يخلو من غاية تستحق السعي إليها.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين إدراك محدودية الدنيا وبين الوقوع في العدمية: فالأول قد يكون بدايةً لفهم أعمق لطبيعة الإنسان وغاية وجوده، أما الثاني فينشأ حين تُتَّخذ حدود الكمالات الدنيوية دليلًا على استحالة الإشباع، ويُعمَّم الإخفاق في بلوغ غاية محدودة ليصبح حكمًا على الوجود كله.

حين يدرك الإنسان حقيقة النقص الكامن في الدنيا، لكنه لا يرى أفقًا يتجاوز عالم المادة، ولا يهتدي إلى حقيقة المعاد والحياة الأبدية، يجد نفسه أمام نتيجة تبدو لعقله حتمية: «العالم فاقد للمعنى، وأنا أسير في دائرة لا تنتهي من الحاجات التي لا تجد ما يشبعها».

وقد انعكس هذا النمط من التفكير في الأدب الفكري، فأسهم في رسم صورة قاتمة للعالم، يبدو فيها كل طريق مسدودًا، وكل محاولة للخلاص ضربًا من العبث. وقد قاد هذا التصور كثيرًا من الأفراد والجماعات إلى اليأس المطلق والعدمية. ففي غياب أفق يتيح للإنسان الاتصال بما لا نهاية له، تظلّ كل محاولة لإشباع تطلّعه اللامتناهي قاصرة عن بلوغ غايتها، ويتجدّد هذا الإخفاق في صورة فلسفة عدمية.

من الإخفاق الإدراكي إلى التوقّف الوجودي والاكتئاب

ليس الاكتئاب مجرّد تراكم لمشاعر نفسية مؤلمة، بل يمكن النظر إليه، من منظور وجودي، بوصفه حالة من التوقّف في مسار حركة الإنسان الوجودية. فالحركة لا تنفصل عن الغاية؛ إذ لا معنى للسعي ما لم تكن هناك غاية يتّجه الإنسان نحوها. فإذا غابت الغاية، فقدت الحركة معناها.

وحين يختبر الإنسان مختلف الأهداف التي يتصوّرها أمامه، سواء أكانت أهدافًا بيولوجية أم مالية أم اجتماعية تتعلّق بالمكانة، أم حتى أهدافًا علمية، ثم يكتشف أن بلوغ أيٍّ منها لا يملأ الفراغ الذي يشعر به في داخله، بل يزيد ظمأه اشتعالًا، فقد ينتهي به الأمر إلى حالة من الخمول والعزوف عن الحياة.

وهذا التوقّف الوجودي هو، في أحد أبعاده، التعبير الفلسفي عن الحالة التي نسمّيها في حياتنا اليومية اكتئابًا. ففي أعماقه، يشعر الإنسان بأنه وصل إلى طريق مسدود؛ والطريق المسدود هو الحالة التي لا يرى فيها أمامه سبيلًا للمضيّ قدمًا، ولا يجد في العودة إلى الماضي ما يخفّف ألمه أو يغيّر واقعه.

وفي مثل هذه الحالة، لا يعود العجز عن إشباع التطلّع اللامتناهي دليلًا على أن طبيعة الإنسان قد صُمّمت على نحو خاطئ، بل يكشف عن حقيقة أخرى: أن الإنسان أنفق طاقته الوجودية في السعي وراء غايات لم تكن قادرة على حمل المعنى الذي أراد أن يمنحه لحياته.

العلاقة المنطقية بين فقدان الكمال والميل إلى العدم

كيف يمكن أن يقود الإخفاق في بلوغ الطمأنينة الداخلية إلى أخطر مراحله، أي إلى التفكير في الانتحار؟

من منظور تحليلي، ينطوي الانتحار على مفارقة؛ فالإنسان الذي يسعى إلى إنهاء حياته إنما يبحث، في حقيقة الأمر، عن تحقيق أعمق ما يتطلّع إليه: التحرّر من النقص والمعاناة. فالإنسان لا يريد العدم لذاته؛ إذ لا يمكن لعدم الوجود، بوصفه عدمًا، أن يكون غايةً لرغبة عقلانية أو غريزية. وما يسعى إليه الإنسان في لحظة الانتحار ليس انعدام وجوده في حدّ ذاته، بقدر ما هو انعدام الألم وإنهاء الحالة التي يشعر فيها بأنه محاصر في طريق مسدود.

وحين يرى الإنسان أن جميع السبل المتاحة في العالم قد أُغلقت أمامه، ولا يجد أفقًا يتيح له الاتصال بمصدر الكمال اللامتناهي، يبدأ في النظر إلى وجوده نفسه بوصفه عبئًا ثقيلًا، مثقلًا بحاجات لا متناهية وأسئلة لا تجد جوابًا.

تخيّل إنسانًا ينهكه العطش في صحراء لا نهاية لها، فيظلّ يركض خلف السراب، متوهّمًا أنه سيجد عند بلوغه ما يروي ظمأه، لكنه لا يجد في كل مرة سوى الرمال والحرارة. هكذا تتشكّل المفارقة: فكل محاولة تنتهي إلى الإخفاق، وكل غاية يبلغها لا تمنحه ما كان يرجوه.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الانتحار بوصفه نتيجةً محتملة لهذا المأزق الفكري؛ إذ إن الإنسان الذي يعجز عن إشباع تطلّعه اللامتناهي في عالم محدود قد يتوهّم أن محو مسألة الحياة من أساسها هو السبيل الوحيد لإنهاء هذا التعارض الداخلي الذي لم يجد له حلًّا.

إعادة إنتاج الأزمة في نمط حياة يتمحور حول الأوهام

إن نمط الحياة الذي يبني فيه الإنسان سعيه على الكمالات الاعتبارية والوهمية والمتغيّرة، ينطوي بطبيعته على عوامل تجدّد الإنهاك والاستنزاف. ففي ظلّ هذا النمط، تُختزل قيمة الإنسان في مقدار ما يستهلكه، والمكانة التي يبلغها وفق المعايير الظاهرة، ومدى قدرته على استمالة الآخرين ونيل إعجابهم.

ويمكن تسمية هذه الكمالات بالكمالات الوهمية؛ لأنها لا تمتلك وجودًا أصيلًا وثابتًا، بل تتوقف قيمتها واستمراريتها على نظرة المجتمع المتقلّبة أو تصوّرات الفرد وأوهامه. ولذلك، لا يمكن أن تكون أساسًا للثبات والطمأنينة الباطنية.

وما دام الإنسان يختار غاياته انطلاقًا من كمالات محدودة، فإن سعيه إلى إشباع تطلّعه اللامتناهي سيصطدم، في نهاية المطاف، بحدود تلك الغايات نفسها. فمحاولة اختزال الحاجات المتعالية على المادة في مظاهر مادية ووهمية ليست سوى وضع الشيء في غير موضعه الحقيقي، ولا يُنتظر منها أن تثمر إلا الخسران وضياع الطاقات والمواهب الكامنة في الإنسان.

ولا يكون الخروج من هذه الدائرة المدمّرة إلا بإعادة بناء المنظومة الفكرية، واستكمال إدراك الإنسان لمختلف مراتب الوجود وأبعاده. أما الخطوة الأولى للابتعاد عن هاوية العدمية والانحطاط، فهي الإقرار بشجاعة بحقيقة أساسية: أن الدنيا، بمفردها، لا تكفي لإرواء ظمأ الروح الإنسانية التي لا تعرف تطلّعاتها حدًّا.

غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن ينتهي إلى يأس سلبي واستسلام للعجز، بل ينبغي أن يُتَّخذ منطلقًا لبرهان فلسفي يفتح الطريق أمام البحث عن حقيقة أخرى، ويتجاوز حدود ما تكشفه لنا الدنيا وحدها.

وكما أن الشعور بالعطش في جسم الإنسان دليل قاطع على وجود الماء في الطبيعة، فإن توق الروح إلى الكمال اللامتناهي دليل على وجود حقيقة أبدية لا متناهية. وقد تمثّل الخطأ التاريخي لدى كثير من المفكرين في أنهم توقّفوا عند مرحلة الحكم بعبثية الدنيا، ولم يواصلوا مسيرهم نحو إثبات حقيقة الآخرة.

وحين نُدخل مفهوم الغاية المتعالية على المادة والحياة الأخروية في معادلة الحياة الإنسانية، يتغيّر نظام القيم لدينا من أساسه:

❶ لا تعود ظواهر الدنيا غايات نهائية، بل تتحوّل إلى وسائل في طريق المسير نحو الغاية.

❷ لا يعود طلب العلم سقفًا تنتهي عنده آفاق الإنسان، بل يصبح سُلّمًا ترتقي به الروح في إدراكها وفهمها.

❸ لا يعود زوال الأمور المادية كارثةً، بل يُفهم بوصفه سمة طبيعية لهذا العالم المحدود.

ومن هذا المنظور، تتوافر الأرضية الحقيقية لإشباع التطلّع اللامتناهي، من خلال الاتصال بمصدر الوجود الذي لا تنفد حدوده. وبهذه الرؤية، تنفتح الطرق التي بدت مسدودة؛ لأن الأفق الذي نتجه نحوه لم يعد محكومًا بجدار الموت ولا محاصرًا بحدود المادة.

التحرّر من الانسداد بإعادة تعريف الكمالات في الحياة اليومية

كيف يستطيع الإنسان أن يحوّل هذا المسار الاستدلالي إلى واقع ملموس في قراراته اليومية؟ إن تطبيق هذا التصوّر في الحياة العملية يقتضي إعادة النظر في توقّعات الإنسان مما يحقّقه من إنجازات ومكاسب دنيوية.

فإذا أدرك الإنسان أن الشهادات العلمية والثروة والمكانة الاجتماعية لا تملك القدرة على إرواء ظمأه الباطني، فلن يُصاب بالصدمة أو الفراغ الروحي أو الاكتئاب لمجرّد بلوغها. إنه يتعلّم العلم ليفهم العلاقات التي تحكم العالم، لكنه يبحث عن الحقيقة التي تُشبع روحه في أفق يتجاوز حدود هذا العالم.

وحين يحدث هذا التحوّل في إدراك الإنسان، تتغيّر نظرته إلى الحياة ومكاسبها:

– عندما يبلغ مرتبة جامعية، لا ينظر إليها بوصفها نهاية الطريق الذي تنتهي عنده مسيرته، بل يدرك أنها مرحلة عابرة في مسار أوسع.

– إذا واجه طريقًا مسدودًا في علاقاته المادية أو العاطفية، فلن يعدّ ذلك انسدادًا في أصل وجوده أو نهايةً لمعنى حياته؛ لأنه لم يجعل هويته وجوهر حياته قائمين على كمالات مادية جامدة أو أوهام متقلّبة لا تدوم.

– إذا شعر بالتعب والفراغ الداخلي، فلن يفسّر هذا الشعور بوصفه دعوةً إلى تدمير الذات أو دليلًا على عبثية الوجود، بل سيتلقّاه رسالةً من أعماقه، تشير إلى أن روحه تتوق إلى حقيقة أسمى، وأن عليها ألّا تتوقّف عند هذه المرتبة المحدودة من الوجود.

وعليه، فإن إدارة التطلّعات الأصيلة لدى الإنسان وتوجيهها نحو غاياتها الحقيقية هما السبيل العقلاني الوحيد للحيلولة دون الوقوع في اليأس أو الاستسلام للمآزق التي تستنزف الإنسان وتشلّ حركته. أما السعي إلى تحقيق الإشباع المنشود من التطلّع اللامتناهي وفق خطة منظّمة، من دون تحديد موضوعه الحقيقي تحديدًا صحيحًا، فيشبه تشييد بناء ثقيل على أرض رخوة؛ إذ يصبح انهياره نتيجةً حتمية لغياب الأساس الذي يستطيع حمله.

إن جذور الأزمات المرتبطة بفقدان المعنى تعود إلى بنية التطلّعات الإنسانية وإلى الطريقة التي يدرك بها الإنسان الوجود. فالإنسان كائن متأصّل في أعماقه التطلّع إلى اللامتناهي. وإذا لم يستطع التمييز بين الكمالات الأصيلة واللامحدودة، وبين الكمالات المحدودة والوهمية والجمادیة التي تفتقر إلى الحياة، فسوف يكرّس طاقاته كلها لغايات لا تمنحه، حتى بعد بلوغها، شعورًا بالامتلاء أو الطمأنينة.

وتبلغ هذه المفارقة ذروتها حين يعيش الإنسان هذا الإخفاق في أوج نجاحاته المادية أو العلمية. ففي تلك اللحظة الحرجة، قد تدفعه رؤيته الناقصة للوجود إلى تعميم شعوره بالإخفاق، فينسب العبثية إلى العالم بأسره.

وللخروج من هذا المأزق، وتجنّب الاكتئاب الذي يشلّ قدرة الإنسان على الحركة، لا بدّ من إعادة بناء تصوّرنا الذهني للعالم، ومراجعة فهمنا للغايات التي تتجه إليها تطلّعاتنا. فالطمأنينة الحقيقية لا تصبح ممكنة إلا حين يحدّد الإنسان غايته بما يتجاوز الكمالات الوهمية والاعتبارية والإنجازات العلمية المحدودة، وحين يدرك أن حقيقة الوجود متصلة بالأبدية. أما إذا غاب هذا الإدراك، فإن كل درجة نرتقيها في سلّم النجاح الدنيوي لن تفعل سوى أن تكشف لنا عجز المادة عن الاستجابة لظمأ الروح، وتُبقينا أسرى الحيرة والاستنزاف الداخلي.

إن الفهم الشامل لنظام الوجود، والمعرفة الصحيحة بحقيقة وجودنا، هما ما يتيحان الإشباع الحقيقي للتطلّع اللامتناهي، ويفتحان الطريق أمام الإنسان ليتحرّر من قيود التوقّف والاكتئاب والأفكار التي تدفعه إلى تدمير ذاته.

 

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.