مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

دور النبي نوح عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية والجهود التي بذلها في سبيل تكوين الأمة

كان النبي نوح عليه السلام أول الأنبياء أولي العزم، وقد تميّز عن سائر الأنبياء أولي العزم بأنّه لم تسبقه شريعة خاصة ومستقلة، ولم تكن البشرية قد عرفت قبل بعثته منظومة متكاملة من التعاليم والقوانين والأحكام الشرعية. وقد بُعث عليه السلام في مرحلة بلغ فيها الوعي البشري قدرًا مناسبًا من النضج، وأصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتلقّي الشريعة والرسالة الإلهية، وشعر بالحاجة إليهما.

وفي زمن نوح عليه السلام، كانت الوثنية قد انتشرت على نطاق واسع، واستفحل الفساد في المجتمع، كما أدّى التفاوت الطبقي إلى تفاقم الظلم واتساع دائرة انعدام العدالة. وفي مثل هذه الظروف، بُعث نوح عليه السلام بشريعة خاصة وكتاب خاص، وكُلّف بهداية الناس وإنقاذهم من الضلال، من خلال دعوتهم إلى التوحيد وعبادة الله الواحد. ولم تُعرف شريعته باسم خاص، في حين عُرف كتابه باسم «كتاب نوح».

وكان قوم نوح عليه السلام قد غرقوا في الضلال، واشتدّ تمسّكهم بعقائدهم الباطلة وخرافاتهم. وقد بلغ بهم الإصرار على انحرافهم حدًّا جعلهم يوصون أبناءهم بالابتعاد عن نوح عليه السلام ويحذّرونهم من الاستماع إليه واتباع دعوته. وكانوا يصفونه بالجنون، ويضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا دعوته إلى الحق، ويغطّون وجوههم بثيابهم حتى لا يروه ولا يسمعوا كلامه. ولم يقتصر أذى قومه له على الإيذاء النفسي، بل تجاوز ذلك إلى الإيذاء الجسدي والتعذيب؛ فقد كانوا يضربونه مرارًا حتى يفقد وعيه من شدة ما يتعرض له من الأذى والضرب، ومع ذلك لم يتخلَّ عليه السلام عن هداية قومه وإرشادهم، ولم يفتر عن دعوتهم إلى الحق.[1]

ومع أن نوحًا عليه السلام لم يتمكّن من إقامة حضارة إلهية متكاملة، فإن دوره في وضع اللبنات الأولى وتهيئة المقدمات اللازمة لتكوين الأمم وبناء الحضارة الإلهية كان دورًا محوريًا وتأسيسيًا. فقد جاء بالشريعة والهداية إلى قوم بلغ بهم الانحراف حدًّا شديدًا من المقاومة، واستشرى الفسق والانحراف في مجتمعهم على نطاق واسع. ومن هنا، فإن دراسة الدور الذي اضطلع به نوح عليه السلام في مسيرة بناء الحضارة الإلهية، والتأمل في الدروس والعبر البنّاءة التي تكشف عنها حياته وسيرته، يمكن أن تساعد في فهم المبادئ والأسس اللازمة لأداء دور فاعل في بناء الحضارة الإلهية العالمية الجديدة. فيما يأتي، نستعرض أهم محطات مسيرته وجهوده التي بذلها في سبيل تحقيق هذا الهدف.

استعراض أهم أحداث عصر النبي نوح عليه السلام

لفهم دور نوح عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية بصورة أدق، لا بد من الوقوف، ولو بإيجاز، على أهم الأحداث التي شهدتها حياته ومسيرته الرسالية. فقد قضى نوح عليه السلام نحو تسعمئة عام بين قومه، داعيًا إلى الله تعالى، وباذلًا في سبيل هدايتهم الصبر والجهد والمجاهدة.[2] ومع ذلك، لم يستجب لدعوته ويؤمن به إلا نحو ثمانين شخصًا، فانضموا إليه واتبعوا نهجه. وقد أكثر عليه السلام من البكاء والتضرع من أجل هداية قومه، حتى إنّه لم يكن ينضم إلى دعوته، في الالمتوسط، إلا شخص واحد تقريبًا مقابل كل اثنتي عشرة سنة من الدعوة والسعي؛ ولذلك سُمّي «نوحًا»، لكثرة نوحه وبكائه وحرصه على إرشاد قومه وهدايتهم.

وكان أغنياء قومه يمعنون في تحقيره والاستخفاف به، ويقولون له: إنما أنت بشر مثلنا، ولا يتبعك إلا أراذلنا وبسطاؤنا. وكانوا يصفونه باستمرار بالكذب، ويدبّرون المؤامرات ضده، في محاولة للحيلولة دون انتشار دعوته وتأثيرها في الناس.

وكان قوم نوح عليه السلام من أوائل التجمعات البشرية التي عاشت على الأرض في إطار اجتماعي جماعي. إلا أنهم، مع الأسف، كانوا من أوائل من أسّس الكفر الجماعي والفسق الاجتماعي، وقد بلغ بهم العناد والإصرار على الانحراف مبلغًا عظيمًا، حتى إنهم، من شدة كفرهم وعدم تصديقهم لنبيهم، طلبوا منه نزول العذاب الإلهي عليهم.[3]

ويُعدّ العذاب الذي أنزله الله تعالى على قوم نوح عليه السلام من أشهر صور العذاب الإلهي في تاريخ البشرية، وقد بلغ من شدته وعظمته أن القرآن الكريم أشار إلى ما فيه من شأن عظيم. وقد اختلفت الآراء في كيفية وقوع هذا العذاب وتفاصيله، كما وردت الإشارة إليه في مصادر متعددة، وفي روايات وأخبار متداولة لدى الأمم والشعوب المختلفة.

وبعد قرون طويلة من صبر نوح عليه السلام ومجاهدته في سبيل هداية قومه، أوحى الله تعالى إليه بأن قومه لن يؤمنوا مهما بذل من جهد في دعوتهم.[4] عند ذلك دعا نوح عليه السلام على قومه، وسأل الله تعالى ألّا يترك على الأرض من الكافرين ديارًا.[5] وقد ورد في مجمع البيان أن دعاءه استُجيب، فلم يولد لهم مولود لأربعين عامًا، وحلّ القحط بالبلاد.[6] ومع ذلك، واصل نوح عليه السلام دعوة قومه، وطلب منهم التوبة والإيمان بالله، لكنهم أصرّوا على عنادهم وتمردهم.[7] وبعد أن دعا نوح عليه السلام على قومه، أمره الله تعالى بصنع سفينة.[8] فشرع عليه السلام، على مدى عدة أعوام وامتثالًا لأمر الله تعالى، في صنع سفينة مؤلفة من سبع طبقات، في الموضع الذي يقع فيه اليوم مسجد الكوفة.[9]

وخلال فترة بناء السفينة، لم يتوقف قومه عن إهانته والسخرية منه، ولا سيما بسبب صنعه سفينة في أرض قاحلة لا ماء فيها. بل كانوا يتعمدون، ليلًا، إفساد ما أنجزه وتخريب السفينة، غير أن نوحًا عليه السلام واصل عمله بعون الله تعالى ووفق توجيهاته، حتى اكتمل صنع السفينة.[10] ركب نوح عليه السلام السفينة ومعه نحو ثمانين من المؤمنين، كما حمل معه زوجين من كل نوع من أنواع الحيوانات، إضافة إلى شيء من بذور النباتات والشتلات.[11] وأخيرًا حلّ موعد العذاب؛ فانفجر الماء من التنور، وبدأ طوفان عظيم وشامل، وغمرت المياه الأرض. فغرق جميع الكافرين، ومن بينهم كنعان، ابن نوح عليه السلام، وانتهى الأمر باستقرار السفينة على جبل الجودي.[12]

دور نوح عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية

للأسف، ينشغل كثير من الناس عند دراسة التاريخ أو قراءة القصص والأحداث القرآنية بتفاصيل الوقائع وأحداث القصة، فيغفلون عن الدروس والحِكَم الكامنة وراءها. فالأحداث التاريخية والقصص القرآنية إنما تُروى لإيقاظ الضمائر، ولفت الإنسان إلى دوره ومسؤوليته، وبيان أثر اختياراته وأعماله في مصيره ومصير سائر الناس، لا لكي نتعامل معها بوصفها مجرد حكايات تُروى قبل النوم، ثم نمضي إلى نوم هادئ خالٍ من الهموم.

وقد سبق أن بيّنّا، عند الحديث عن دور الشريعة في تكوين الأمة، أن المجتمع إذا افتقر إلى منظومة من الأحكام والقوانين والتعاليم الإلهية في إطار شريعة واضحة، لم يكن قادرًا على تحقيق الحياة الإلهية والعيش الإنساني السليم. وكانت أمة نوح عليه السلام من أوائل المجتمعات البشرية التي تولّى نوح عليه السلام فيها مسؤولية تعليم الناس كيفية تلقّي الشريعة والالتزام بأحكامها. ومن هنا، تمثّل دور نوح عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية في وضع اللبنات الأولى لأسس الثقافة التوحيدية وترسيخ قبول الأحكام والشريعة في مجتمع كان من أكثر المجتمعات والأقوام عنادًا ومقاومةً للهداية. وكان قيامه بهذه الخطوات الأولى في سبيل بناء الحضارة الإلهية مهمة شاقة للغاية، وجديرة بالتقدير والإشادة.

من المهم الالتفات إلى أن شريعة نوح عليه السلام كانت متناسبة مع البنية الفكرية والاجتماعية البدائية للناس في عصره، ولم تكن البشرية آنذاك قد بلغت المعايير والظروف اللازمة لإقامة الحضارة الإلهية التي أرادها الله تعالى في صورتها المتكاملة. ولذلك، كانت تلك الشريعة البسيطة والأولية بحاجة إلى أن تتكامل وتنضج على مدى سنوات طويلة من خلال جهود الأنبياء الذين جاؤوا من بعده. ومع ذلك، فإن الحركة التي بدأها نوح عليه السلام كانت نقطة الانطلاق في المسار المؤدي إلى الحضارة الإلهية الموعودة، حيث كان إدراك طبيعة هذه البداية وفهم دلالاتها أمرًا ضروريًا لكل من يرغب في فهم مسيرة بناء الحضارة الإلهية.

وتكمن في قصة نوح عليه السلام، وفي دراسة دوره في بناء الحضارة الإلهية، دروس وعبر مهمة يمكن أن تكون نورًا يهتدي به أولئك الذين يريدون أن يسهموا في بناء الحضارة الإلهية العالمية الموعودة، وأن يؤدوا دورًا في إقامة الدولة الكريمة في آخر الزمان. ومن أبرز هذه الدروس ما يأتي:

  • فهم المستقبل والإيمان به

اختلف دور نوح عليه السلام في بناء الحضارة الإلهية عن أدوار الكثير من الأنبياء من بعض الجهات. فقد كان يدرك جيدًا أن الظروف القائمة في عصره لم تكن تسمح بإقامة حضارة إلهية متكاملة بصورة مطلوبة. ومع ذلك، كان من أهم ما منحه القدرة على مواصلة حركته، وما أمدّه وأتباعه بالدافع للاستمرار، وعيه بالمستقبل وإيمانه بإمكان تحققه.

فقد تحمّل نوح عليه السلام سنوات طويلة من عناء الهداية، والإهانة، والسخرية، والوحدة، وصنع السفينة، وغيرها من المشاق، مؤمنًا بأن ما يقوم به يمثل خطوة في طريق بناء مستقبل مُشرق للإنسان. وكان يتحرك انطلاقًا من يقين قلبي بأن الصراع بين الخير والشر قائم منذ بداية خلق الإنسان وإلى يوم ظهور المنقذ الموعود، وأن جميع الذين يقفون في جبهة التوحيد ويجاهدون في مواجهة الكفر، من بداية هذا الصراع إلى ظهور المنقذ، ينتمون إلى جبهة واحدة ويؤدون دورهم بوصفهم جنودًا في جيش واحد، وإن تباعدت الأزمنة وتعاقبت الأجيال.

  • ضرورة وجود أتباع صالحين ومطيعين ومؤمنين بالنبي والإمام والقائد

لا يقتصر التأمل في هذه القصة العظيمة على دراسة دور نوح عليه السلام بوصفه نبيًا إلهيًا وقائدًا متخصصًا، بل إن موقف أتباعه القلائل وما قاموا به يستحق كذلك قدرًا كبيرًا من التحليل والتأمل. فكما أن وجود قيادة متخصصة ومعصومة أمر ضروري في تكوين الأمة الإلهية، فإن وجود أتباع صالحين ومطيعين لا يقل أهمية وضرورة. والمقصود بالأتباع الصالحين أولئك الذين يثقون بقائدهم ثقةً راسخة، ويكونون على استعداد كامل، فكريًا وعمليًا، للامتثال لتوجيهات القيادة الإلهية والانقياد لها. فقد كان صنع السفينة في أرض جافة لا ماء فيها يبدو أمرًا مثيرًا للسخرية وغير منطقي في نظر الناس، إلا أن هذا الأمر كان في الوقت نفسه ميدانًا لاختبار عظيم لإيمان أتباع نوح عليه السلام وثقتهم بقيادته.

وبوجه عام، فإن مسيرة بناء الحضارة الإلهية مسيرة شاقة ومتقلبة، مليئة بمنعطفات وابتلاءات. وكل من يدّعي الإيمان بهذا الطريق لا بد أن يجتاز اختبارات وابتلاءات كثيرة، حتى يتبيّن في نهاية المطاف مدى أهليته لأن يُكتب اسمه في صفوف جبهة التوحيد، وأن يكون له نصيب حقيقي في مسيرة إقامة الحضارة الإلهية.

  • عدم قيام مسار بناء الحضارة الإلهية على المعجزات

من أهم الحقائق التي تكشف عنها مسيرة بناء الحضارة الإلهية أن هذه المسيرة لا تقوم على المعجزات ولا على انتظار التدخلات الخارقة، بل أراد الله تعالى أن ينهض الإنسان نفسه بمسؤولية هذا التحرك المقدس، وأن يبذل ما في وسعه من جهد وسعي في سبيل تحقيقه. أما المعجزات الإلهية، فإنها تأتي بعد أن يثبت المخلصون، من بناة الحضارة، صدق نياتهم وأقوالهم وأعمالهم الصالحة، فتأتي العناية الإلهية لتأييدهم ونصرتهم وتذليل العقبات أمامهم. ومن أبرز الشواهد على ذلك ما وقع في قصة نوح عليه السلام؛ فقد استقرت سفينته، بأمر الله تعالى، على جبل في خضم الطوفان العظيم الذي غمر الأرض وأهلك المكذبين، فكانت وسيلةً لنجاة الموحّدين من العذاب والهلاك، ومن خلالها استؤنفت مسيرة الحياة الإنسانية على الأرض.

  • ضرورة السنخية القلبية بين الأتباع وقادتهم الإلهيين في مسيرة بناء الحضارة

تُعدّ السنخية بين القائد وأتباعه من أهم مقومات النجاح في مسيرة بناء الحضارة الإلهية، وفي هذا الطريق المتشعب والمليء بالابتلاءات، لا يستطيع أن يواصل المسيرة بثبات، وأن يكون جزءًا من حزب الله ومن بناة الحضارة الإلهية، إلا من بلغ قلبه ونفسه قدرًا مناسبًا من السنخية مع إمامه وقائده الإلهي.

أما من يفتقر إلى هذه السنخية، فإنه قد يتخلّف عن الركب ويحرم من سفينة النجاة التي تمثلها الحضارة الإلهية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في أحد الأحداث المرتبطة بمسيرة نوح عليه السلام ودوره في بناء الحضارة؛ إذ إن ابنه كنعان، على الرغم من شفاعة أبيه النبي له، لم يتمكن من النجاة من العذاب، لافتقاره إلى السنخية القلبية مع أبيه، فغرق في الطوفان وهلك مع الهالكين.

 

[1] . جويري، محمد، كليات قصص الأنبياء، طهران، إسلامية، 1384هـ.ش، ص 46.

[2] . العنكبوت: الآية 14؛ نوح: الآية 23.

[3] النجم: الآية 52؛ الذاريات: الآية 46؛ هود: الآية 32.

[4] .  هود: الآية 36.

[5] . نوح: الآية 26.

[6] . الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، 1415هـ، ج 10، ص 139-140.

[7] . المصدر نفسه، ص 131.

[8] . هود: الآية 37.

[9] . المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 11، ص 335.

[10] . الدميري، محمد بن موسى، حياة الحيوان الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 415؛ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليهم السلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 65، ص 415.

[11] . هود: الآية 40؛ التويـسركاني، محمد نبي بن أحمد، لئالي الأخبار، قم، العلامة، 1413هـ، ج 5، ص 454.

[12] . هود: الآية 44.

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.