فلسفة التاريخ ومكانة المسيح عليه السلام في منظومة الحضارة التوحيدية
لقد جرى بناء الحضارة الإلهية ذات الأفق العالمي عبر امتداد التاريخ البشري، وفق مسارٍ منتظم وحكيم ومحكم؛ إذ اقتضت السنن الإلهية الثابتة أن يضطلع الأنبياء العظام والأوصياء الإلهيون، كلٌّ في مرحلته التاريخية وظرفه الحضاري الخاص، بحمل أمانة الهداية، وأداء دورٍ استراتيجي في الارتقاء بالوعي التوحيدي للمجتمع، تمهيدًا لانتقال راية النبوة والوصاية إلى الرسول والهادي الذي يليه.
وفي إطار هذه الشبكة المتصلة من الأدوار الحضارية، احتلّت رسالة النبي عيسى المسيح عليه السلام، بوصفه رابع الأنبياء أولي العزم، موقعًا استثنائيًا ومفصليًا في مسار التحول الحضاري والتاريخي للبشرية.
فقد اضطلع عليه السلام، من جهة، بمهمة التصدي لشبكة النفاق المنظّم، وما طرأ على التعاليم الدينية من تحريفات ذات نزعة مادية على أيدي الأحبار والفريسيين من اليهود، والعمل على تنقية الشريعة الموسوية مما علق بها من رواسب البدع والانحرافات؛ ومن جهة أخرى، أُوكلت إليه مهمة تهيئة البنية الفكرية والروحية والمعرفية للمجتمع، تمهيدًا لبعثة خاتم الأنبياء، الرسول المؤسس للحضارة الإلهية العالمية، ولتحقق الدولة العالمية الموعودة.
وتتجاوز تعاليم النبي عيسى عليه السلام حدود الجغرافيا وقيود الأزمنة التاريخية، لتقدّم أساسًا متينًا لإرساء نظامٍ حضاري يقوم على دعائم العدل والروحانية والسلام الحقيقي. وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا البحث بصورة شاملة مسار تطور الرسالة العيسوية، ووظيفة المعجزات في منظومتها الدعوية والحضارية، وتاريخ تدوين النصوص المقدسة، فضلًا عن دراسة الانحرافات التي طرأت على الشريعة المسيحية، وتحليل جذورها ومظاهرها وآثارها التاريخية.
الولادة الإعجازية وخصائص عصر الرسالة
تزخر شجرة النسب والبيئة التي أحاطت بولادة النبي عيسى عليه السلام بدلالاتٍ عميقة في مجال معرفة الإنسان، وبجملةٍ من الابتلاءات الإلهية التي شكّلت جزءًا من مسار رسالته وموقعه التاريخي. فقد كانت أمّه الكريمة، مريم عليها السلام، ابنة عمران، ومن سلالة النبي سليمان عليه السلام، امرأةً مصطفاةً طاهرةً اصطفاها الله وكرّمها.
وقد بشّرتها ملائكة الوحي بأن الله سيهب لها غلامًا، مع كونها عذراء لم تتزوج ولم يمسسها بشر. وكان هذا الأمر، في سياق المجتمع آنذاك، ابتلاءً بالغ الشدة، ومصدرًا لأقسى أنواع الاتهام والأحكام الاجتماعية الجائرة. وبأمرٍ من الله، اعتزلت مريم عليها السلام إلى مكانٍ قصيّ في نواحي الناصرة، وحين حان وقت الولادة، لجأت إلى موضعٍ خالٍ بعيدًا عن الناس. وفي ذروة الغربة والخوف، تجلّت ألطاف الحق ومددُه الغيبي؛ فانفجرت من تحت قدميها عينٌ من الماء العذب، وأثمرت لها النخلة اليابسة رطبًا جنيًا بفضل العناية الإلهية[1].
ثم صدر إليها الأمر الإلهي بالإمساك عن مخاطبة الناس، وإحالة الجواب عن الاتهامات الموجّهة إليها إلى وليدها؛ فكان ذلك امتحانًا لبصيرة بني إسرائيل، وكشفًا عن مدى استعدادهم لتقبّل آيات الله الخارقة للسنن المألوفة. وحين وجّه أهل المدينة طعونهم واتهاماتهم إلى طهارة مريم عليها السلام، تكلّم عيسى عليه السلام في المهد بإعجازٍ إلهي، فصرّح بمقام العبودية لله، وأخبر بإيتائه الكتاب، وباصطفائه للنبوة، وأكد ضرورة إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإحسان إلى أمّه.[2]
وقد أعلن النبي عيسى عليه السلام رسالته العامة في سنّ الثلاثين، غير أن الواقع الاجتماعي والديني الذي أحاط ببعثته كان يختلف اختلافًا جوهريًا عن المراحل المقال السابقة. فقد كان النبي موسى عليه السلام يواجه جهل الجماهير وسذاجة بني إسرائيل، في حين وجد المسيح عليه السلام نفسه أمام شبكةٍ معقدة ومنظّمة، ذات طابعٍ أرستقراطي، من الأحبار والكتبة والحاخامات الذين غلبت عليهم النزعة المادية والانحراف عن حقيقة الدين. وكانت من أبرز التيارات الدينية المؤثرة في الحياة الدينية آنذاك طائفة الفريسيين. فقد عمد علماؤها إلى التمسك بظاهر الشريعة، مع إفراغها من مضامينها الباطنية وتحريف مقاصدها، وتمكنوا من بناء نفوذٍ داخل أروقة السلطة الرومانية، حتى غدت الديانة في بعض ممارساتهم وسيلةً لترسيخ المصالح الدنيوية والنفوذ الاجتماعي.
وكانوا قد اطّلعوا على أوصاف النبي الموعود وعلاماته في التوراة التي لم تكن قد طالتها يد التحريف، وكانوا على علمٍ بصدق دعوى عيسى عليه السلام؛ غير أن نزعتهم إلى الدنيا، وارتباط مصالحهم بالنفوذ والسلطة، حملتهم على مواجهة دعوته بالتكفير والتكذيب، ثم السعي إلى تشويه شخصيته والنيل من مكانته، وصولًا إلى محاولة القضاء عليه جسديًا.
وبسبب هذه الضغوط الممنهجة، ظلّ النبي عيسى عليه السلام في حالةٍ دائمة من الارتحال والتنقّل، حتى إنّ بعض النصوص التاريخية والروائية وصفته بالنبيّ المفقود الأثر، وبالسائح في سبيل الله.[3] ولم تدم مرحلة حضوره العلني واضطلاعه المباشر بالرسالة إلا فترةً وجيزة، تُقدَّر بنحو ثلاث إلى سبع سنوات؛ وهي مرحلةٌ مكثّفة سخّرها بأسرها لهندسة مسار الهداية، وتربية النواة الأولى من الكوادر، ومواجهة شبكة النفاق.
المؤشرات الحضارية في سيرة النبي عيسى عليه السلام وتعاليمه
تنطوي السيرة العملية والمدرسة الفكرية للنبي المسيح عليه السلام على جملةٍ من المبادئ الاستراتيجية الكفيلة ببناء مجتمعٍ يقوم على العقلانية والروحانية والعدالة. ومن ثمّ، فإنّ الوقوف على هذه المقوّمات واستيعابها يُعدّ ضرورةً لروّاد مشروع بناء الأمة الواحدة ذات الأفق الحضاري.
محورية الشريعة، وأصالة التوحيد، ونفي الإباحيّة
إنّ الأساس الذي تقوم عليه كل حضارةٍ راقية، إنما يتمثّل في ابتنائها على شريعةٍ راسخة، منضبطة، ومستندة إلى الخطاب الوحياني. وقد كان النبي المسيح عليه السلام يؤكد مرارًا أنّه لم يُبعث لإبطال التوراة أو نقض أحكامها، وإنما جاء لتثبيت الأحكام الإلهية واستكمال مسارها. وفي منظومته الفكرية الأصيلة، كان الالتزام بالشريعة هو المعيار الذي يُقاس به علوّ شأن الإنسان وكرامته في محضر الله تعالى.
وكان دين المسيح عليه السلام هو بعينه دين النبي موسى عليه السلام؛ وأما التغييرات الجزئية التي طرأت على بعض الأحكام، فلم تكن خروجًا عن أصل الشريعة، وإنما جاءت استجابةً لتحولات العصر، وإلغاءً لبعض القيود والمحرمات ذات الطابع التأديبي التي فُرضت على بني إسرائيل.[4]
استراتيجية الخاتمية وتهيئة العقول للرسالة الختامية
تمثّلت إحدى أبرز الوظائف الأساسية في رسالة النبي عيسى عليه السلام في نقل التاريخ من مرحلة الشرائع المحدودة بالأطر القومية إلى أفق الشريعة العالمية الخاتمة. فقد كان من مقتضيات رسالته أن يهيّئ القدرة الذهنية والاستعداد الفكري لدى المجتمع لإدراك حقيقة «الخاتمية». ويكشف تصريح القرآن الكريم ببشارة عيسى عليه السلام برسولٍ يأتي من بعده اسمه «أحمد»[5] عن المكانة المحورية التي احتلتها هذه المهمة الحضارية في خطابه وسيرته.[6]
تعزيز البصيرة في الفتن وتمييز الحق من الباطل
إنّ اختلاط الحق بالباطل، واحتدام الأجواء الملبّدة بالنفاق، من التحديات التي تكاد ترافق مسيرة الأمم ذات المشروع الحضاري. ففي عصر النبي المسيح عليه السلام، كان المنافقون من الفريسيين يلبسون الباطل ثوب المظاهر الدينية، فيحرّفون الحقائق ويقدّمونها للناس في صورةٍ تخالف حقيقتها. ولم يكن بمقدور من آمن بالمسيح عليه السلام أن يبلغ حقيقة الإيمان ما لم يتجاوز أسر السطحية، ويرتقي إلى مستوى البصيرة، ويمتلك القدرة على تمييز الحق من الباطل وفق معايير واضحة.
ومن هنا، فإنّ بناء الحضارة التوحيدية، في مختلف العصور، يظلّ مرهونًا بقدرة الناس على اجتياز الفتن دون أن تلتبس عليهم الحقائق، مستضيئين بنور البصيرة، وقادرين على التمييز بين ما يبدو حقًّا وما هو حقّ في حقيقته.
معرفة تيارات التحريف، ومواجهة الغلو، وتنقية العقيدة
إنّ تحريف المعارف الإلهية، والغلوّ في شأن القادة والمرجعيات الدينية، من أخطر الآفات التي فتكت بمسيرة الحضارات وأجهضت إمكاناتها التوحيدية عبر التاريخ. وفي سياق رسالة النبي المسيح عليه السلام، عمدت فئةٌ إلى نسبة الألوهية والبنوّة الإلهية إليه، فشوّهت بذلك معالم التوحيد الخالص وأصابت بنيته العقدية في الصميم. وقد ظلّت سيرة النبي عيسى عليه السلام قائمةً على ترسيم حدودٍ واضحة وحاسمة مع الغلاة، وعلى التأكيد المستمر على مقام العبودية المحضة لله تعالى؛ كما عبّر عن ذلك قوله: «مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ».[7]
تربية النواة المركزية وضرورة الارتكاز على الأنصار الملتزمين
لم يكن بمقدور أيّ قائدٍ في تاريخ بناء الحضارات أن يمضي بأهدافه الإلهية قدمًا من دون شبكةٍ من المؤمنين والمجاهدين المتّحدين معه في الرؤية والغاية. وفي سيرة النبي عيسى عليه السلام، يبرز الدور المحوري للاثني عشر من تلامذته وأنصاره المختارين، المعروفين بـ«الحواريين». وقد جسّدت هذه النواة المركزية، بما أبدته من وفاءٍ وتسليمٍ للأوامر الإلهية، نموذجًا رائدًا في إعداد الكوادر اللازمة لإقامة الدولة الكريمة؛ وهو مبدأٌ جوهري يكشف أنّ تشكّل أيّ منظومة حضارية يظلّ متعذّرًا ما لم تسبقْه نشأة نواةٍ مؤمنة، عميقة الالتزام، ومستعدّة للبذل والتضحية.[8]
المقاومة الفاعلة للاستكبار والنفاق والأرستقراطية الدينية
لم تعرف سيرة النبي عيسى عليه السلام مجالًا للمساومة مع البنى الظالمة والمؤسسات الدينية المرتبطة بها. فقد كشفت مواجهته عليه السلام لأرستقراطية أحبار اليهود، وللدوائر الحاكمة في البلاط الروماني، عن أنّ بلوغ الحضارة المنشودة في المنظور الإلهي يقتضي مواجهةً صريحةً وكاشفةً لشبكات الكفر والنفاق المستتر، وعدم الاكتفاء بالتعامل السطحي مع مظاهرها.
تعزيز الأخلاق الاجتماعية، وترسيخ وحدة الأمة، وتوثيق الروابط الإنسانية
أسهم النبي المسيح عليه السلام، من خلال إحياء مفاهيم المحبة والرحمة والعفو والاحترام المتبادل، في إرساء الأسس الأخلاقية والمدنية للحضارة وترسيخ دعائمها. وقد أعادت تعاليمه صياغة طبيعة الروابط بين أفراد المجتمع الإنساني، ومهّدت لتأسيس بيئةٍ قوامها المسالمة والتعايش والتعاون الاجتماعي؛ وهي مبادئ لا غنى عنها، إذ إنّ أيّ تنظيمٍ حضاري يفتقر إليها سرعان ما يكون عرضةً للتفكك والانهيار.
الوظيفة المعرفية والحضارية لمعجزات النبي عيسى عليه السلام في مواجهة الحرب المعرفية
لم تكن معجزات النبي عيسى عليه السلام مجرد وقائع خارقة للعادة تستهدف إثارة الدهشة، بل حملت وظيفةً معرفيةً وحضاريةً عميقة، إذ جاءت لتقويض الهيمنة الفكرية التي فرضها أحبار اليهود، وإعادة توجيه قلوب المستضعفين نحو التوحيد الخالص. ففي ظرفٍ كان فيه علماء الدين الفاسدون يكفّرون المسيح عليه السلام، ويشنّون حربًا معرفيةً تستهدف تضليل الناس وإرباك وعيهم، جاءت الآيات البيّنات الإلهية لتكسر قيود الجمود والتحجّر، وتعيد للحق قدرته على النفاذ إلى العقول والقلوب
ملاءمة المعجزة للفضاء العلمي والحضاري للعصر
وفقًا للسنّة الجارية في تاريخ الأديان، كانت معجزات الأنبياء تأتي متناسبةً مع مقتضيات العصر، ومع الصناعات والعلوم التي بلغ المجتمع فيها درجةً من التقدّم والتميّز. وفي تلك المرحلة، كانت صناعة التماثيل والفنون البصرية، من جهة، والمهارات والعلوم الطبية، من جهة أخرى، تحظى بمكانةٍ بارزة. ومن ثمّ، جاءت معجزات النبي عيسى عليه السلام لتستهدف تحديدًا موطن الاعتزاز البشري في تلك المجالات، وتكشف حدود القدرة الإنسانية أمام القدرة الإلهية المطلقة:
- خلق الطير من الطين: إذ كان يصنع من الطين هيئةً كهيئة الطير، ثم ينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله؛ وبذلك تتجلّى عجز أبرز النحّاتين وأمهر صانعي التماثيل في عصره أمام القدرة الخلّاقة لله تعالى.[9]
- إبراء الأكمه والأبرص: فقد مثّلت قدرته على شفاء الأعمى منذ ولادته، والمصاب بالأمراض الجلدية المزمنة، تحدّيًا واضحًا لما بلغته المعارف والمهارات الطبية في عصره.
- إحياء الموتى: كان إحياء الموتى بإذن الله أعمق تجلّيات خرق المألوف، وأوضحها دلالةً على السلطان المطلق لله تعالى على نظام الموت والحياة.
- الإخبار بالغيب وإنزال المائدة السماوية: فقد كان يخبرهم بما يدّخرونه في بيوتهم، كما طلب الحواريون نزول مائدةٍ من السماء تثبيتًا لليقين في قلوبهم.[10]
وتكتسب هذه الدلالات ضرورتها من أنّ إثبات نبوة عيسى عليه السلام كان مقدمةً لتصديق رسالة النبي الخاتم وقبول الحاكمية النهائية للمنجي من ذريته؛ إذ لو لم تثبت أصل نبوّة عيسى عليه السلام، لفقدت بشاراته المتعلقة بالخاتمية أثرها وحجيتها.
ومع ذلك، عمد فريقٌ من الناس، بدلًا من إرجاع هذه الأفعال إلى إذن الله تعالى ومشيئته، إلى الوقوع في الغلو، ونسب إلى المسيح عليه السلام مقام الألوهية. وتبقى أمتن الشواهد الروائية والتاريخية على حقيقة هذه المعجزات هي البيانات الصريحة التي تضمّنها القرآن الكريم؛ أما الدعاوى الغالية أو التناقضات الواردة في بعض الكتب التي تعرضت للتحريف، فلا تتمتع باعتبارٍ يمكن التعويل عليه.
الإخفاق في مؤامرة بني إسرائيل وحقيقة العروج
أدّى تضييق الخناق على المصالح غير المشروعة لأحبار بني إسرائيل، في نهاية المطاف، إلى دفعهم نحو اتخاذ قرارٍ حاسم بالقضاء الجسدي على النبي عيسى عليه السلام. وفي خضمّ ذلك، كشف أحد المتسللين أو الجواسيس عن مخبئه. وتذهب الرواية السائدة في الأدبيات التاريخية للمسيحية المعاصرة إلى أنّ المسيح عليه السلام أُلقي القبض عليه ثم صُلب؛ غير أنّ النصّ الصريح للقرآن الكريم، والروايات المتواترة عن أهل البيت عليهم السلام، يؤكدان أنّهم لم يفلحوا قط في قتله أو صلبه، وإنما أُخذ شخصٌ آخر أُلقي عليه شبهه، فاعتُقل وقُتل، والتبس الأمر عليهم: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ … بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ».[11]
وبإذن الله تعالى، عرج النبي عيسى عليه السلام إلى السماوات على مرأى من أصحابه الخواص. ووفقًا للرؤية الشيعية، لا يزال عليه السلام حيًّا، وسيعود بوصفه ذخيرةً إلهية ذات وظيفة حضارية، في زمن قيام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وسيقتدي بالإمام الموعود في الصلاة، ويستكمل رسالته الحضارية في نشر التوحيد على الصعيد العالمي، في ركاب الإمام المنتظر.[12]
دراسة تيارات النصوص المقدسة؛ من حقيقة «الإنجيل الإلهي» إلى نشأة «العهد الجديد»
من الفوارق الأساسية بين رسالة النبي عيسى عليه السلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله ورسالة النبي موسى عليه السلام، اختلاف الكيفية التي جرى بها تدوين الكتاب السماوي وحفظه واستمراره عبر التاريخ. فبحسب الاعتقاد الإسلامي، أُنزل على عيسى عليه السلام كتابٌ حقيقي من عند الله تعالى، عُرف باسم «الإنجيل»، وكان مشتملًا على الأحكام والمواعظ ونور الهداية.[13] غير أنّ هذا الكتاب، بخلاف القرآن الكريم الذي كُتب وصِين بالتزامن مع نزول الوحي، لم يُدوَّن في صورة كتابٍ واحد في عهد عيسى عليه السلام، وإنما نُقلت تعاليمه شفهيًا من جيلٍ إلى جيل بعد عروجه. أما النصوص المسيحية المتداولة اليوم، والمعروفة باسم «العهد الجديد»، فقد دُوّنت بعد عروجه بسنوات، وتتميّز بالخصائص الآتية:
تدوين الأناجيل الأربعة ورسائل الحواريين
تشتمل مجموعة العهد الجديد على سبعةٍ وعشرين كتابًا ورسالة، من بينها الأناجيل الأربعة المعتمدة: متّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، إلى جانب أعمال الرسل، والرسائل المنسوبة إلى الحواريين وبولس، وسفر رؤيا يوحنا. وقد بدأ تدوين أقدم هذه الأناجيل، أي إنجيل مرقس، في ستينيات القرن الأول الميلادي، ثم تلاه إنجيل لوقا ومتّى، واكتمل المسار في أواخر القرن الأول بإنجيل يوحنا. وتغلب على هذه النصوص، خلافًا للوحي المباشر، آثارُ أفكار مؤلفيها، والروايات التاريخية، والنزعة إلى تدوين السيرة والأحداث.
إنجيل متّى: يشتمل على النسب، وقصة الميلاد، وجانب من خطابات المسيح ومعجزاته، مع عنايةٍ خاصة بإبراز تحقق النبوءات القديمة. إنجيل مرقس: وهو أقصر الأناجيل، وقد ركّز بصورةٍ أساسية على الآلام والمعاناة، وعلى ترسيخ تعبير «ابن الله».
إنجيل لوقا: يتناول وقائع الميلاد، ومهمة الحواريين، والمعجزات، والروايات المتعلقة بالصلب والقيامة.
إنجيل يوحنا: يتبنّى مقاربةً لاهوتية وفلسفية عميقة، ويقدّم المسيح بوصفه ذا طبيعةٍ فوق بشرية، وباعتباره الكلمة الأزلية، وقد أصبح أحد المرتكزات الأساسية التي استندت إليها الكنيسة في إثبات «ألوهية» المسيح. وتفتقر كتب العهد الجديد إلى منظومةٍ متكاملة من القواعد القانونية والأحكام العملية؛ ولذلك يجد المسيحيون أنفسهم مضطرين، في مجال استنباط الأحكام والسلوكيات الدينية، إلى الرجوع إلى أسفار «العهد القديم» (التوراة).
إنجيل برنابا ورؤية المسلمين
إلى جانب النصوص الرسمية التي تحظى باعتماد الكنيسة، توجد نصوص أخرى، من قبيل «إنجيل برنابا». وقد رفضت الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية هذا النص، وعدّته من النصوص الأبوكريفية (المنحولة). ومع أنّ إنجيل برنابا يشتمل بدوره على بعض المضامين التي تتعارض مع الرؤية الإسلامية، فإنّه حظي، لما ينطوي عليه في محاور أساسية من انسجامٍ مع جملة من المعتقدات الإسلامية، باهتمامٍ أكبر لدى الباحثين المسلمين مقارنةً بالأناجيل الأربعة؛ ولا سيما في رفض عقيدة التثليث، ونفي نسبة البنوة إلى الله تعالى، ورفض واقعة الصلب، والتصريح بالبشارة بمجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وبحسب تحليل علماء الشيعة، فإنّ القسم الأكبر من الإنجيل الأصيل تعرّض للإخفاء أو الإحراق على يد قادة الانحراف، وإن كانت الأناجيل المتداولة لا تزال تحتفظ ببعض الملامح المتصلة بالأخلاق التوحيدية الأصيلة، من قبيل تحريم الرياء، والنهي عن تتبّع عيوب الآخرين، واجتناب الكذب، وتقديم حقوق الناس وصيانتها.
مشروع نفوذ «بولس» والانحطاط الحضاري للمسيحية
يكشف تتبّع التطور التاريخي للشريعة العيسوية عن إمكانية تقسيم تاريخ المسيحية إلى مرحلتين أساسيتين: «المرحلة الأصيلة المقال السابقة لبولس»، و«المرحلة المحرّفة اللاحقة لبولس». فقد كان بولس، المعروف بشاول الطرسوسي، من اليهود المتشددين، ومن أشدّ المعارضين لتعاليم عيسى عليه السلام، ومن المشاركين في اضطهاد الحواريين. ثم ادّعى أنّ نورًا من المسيح قد تجلّى له في طريقه إلى دمشق، وأنّه تلقّى تكليفًا بالتبشير. ومن خلال دخوله المنظّم إلى المجتمع المسيحي، اضطلع بولس عمليًا بدور المؤسس الثاني للمسيحية، وأقدم على مزج الشريعة التوحيدية بمعتقدات وثنية متأثرة بالديانات الوثنية، ومنها الميثرائية والأساطير اليونانية والرومانية.
ومن أبرز الإجراءات والانحرافات الأساسية التي نُسبت إلى بولس ما يأتي:
- تأسيس نظرية «النعمة» وإلغاء الشريعة: أعلن بولس أنّ الإنسان لا ينال الخلاص بالأعمال الصالحة والالتزام بأحكام الشريعة، وإنما النجاة والفلاح هبةٌ و«نعمةٌ إلهية مجانية» لا تتحقق إلا من خلال الإيمان بالمسيح واعتبار دمه كفّارةً عن الخطايا. وبذلك أُقصيت الأحكام العملية والتكاليف الإنسانية إلى هامش المنظومة الدينية.
- إضفاء الألوهية والترويج لنظرية الفداء (كفّارة الخطايا): زعم بولس أنّ المسيح هو ابن الله الوحيد الذي تجسّد، ومات على الصليب ليكون فديةً وكفّارةً عن الخطيئة الأولى لآدم وعن عصيان الإنسان. وقد أفضى هذا التصور، بحسب الرؤية الإسلامية، إلى تقويض التوحيد الخالص وإحلال عقيدة التثليث محلّه.
- ادّعاء تلقّي الوحي المباشر: سعى بولس، من أجل إسقاط حجية الحواريين الحقيقيين الذين كانوا حملة السنّة الشفوية لعيسى عليه السلام، إلى الادعاء بوجود صلةٍ روحية مباشرة بينه وبين المسيح بعد عروجه، ثم قدّم تعاليمه المستحدثة على أنّها كلام الله.
- تأمين مصالح تيار النفوذ اليهودي: أدّى إلغاء الشريعة وحذف الأحكام الاجتماعية، وفق هذا التحليل، إلى تحويل المسيحية من دينٍ مناهض للظلم والاستكبار، ومنادٍ بالعدالة وقادر على تقويض أسس الأرستقراطية الفاسدة، إلى مذهبٍ فردي منزوع الفاعلية، ومستسلم أمام الطواغيت. وبذلك أُخرجت المسيحية عن مسارها الأصيل في بناء الحضارة الإلهية، وأصبحت أكثر قابليةً للانقياد أمام أهداف مراكز التخطيط التي عملت على تحريف تعاليمها.
إعادة قراءة سيرة المسيح عليه السلام في أفق أمة آخر الزمان
تكشف القراءة الشاملة لتاريخ رسالة النبي عيسى عليه السلام أنّ بناء الحضارة الإلهية يمثل مسارًا متصلًا، يبدأ من محورية الشريعة، ويمتد عبر إعداد النخب والكوادر المؤمنة ومواجهة شبكات النفاق المرتبطة بالمصالح المادية، وينتهي غايته بالاتصال بالاستراتيجية الخلاصية المتمثلة في «الخاتمية». أما الانحرافات التي تسللت إلى بنية هذا الدين بعد عروج المسيح عليه السلام، عبر نفوذ شخصيات من قبيل بولس، فتمثل تحذيرًا دائمًا من أنّ صيانة الحدود العقدية والالتزام بولاية الحق يشكّلان الأساس الكفيل باستمرار الحياة الحضارية وصون مسارها.
وتمثّل عودة المسيح الموعود عليه السلام في عصر الظهور، واصطفافه إلى جانب المنقذ الأعظم، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، خاتمةً لهذه الانحرافات التاريخية وتجليًا متجددًا لحقيقة الدين التوحيدي. وإنّ السيرة التي رسمها النبي عيسى عليه السلام في تمحيص الأنصار، ومواجهة النزعة الدنيوية لدى أهل النفاق، وتنقية العقيدة من التحريفات، والتبشير بالدولة الكريمة، تمثّل في جوهرها ميثاقًا استراتيجيًا لتربية الإنسان القادر على الإسهام في بناء الحضارة، وسلوك الطريق نحو تأسيس الحضارة الإسلامية الجديدة في عصر الغيبة.
[1] . مقتبس من الآيات 23 إلى 26 من سورة مريم
[2] . سورة مريم، الآيات 30 إلى 32.
[3] . بحار الأنوار، ج 14، باب أحوالات وقصص المسيح.
[4] . آل عمران: 50؛ الميزان في تفسير القرآن، ج 3، ذيل الآية.
[5] . مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ»؛ الصف: 6.
[6] . كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص 159.
[7] . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ»؛ المائدة: 117.
[8] . فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ»؛ آل عمران: 52.
[9] . آل عمران: 49
[10] . المائدة: 112–115.
[11] . النساء: 157
[12] . کمالالدین، ص ۲۸۰ و ۳۳۰؛ بحارالانوار، ج ۵۲، ص ۱۸۱
[13] . وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ؛ المائدة: 46
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.