مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
الإنسان، الإمام، والسعادة الأبدية
حول الدرس

جهود رسول الله(ص) في بناء الحضارة ودوره في تأسيسها

لم يكن النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيَّ الرحمة والهداية للمسلمين فحسب، بل كان مؤسّس حضارة عظيمة وإلهية، قامت دعائمها على التوحيد والعدل والأخلاق. وقد تجاوز دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة مجرّد كونه قائداً دينياً، ليكون مهندساً للمجتمع والسياسة والثقافة؛ إذ وضع إطاراً متكاملاً مهّد به الطريق أمام تقدّم الأمّة الإسلامية وارتقائها.

يتناول هذا المقال الأبعاد المختلفة لدور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة الإسلامية وتطويرها. فمن توحيد المسلمين واتحادهم، بوصفه الأساس لهذه الحضارة، إلى سيادة القانون وإرساء النظام الاجتماعي اللذين شكّلا أساس المجتمع المتحضّر، كلّ ذلك من أبرز إنجازاته الفريدة. كما أنّ مواجهة العوامل الداخلية والخارجية التي تؤدي إلى ركود الحضارة الإسلامية، وتحرير الناس، وتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال لجبهة التوحيد، وتعزيز عزة نفس الموحّدين، كلّها تُعدّ من المبادئ الأساسية لهذه الحضارة الإلهية، وقد رسّخها النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المجتمع من خلال قيادته الحكيمة.

ويُعدّ التوحيد المرتكز إلى الشريعة، وضرورة تحصيل العلم والمعرفة، وعدم المساومة مع الظالمين والكافرين، وأهمية الكثرة والاجتماع، والقيم السامية كالهجرة والصبر والثبات، من المكوّنات الأساسية الأخرى لهذه الحضارة، التي يتناولها هذا المقال.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الحضارة الإلهية، بكلّ ما تشتمل عليه من أبعاد إلهية وإنسانية، تطرح نموذجاً فريداً للحضارة العالمية الجديدة في آخر الزمان وفي عصر المنقذ الموعود (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). وهي حضارة يمكنها، في أرقى درجات تكاملها، أن تهيّئ الأرضية لتحقّق تطلّعات العدالة والسلام والسعادة للبشرية جمعاء.

يهدف هذا البحث إلى التعريف بدور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة، وبيان المكانة الفريدة للنبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تشييد حضارة لا تزال قادرة على أن تكون مصدر إلهام وهداية للمجتمعات البشرية في مسيرتها نحو العدالة والسلام والتقدّم، وأن تكون منارة تهدي الطريق إلى الحضارة العالمية الجديدة في عصر الظهور.

دروس حضارية من سيرة النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

إنّ سيرة النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بوصفه نموذجاً إلهياً في بناء الحضارة، حافلة بالدروس الحضارية والأهداف المرتبطة ببناء الحضارة. ومن جملة هذه الدروس، في مسيرة التعرّف إلى دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة، يمكن أن نشير إلى ما يلي:

التوحيد المحوري القائم على الشريعة

يمكننا أن نقول بكلّ جرأة إنّ الفكر التوحیدي هو الركن الأول والأكثر تأثيراً من أركان الحضارة الإلهية، ولا سيّما في الحضارة الإسلامية؛ فقد خطا النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أولى خطوات بناء هذه الحضارة، رافعاً شعار التوحيد: «لا إله الا الله». وكان يعلم أنّ جذور الضعف والفراغ واليأس تُقتلع بالعقيدة التوحيدية، وأنّ الحيوية والفلاح في الدنيا والآخرة يتحققان من خلال جعل التوحيد محوراً للحياة.

لقد علّم النبيّ الأكرم التوحيد دائماً، قولاً وعملاً، وكان هذا التعليم منذ البداية متجسّداً في الالتزام بالتعاليم والأحكام والقوانين الدينية. فلا يمكن لأيّ حضارة أن تسلك طريق تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة من دون الالتزام بالقوانين الإلهية والتعهّد بها، ولم تكن الحضارة الإسلامية استثناءً من هذه القاعدة.

سيادة القانون

كان النبيّ الأكرم قائداً المتقدماً بجميع جوانب إدارة الحكم والمجتمع الإنساني، وكان يدرك أهمية وتأثير القانون وسيادته في نموّ المجتمع وازدهاره. ومن خلال وضع القوانين الإلهية والالتزام بالحدود والضوابط المحدّدة على المستويين الفردي والاجتماعي، كان يمنع المجتمع من الانحطاط والانقراض.

ولم يكن النبيّ يميّز في إقامة الحدود الإلهية ومعاقبة المخالفين. فلم يكن الفقير والغني، والصديق والعدو، سواءً بالنسبة إليه فحسب، بل كان كلّ من يخالف تنفيذ القوانين يُعامَل وفق القانون.

الوحدة والاتحاد وروح الجماعة

إنّ وجود جماعةٍ متماسكة، وأمّةٍ متّحدةٍ متآلفة، يُعدّ مبدأً أساسيًّا في نشوء الحضارة. وكان من أوجه دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة أنّه جعل هذا الفكر أصلاً مهماً من أصول حضارته. ومنذ البداية، كان يفكّر في تنظيم الجماعة وتشكيل أمّة متماسكة. وكان يأخذ البيعة من الناس منذ الأيام الأولى بطريقة توحي بأنّهم ينخرطون في مؤسسة كبيرة، وكان العهد العظيم الذي عقده عند دخوله المدينة من جملة الإجراءات المهمة التي اتخذها في هذا السبيل.

وكان هذا الإنجاز، المتمثّل في جمع عناصر متباينة ومتعارضة عرقياً وقومياً وقبلياً في مكان واحد، وتحويل مختلف الأقوام العربية والعجمية، على اختلاف أعراقهم وألوانهم، إلى جماعة واحدة، شاهداً على نجاح النبيّ الأكرم في تشكيل الأمّة ووضع الأسس لحضارة إلهية.

وللتربية دور مصيري في بناء الحضارة. وقد طبّق النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذا المبدأ بأفضل صورة ممكنة. فمن خلال التعليم الصحيح وغرس الأفكار المستمدّة من الفطرة الإلهية للإنسان، نقل الناس من مجتمع يتمحور حول الذات ويقوم على الاستئثار، إلى شعب وأمّة يتحلّون بالإيثار.[1] كما حَوّل (صلى الله عليه وسلم) قوماً كثيري الصراعات، كان التفاخر بالغزو وسفك الدماء من مظاهر اعتزازهم، إلى قوم متحضّرين متآلفين.[2] وكسر خطّ التفرقة، وحوّل الأيدي التي كانت فيما مضى ترفع السيوف في وجه بعضها بعضاً إلى يد واحدة تهوي على العدو. كما أسهم «عقد الاخوة» في توسيع مفهوم الأخوّة والمساواة بين المسلمين، وتمكّن من إزالة الحواجز القائمة على التميّز وطلب التفوّق والامتيازات الأرستقراطية.

مكافحة العوامل الداخلية لركود الحضارة الإسلامية

هناك عوامل ومقدمات كثيرة تؤدّي إلى ركود الحضارات الكبرى وانحطاطها، وإذا لم يعرف قائد الحضارة هذه العوامل، ولم يعمل على رفعها وإبطال أثرها بعلم وبصيرة كافيين، فإنّ سقوط تلك الحضارة أو ابتعادها عن أهدافها الأولى يصبح أمراً حتمياً.

ولا تقتصر العوامل الداخلية التي يمكن أن تهدم الحضارات على الاستبداد والبدع والخرافات والتمييز والتخلّف والطائفية والتبعية وفقدان الذات والدنيوية، بل تشمل أيضًا التفسيرات الخاطئة التي ترسّخت لدى بعض الناس تجاه بعض المفاهيم الإسلامية، والتي أسهمت بدورها في ركود الحضارات الإسلامية.

ومن ذلك، على سبيل المثال، «الزهد» حين يفهمه الناس على أنّه مجرّد الإعراض عن الدنيا ورفضها، أو تفسير «الصبر» بالعجز وترك أيّ محاولة لمعالجة المشكلات، أو تفسير «القدر» على أنّه الجبر، أو فهم الاعتقاد بـ«المعاد» على أنّه الحرمان من جميع نعم الدنيا، وغير ذلك.

إنّ مثل هذه التفسيرات تُسقط الحضارة عاجلاً أم آجلاً، وتقودها إلى الزوال؛ كما عبّر أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) عن نتيجة أمثال هذه التأويلات بأنّها كإسلامٍ أُلبس ثوبه مقلوباً.

وقد استُثمر جانبٌ مهمّ من دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة، بما تضمّنته من برامج ووقت وطاقات، في توضيح هذه المفاهيم وتصحيح الفهم الخاطئ لدى الناس، وإرساء حالة من التوازن في قلوبهم وأعمالهم. كما انصرف جانبٌ كبيرٌ من جهود النبيّ إلى تطهير قلوب المسلمين من مختلف ألوان التلوّث والرذائل، حتى يصبحوا جديرين ومؤهّلين لإقامة الحضارة الإلهية.

مكافحة العوامل الخارجية لركود الحضارة الإسلامية

من أخطر العوامل الخارجية التي تهدّد أمن الحضارات وسلامتها، الأنشطة التخريبية التي يمارسها أعداؤها ضد الثقافة والحضارة الإسلامية. وتتخذ هذه الإجراءات أشكالاً مختلفة؛ فتارةً تأتي في صورة غزو ثقافي، وتارةً في صورة هجمات عسكرية. ومع أنّ كلا النوعين من الهجوم خطير، ويمكن أن يشلّ نبض الحضارة، فإنّ الغزو الثقافي للحضارة الإلهية أشدّ خطراً وأفتك بها.  وقد واجه النبيّ الأكرم المهاجمين والأعداء عسكرياً من خلال تخطيط ذكيّ ومدروس، فأصابهم بالشلل، كما كان، ببصيرته الثاقبة، يرصد كلّ عامل ثقافي أو اعتقادي يشكّل تهديداً من جانب الأعداء، ويسعى إلى مواجهته والتصدّي له.

إرساء النظام الاجتماعي وتعليم الحياة التنظيمية

إنّ التنظيم و العمل المؤسسي هما الأساس الذي تقوم عليه الحضارات وتستمرّ به. وكانت الأمّة والحضارة اللتان سعى النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى تأسيسهما مختلفتين في جوهرهما عن سائر الحضارات. وكان النبيّ قد فكّر في هذا الأمر حتى قبل تأسيس الحكومة، ووضع الخطط لإقامة حكومة تقوم على التنظيم والعمل المؤسّسي.

لذلك، تمثّل أول إجراء تنظيمي اتخذه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا المسار في اختيار النقباء الاثني عشر خلال بيعة العقبة الثانية ليتولّوا مسؤولية الإشراف على الشؤون الإدارية والسياسية للمسلمين في المدينة. بل إنّه وضع لبنة التنظيم المؤسّسي قبل حضوره إلى المدينة. فقد قسّم هؤلاء النقباء مدينة المدينة إلى عدّة أقسام، وتولّى كلّ واحد منهم مسؤولية أحد هذه الأقسام.

الاكتفاء الذاتي واستقلال جبهة التوحيد

ومن الخصائص المهمة الأخرى للحضارة الإسلامية استقلالها واكتفاؤها الذاتي، وهما يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بعزّة النفس. وكان من أوجه دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة نشر هذه الروح وترسيخها في الحضارة الإلهية.

لقد طرح النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكراً جديداً ومدرسةً فريدة، وتمكّن من الوقوف على قدميه من دون الاتكاء على المدارس والمذاهب الأخرى أو تقديم التنازلات للقوى الكبرى؛ لأنّ اتّباع الآخرين والخضوع لهيمنتهم نوع من فقدان الهوية والاستلاب، في حين أنّ هذه الصفة بعيدة عن ثقافة الإسلام والمنهج المحمدي.

وقد استخدم القرآن الكريم في التعبير عن استقامة المسلمين وثباتهم عبارة: «استوى على سوقه»؛ أي «استقاموا على سوقهم وبلغوا كمالهم»، وهي أبلغ تعبير عن سعي المسلمين إلى الثبات والاستقلال وتحقيق الاكتفاء الذاتي.[3]

وبطبيعة الحال، للاستقلال صور وأبعاد مختلفة؛ فالاستقلال الاقتصادي والثقافي والسياسي تمثّل جميعها أوجهاً من أوجه الاستقلال. وقد بذل النبيّ الأكرم كلّ جهده لتوفير هذه الأبعاد جميعاً للأمّة الإسلامية.[4]

كما رفع النبيّ شعار «لا شرقية ولا غربية»،[5] مستلهماً ذلك من القرآن الكريم، في وقت كان معظم الناس يعتقدون أنّه من المستحيل أن يتمكّنوا من الوقوف على أقدامهم ومواصلة حياتهم السياسية من دون الاتكاء على القوى العظمى، كالروم وفارس. لكنّ النظام الإسلامي الناشئ، بقيادة ذلك الرجل العظيم، لم يتشكّل فحسب من دون الاتكاء عليهم أو تقديم التنازلات لهم، بل تمكّن أيضاً من أن يقف في مواجهتهم بوصفه حكومة مستقلة وقوةً يُعتدّ بها، حتى إنّه أرسل سفراءه إليهم لدعوة حكّامهم إلى دينه، وتمكّن بعد فترة قصيرة من التغلب عليهم.

وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسعى كذلك، على الصعيد الثقافي، إلى تحقيق الاستقلال الثقافي الكامل، لكي يتمكّن من نشر الثقافة الإلهية للإسلام من دون الاتكاء على الثقافات الأخرى أو الاقتداء بالأجانب. وكان الله تعالى يبيّن للنبيّ الطريق من خلال آيات القرآن،[6] وقد بلغ هذا الطموح كماله عندما أمر الله تعالى بتغيير القبلة، فانفصلت قبلة المسلمين عن قبلة اليهود.

ولم يكن همّ النبيّ الأكرم واهتمامه منصبّاً على تحقيق الاستقلال السياسي والثقافي فحسب، بل كان الاستقلال الاقتصادي أيضاً من شواغله الكبرى. ولذلك كان يحثّ المسلمين باستمرار على السعي إلى كسب الرزق الكريم، وينهاهم عن الكسل والتبعية الاقتصادية والمالية. وكان من أوجه دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة أن يدفع الناس، بأقواله وأفعاله، نحو الاستقلال المالي، وأن يضع في سبيل ذلك خططاً وبرامج عديدة وينفّذها.

عزّة نفس الموحّدين

من أهمّ مبادئ بناء الحضارة والحفاظ عليها لدى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السعي إلى العزّة والابتعاد الجادّ عن كلّ أشكال قبول الظلم والخضوع له والشعور بالإحباط. وفي الحقيقة، فإنّ عزّة هذا الرجل العظيم أوجدت في أتباعه الصلابة والغيرة، حتى استطاعوا، في أشدّ الظروف قسوة، سواءً في ضيق العطش والجوع في شعب ابی‌طالب، أم في أحداث غزوة أُحد الحزينة، ألّا يخضعوا إلا لله.

إنّ أساس الحضارة الإلهية والإسلامية قائم على عزّة النفس، وكلّ عامل من شأنه أن يُذلّ الإنسان، أو يزرع الخوف في نفسه، أو يسلبه قدرته على المقاومة، أو يشعره بالضعف، إنّما هو أداة بيد العدو لتدمير الحضارات الإلهية تدريجياً أو بصورة مفاجئة.

وكان من أوجه دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة أنّه كان يسعى دائماً، لنفسه وللمسلمين، إلى تحقيق العزّة في الحياة الفردية، والعزّة في السياسة والحياة الاجتماعية؛ ولذلك كان يبذل كلّ جهد ممكن، ويتوسّل بكلّ وسيلة وطريقة لتحقيق هذه العزّة والحفاظ عليها. فالهجرة إلى المدينة، والقتال والثبات في مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين رغم قلّة العدد والإمكانات، والصمود في شِعب أبي طالب، وعشرات الأمثلة الأخرى، كلّها نماذج من جهود النبيّ الأكرم للحفاظ على عزّة المسلمين في الحضارة الإلهية.

الحُرّية والتحرّر

لقد اعتبر النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه السمة جزءاً من رسالته العظيمة، فسعى إلى إقامة حضارة إلهية تتمحور حول حريّة الإنسان وتحرّره، من أجل تخليصه من كلّ قيد وأسر. وقد بذل جهوداً كبيرة لتحرير الإنسان من ظلم الظالمين والمتسلّطين، كما بذل جهوداً لتحريره من أسر الشيطان والنفس.

وكان ناشطاً في سبيل تحقيق الحرية المعنوية، كما كان فاعلاً في مجال إيجاد الحرية الاجتماعية والحفاظ عليها.

وكما أشار القرآن الكريم، كان من أوجه دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة رفع القيود والأغلال التي وُضعت على عاتق البشر. فقد حارب اتّباع الهوى، والتعلّق بالدنيا، وكلّ نوع من أنواع القيود التي تستعبد الإنسان وتُبقيه أسيراً لها. وكانت سيرته قائمة على الحريّة، وكان من شأنه تحرير الإنسان من الأغلال والقيود.

ولهذا، كان الاتجاه التربوي للنبيّ الأكرم، بالتزامن مع تأسيس الحضارة الإسلامية، منصبًّا على تحرير الإنسان من التعلّقات غير الإلهية. فكان يسعى إلى تطهير الإنسان، في كنف حضارته الإلهية، من أدرانه أولًا، ثم تزيينه بالصفات الحميدة، ليشقّ طريقه نحو العبودية لله تعالى. وكان الهدف أن يتحرّر الإنسان، في ظلّ الهداية والتربية الإلهية التي يقودها قائدٌ متخصّص ومعصوم، من كلّ تبعية دنيئة أو نزعة حيوانية، وأن يبلغ مقام العبودية لله، متحرّرًا من كلّ تبعية دنيئة أو نزعة حيوانية.

الصبر والاستقامة

من أهمّ أدوار النبيّ الأكرم في بناء الحضارة، ومن أبرز خصائص الحضارة الإسلامية، صبر النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه واستقامتهم. فقد علّم أصحابه المعنى الحقيقي للصبر؛ صبراً من جنس المقاومة والثبات، وعدم الاضطراب أمام الشدائد، بحيث لا يضيق الصدر من شدّة المصائب والابتلاءات، ولا تضطرب النفس بسبب انتهاكات الآخرين وإيذائهم. وقد أسهم ذلك في أن يحافظوا على صبرهم واستقامتهم في الظروف الصعبة، كأيام شِعب أبي طالب، والأيام العصيبة المليئة بالتحديات في حياتهم بين مشركي مكة، وسنوات الحياة المليئة بالمشكلات في المدينة، رغم مختلف أنواع الصعوبات.

ذلك أنّ الحضارات الإلهية تخضع لتعليم وقيادة قائد متخصّص ومعصوم، يتلقّى أصول الشريعة الصحيحة من المصدر الإلهي، فيعلّم الناس المعنى الصحيح لكلّ كلمة ويعمل بها. فالصبر، مثلاً، لا يعني الاستسلام والفرار من ميادين المواجهة، بل يعني الثبات في مواجهة العدو.

عدم المساومة

أظهر النبيّ الأكرم في مسيرة بناء الحضارة أنّه لا مكان للضعف والمساومة في التعامل مع العدو. وقد سجّل التاريخ الإسلامي أنّ الأعداء، رغم إبدائهم الرغبة في المساومة مع النبيّ في مناسبات عديدة، لم يتمكّنوا من ثنيه؛ فقد ظلّ ثابتاً في مواجهة التهديد والإغراء والافتراء والسخرية والسحر ومختلف العراقيل، ولم يقبل بالمساومة. وقد علّم الجميع أنّ من أهمّ أصول بناء الحضارات الإلهية عدم المساومة مع أعداء الله، كالكافرين والمنافقين.

الأمن

كان دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة يقتضي منه أن يأخذ جميع الجوانب بعين الاعتبار. وكان يعلم جيداً أنّه لا يمكن أن تنشأ حضارة من دون إرساء الأمن؛ ولذلك اتخذ قرار الهجرة.

وبعد الهجرة إلى المدينة، كان يعمل على إزالة التهديدات المحتملة بوسائل مختلفة، منها معاهدات السلام، وعقد الأخوّة بين المسلمين، وإرسال القوات إلى الحدود، بل وحتى عقد الهدن والاتفاقات مع اليهود.

ضرورة تحصيل العلم والمعرفة

من أهمّ أدوار النبيّ الأكرم في بناء الحضارة، ومن أبرز خصائص الحضارة الإلهية التي أرادها، إعمال العقل، وتحصيل العلم، ومكافحة الجهل. وكان يعلم جيداً أنّ الحضارة إذا حُرمت من العلم أصبحت أسيرة الأوهام والخرافات، وراحت تقلّد الآخرين تقليداً أعمى، وأصبح ضعفها سبباً لخضوعها واستكانتها.

وكانت فطنته وتدبيره من القوة بحيث كان يعلّم الناس ضرورات بناء الحضارة في إطار الشريعة، ويحثّهم على تعلّمها وتطبيقها. فكان، على سبيل المثال، يصف طلب العلم ونشره بأنّه حسنة وصدقة وتسبيح وجهاد، وكان يرى أنّ أكرم الناس هم أعلمهم.

وفي زمن لم يكن للعلم فيه مكانة تُذكر بين العرب في الجاهلية، جعل النبيّ الأكرم العلمَ معياراً لفخر الإنسان ومكانته. فقد ظهر الإسلام بالأمر بطلب العلم، واكتمل بالقَسَم بالقلم، وبلغ ذروته برفع مكانة العلماء وتفضيلهم. وحطّمت الحضارة الإسلامية الاعتقاد بأنّ طلب العلم حكر على أبناء الأشراف، وحثّت جميع الناس، في مختلف الأعمار، على طلب العلم، بل ألزمتهم به. وكان العلم وطلبه أحد الأعمدة المهمة للحضارة الإسلامية، حتى إنّ تعلّمه من سائر الأمم والشعوب كان جائزاً، كما عُدّ تحمّل كلّ مشقّة في سبيل تحصيله موجباً للأجر والثواب في الدنيا والآخرة.

الصلة التكوينية بين حضارة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحضارة العالمية الجديدة للمنقذ الموعود

كان دخول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة أول فرصة استثنائية أتاحت له إمكانية التطبيق العملي لفكرته القديمة، وهيّأت الظروف لاضطلاع النبيّ الأكرم بدوره في بناء الحضارة. فقد كان يسعى دائماً إلى إقامة حضارة تقوم على أعمدة ومبادئ محدّدة.

وقد استطاع أن يعرّف المجتمعات البشرية بقيم السعي إلى العزّة، والصبر والاستقامة، والحريّة والتحرّر، والصلابة وعدم المساومة، والاستقلال والاعتماد على الذات في المجالين السياسي والثقافي، ونشر العلم ومكافحة الجهل، وما إلى ذلك. ولكن لم يكن تشكيل الأمّة وبناء الحضارة سوى بداية الطريق. فقد كان النبيّ الأكرم يعلم جيداً أنّ ضيق الفرصة المتاحة له، ووجود الأعداء في الداخل والخارج، لا يتيح له إقامة تلك الدولة الكريمة الموعودة؛ ومع ذلك لم يتوقّف عن السعي، بل صمّم ونفّذ النموذج الأولي للحضارة الإلهية، لكي يعمل أوصياؤه وخلفاؤه من بعده على استكمال هذا النموذج تدريجياً، وليتحقّق هذا الهدف في نهاية المطاف على أفضل صورة وأكملها على يد آخر أوصيائه، الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).

وقد سار دور النبيّ الأكرم في بناء الحضارة على نحو بذل فيه كلّ جهده لإقامة حضارة أساسية، وفقاً للأوامر الإلهية والمبادئ الإسلامية، حتى تستمدّ الحضارة العالمية الجديدة نماذجها ومبادئها منه، وتعرف كيف تمضي في طريق تأسيسها واستمرارها وإدارتها.

وبما أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يعلم أنّ غير الأكفاء  سيغتصبون مقامه بعد شهادته، وسيعملون على تدمير المبادئ الإلهية للحضارة الإسلامية، فقد كان من أهمّ أدوار النبيّ الأكرم في بناء الحضارة أن اختار، بأمر الله تعالى، أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) خليفةً له أمام أعين الجميع في واقعة غدیر خم.

وكان المقرّر أن يضع النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بوصفه خاتم الأنبياء، حجر الأساس لحضارة إلهية، ثم يتولّى أوصياؤه من بعده قيادة هذه الحضارة، ليبلغ الإنسان، في كنف الحضارة الإلهية المنشئة، سعادة الدنيا والآخرة، ويصل إلى مقام خلافة الله في الأرض.

وتُعدّ سيرة النبيّ الأكرم ومختلف الأحداث التي مرّ بها أكبر شاهد على دوره في بناء الحضارة، وعلى جهوده الشاملة لإقامة حضارة إلهية ووضع الناس في رَحِم هذه الحضارة من أجل تكامل نفوسهم وتكوين أرواحهم؛ لأنّ المكان الوحيد القادر على إيصال الإنسان إلى السعادة في الدنيا والآخرة هو كنف حضارة إلهية يقودها قائد متخصّص ومعصوم.

وقد بدأت هذه المسيرة مع الحضارة الإسلامية التي أقامها النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وظلّت محفوظةً ومصونةً طوال فترة الإمامة، التي امتدّت لنحو 250 عامًا مع الأئمة الأحد عشر الأوائل، ثم أُودعت أمانتها لدى الإمام الثاني عشر، لتبقى محفوظةً حتى ظهوره، فيقيم على أيدي الصالحين الحضارة الإلهية التي تمهّد لإنقاذ البشرية وهدايتها.

 

 

[1] قرآن کریم، سوره حشر، آیه 9

[2] قرآن کریم، سوره نساء، آیات 146 و 175

[3] قرآن کریم، سوره فتح، آیه 22

[4] قرآن کریم، سوره نساء، آیه 141

[5] قرآن کریم، سوره نور، آیه 35

[6] قرآن کریم، سوره انعام، آیه 106/ سوره مائده، آیه 48

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.