نظرة في مفهوم الشريعة وغايتها ودور التشريع في بناء الحضارة الإلهية
لنتصوّر مجتمعًا قد تأسّس، ووُضعت له غايات كبرى وأهداف محددة؛ كأن يُعلن مثلًا أن هذا المجتمع يسعى إلى تحقيق أعلى مستويات الرفاه، والازدهار الاقتصادي، والتمتّع بالمزايا المادية على المستوى العالمي. فهل يمكن لمجتمعٍ كهذا أن يحقق أهدافه من دون أن تكون لديه منظومة متكاملة ومدوّنة من القوانين والمبادئ والتوجيهات التي تحدد الطريق إلى تلك الغايات، وتبيّن لأفراده كيفية العمل بها وتطبيقها في واقع حياتهم؟ من الواضح أن مجرد تحديد الأهداف، من دون وضع نظام واضح يضبط مسار الوصول إليها ويحدّد مسؤوليات الأفراد وسبل العمل، لا يكفي لتحقيقها، بل إن بلوغ تلك الغايات في ظل غياب مثل هذا النظام أمر غير ممكن.
وبما أنّ الله تعالى هو العالِم المطلق ومدبّر نظام الخلق، فقد خلق الإنسان للحياة الخالدة وبلوغ السعادة الأبدية، وجعل تحقيق هذه الغاية مرتبطًا ببلوغ الإنسان درجةً من المماثلة الوجودية للذات الإلهية.
وللوصول إلى مقام الخلافة الإلهية، وتجسيد آثار الأسماء الحسنى الإلهية في وجوده، لا بد للإنسان، طوال حياته الدنيوية، من أن يكون تحت تربية مربّين معصومين ومتخصصين في بنية النفس؛ وهم مربّون يملكون إحاطة كاملة بهندسة الروح، وأبعاد الوجود الإنساني، وحقيقة الإنسان وامتداده الأبدي.
هذه الحقيقة العظيمة لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار “حضارة إلهية” تقوم على هداية وولاية قيادة معصومة ومصونة من الخطأ، وتتحرك وفق آفاق وغايات دقيقة وعميقة وجوهرية. ويتمثل الفرق الجوهري بين بناء الحضارة الإلهية وسائر النماذج الحضارية في أن مركزها ومحورها الأساس هو حقيقة الإنسان، وطهارة باطنه، وتنمية قدرات نفسه والارتقاء بها. فغاية الحضارة الإلهية هي تحرير الإنسان من أسر النزعات المادية، والمظاهر الخارجية، وهيمنة البعد الحيواني في وجوده، ومن ثم الارتقاء به نحو الأفق الرفيع للخلافة الإلهية.
ولا يمكن بلوغ هذه المنزلة من دون بناء محكم ومنظومة دقيقة من الأحكام التي تتناسب مع مختلف أبعاد البنية الوجودية للإنسان. وهنا تتضح الضرورة الأساسية لـ التشريع في بناء الحضارة الإلهية؛ فقد شرّع الله تعالى للإنسان الشريعة بواسطة الأنبياء، لكي تتجسّد في حياة المجتمع، من خلال التشريع، أي التقنين الحكيم الإلهي، المبادئ والحدود والقوانين اللازمة لتربية الروح وتهذيب الإنسان وتوجيه مسيرته نحو الغاية المنشودة.
ومن هنا، فإن فهم مفهوم الشريعة لا ينفصل عن فهم الغاية التي شُرّعت من أجلها، ولا عن إدراك دورها في تنظيم حياة الإنسان وتهيئة الأرضية اللازمة لتحقيق الغاية الإلهية من وجوده. فإذا أردنا التعرّف بصورة أعمق إلى مفهوم الشريعة، وفهم وظيفتها وغايتها في تنظيم حياة الإنسان، وإدراك المكانة الأساسية للتشريع في بناء الحضارة الإلهية، فلا بد من التوقف عند هذه المفاهيم ودراسة أبعادها بصورة أدق.
مفهوم الشريعة
تدلّ كلمة «شرع» في أصل اللغة على الطريق الواضح والمستقيم والبيّن، وقد استُعملت في القرآن الكريم للدلالة على الطريق الذي شرعه الله تعالى لهداية الإنسان. ويأتي لفظ «الشريعة» في الاستعمالات اللغوية كذلك بمعانٍ أخرى، منها المدخل والباب والعتبة، ومنها مورد الماء السهل الذي يمكن الوصول إليه والارتواء منه من غير حاجة إلى حبل أو وسيلة. كما تُستعمل الشريعة من الناحية الاصطلاحية بمعنيين: عام وخاص.
- المعنى العام للشريعة: تُطلق الشريعة بهذا المعنى على مجموع الدين، فيقال: شريعة الإسلام، وشريعة اليهود، وشريعة المسيح، ويُراد بها مجموع ما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام، وما هدوا الناس إليه من العقائد والتعاليم والأحكام.
- المعنى الخاص للشريعة: أما الشريعة بمعناها الخاص، فهي مفهوم أدق وأكثر تخصصًا، ويُراد بها منظومة الأحكام التكليفية، والمناسك، والآداب، والضوابط والتشريعات التي شرّعها الله تعالى لعباده، وبلّغها إليهم بواسطة رسله، لتنظيم حياتهم وتدبير شؤونهم وفق الإرادة الإلهية. ولما كان الالتزام بهذه الأوامر والتوجيهات الإلهية والامتثال لها سببًا في تحقق الحياة الحقيقية، وطهارة الروح، ونمو الإنسان وارتقائه نحو كماله الأبدي، سُمّيت «شريعة»، لما تتضمنه من معنى الطريق الموصل إلى الحياة وموردها.
وكانت شريعة كل نبي من الأنبياء أولي العزم تُنسخ ببعثة النبي صاحب الشريعة الذي يأتي بعده، فيصبح الناس مكلَّفين باتباع الشريعة الجديدة. ومن ثم، فإن التمسك بالشريعة المقال السابقة، بعد نزول شريعة أكمل منها، لا يبقى له حجية ولا يكون مقبولًا؛ إذ تقتضي اكتمالية الشريعة اللاحقة الانتقال إليها واتباع أحكامها.
وكثيرًا ما يُستعمل لفظا «الدين» و«الشريعة» بمعنى واحد من غير التفريق بينهما، مع أن هناك تمييزًا أساسيًا بينهما ينبغي الالتفات إليه:
٭ الدين:
هو الصراط الإلهي الواحد، والحقيقة الثابتة والقانون العام الذي استمر عبر تاريخ البشرية وجميع الأمم، ولم يتعرض للنسخ أو التبدّل. فالدين في حقيقته واحد في جميع أنحاء الوجود، وهو عين التسليم لله تعالى والخضوع لأمره. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.[1]
٭ الشريعة:
هي الفروع والأحكام التفصيلية والصيغ التنفيذية المستندة إلى الأصول الثابتة للدين، والتي جاءت متناسبة مع اختلاف الظروف الزمانية والمكانية، ومستوى النضج الفكري، والطاقات والاستعدادات التاريخية للأمم. ومن هنا تعددت الشرائع عبر التاريخ، فشُرّعت شريعة نوح، وشريعة إبراهيم، وشريعة موسى، وشريعة عيسى عليهم السلام، ثم شريعة خاتم الأنبياء، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفها الشريعة الخاتمة.
حقيقة التشريع ومنظومة التقنين الإلهي
يدلّ لفظ «التشريع» في أصل اللغة على معنى الرفع والإعلاء؛ ومنه ما كان يُعبَّر به عن ارتفاع منسوب الماء في النهر وبلوغه مستوى يسهل معه الوصول إليه والانتفاع به. أما في الاصطلاح الديني والمعرفي، فالتشريع هو عملية وضع القوانين والأحكام والضوابط الإلهية وبيانها، وفق ما يريده الله تعالى، وبواسطة من اصطفاهم لهذه المهمة. وبعبارة أخرى، يتمثل التشريع في نقل الحقائق والأصول الكلية للدين من مستوى المبادئ العامة إلى أحكام وضوابط وتوجيهات عملية تنظّم حياة الإنسان وتحدد مسار سلوكه.
والمصدر الأول والأصيل للتشريع، بل المشرّع الحقيقي والوحيد، هو الله تعالى؛ فهو الذي أنزل الحقائق والأحكام على أنبيائه عن طريق الوحي. ثم يأتي الأنبياء والأوصياء بوصفهم المبلّغين والمبيّنين لهذه الأحكام؛ إذ أُنيطت بهم مهمة تلقّيها وإبلاغها إلى الناس وشرحها وتفصيلها وبيان كيفية العمل بها، على نحو معصوم يحفظها من التحريف والانحراف، ويضمن انتقال المنظومة السلوكية التي أرادها الله تعالى إلى واقع حياة الإنسان. ويتجلى التشريع في مسارين أساسيين:
- البيان المباشر في نص الوحي والقرآن الكريم: وذلك من خلال بيان الأحكام الإلهية بصورة مباشرة، كتحريم الربا والخمر.
- البيان والتفصيل في سيرة المعصوم وسنته عليه السلام: وذلك من خلال بيان تفاصيل الأحكام، وكيفيات تطبيقها، وفروعها وجزئياتها، بما يوضح الجانب التنفيذي لما جاء به أصل التشريع.
ومن هنا، لكي يسلك الإنسان طريق الهداية من غير انحراف، فإنه لا يستغني عن منظومة التشريع؛ إذ إن العقل البشري، بما له من حدود وإمكانات، لا يستطيع بمفرده أن يستنبط الخريطة الدقيقة والكاملة الموصلة إلى السعادة والكمال. ومن ذلك أن القرآن الكريم بيّن أصل وجوب الصلاة، أما تفاصيل إقامتها وكيفيتها وهيئتها وأحكامها، فقد بيّنها التشريع النبوي ووضّحتها بيانات أهل البيت عليهم السلام. ولذلك، فإن الشريعة تشتمل على أصل تشريع الحكم وتفاصيله التنفيذية، وهما جانبان متكاملان يقوم أحدهما مقام الآخر في استكمال المنظومة التشريعية.
أما في مجال الحياة الاجتماعية، فيتجسد التشريع في إرساء الأسس القانونية والحقوقية اللازمة لتنظيم المجتمع وتحقيق المجتمع التوحيدي؛ ومن ذلك التكاليف المالية، كالخمس والزكاة، وإقامة العدل، وتنظيم الحقوق المتبادلة بين الفرد والمجتمع، وبيان أسس نظام الحكم والسلطة. ومن خلال إدخال الأحكام الإلهية في مختلف العلاقات والمعاملات الاجتماعية، تسهم منظومة التشريع في ترسيخ الهوية التوحيدية للمجتمع، وضبط حركته وتوجيهها في الاتجاه الذي ينسجم مع الغايات الإلهية.
وبذلك لا تكون الشريعة مجرد مجموعة من الأحكام الفردية، وإنما تمثل منظومة متكاملة لتنظيم حياة الإنسان في أبعادها المختلفة، وخريطة طريق تنقل الإنسان والمجتمع من المبادئ الإيمانية إلى مراتب الكمال والغاية المنشودة، وتهيّئ لهما سبل السير نحو تحقيق المماثلة للحق تعالى.
وظيفة الشريعة وغايتها في تنظيم بنية الإنسان الوجودية
لفهم مكانة التشريع في بناء الحضارة الإلهية، لا بد من إعادة النظر في علاقتنا نحن بأحكام الشريعة وطريقة تعاملنا معها. فكثير من الإشكالات والأسئلة والتعقيدات الذهنية التي يواجهها بعض الناس تجاه التكاليف الدينية تنشأ من النظر إلى الشريعة من خلال معايير «الأنا المادية والاعتبارية»، في حين أن أحكام الشريعة تمثل منظومة حكيمة لتربية «الأنا الحقيقية وماوراء العقلية» للإنسان وتنميتها، وهي ذلك البعد الأصيل والمتعالي على العقل الذي يمثل الجانب اللاهوتي في وجوده. فإذا أصبح هذا البعد هو المحور الذي تدور حوله حياة الإنسان، أمكن أن تنتظم مختلف شؤونه الدنيوية والأخروية في إطار من التوازن والاعتدال.
وتعود جذور كثير من حالات القلق والأزمات النفسية وحالات الانسداد التي يعاني منها الإنسان المعاصر إلى اختلال التوازن في بنيته الوجودية وإهمال بعض أبعاد نفسه وعدم إشباع حاجاتها على نحو متوازن. فالبنية الوجودية للإنسان تشتمل على مراتب جمادية ونباتية وحيوانية وعقلية وإنسانية ( ماوراء العقلية). ويؤدي الإفراط أو التفريط في إشباع المراتب الدنيا، أو حصر الاهتمام في إرضاء الرغبات الحيوانية أو النباتية، إلى اختلال التوازن في البناء النفسي للإنسان وإصابته بالاضطراب؛ إذ تنمو بعض أبعاده المادية على نحو غير متوازن، في حين يبقى البعد الإلهي في روحه راكدًا ومحرومًا من أسباب النمو والتكامل.
ومن هنا، فإن الجهة الوحيدة التي تملك صلاحية تحديد مسارات الهداية، وضبط حدود السلوك، ووضع الأحكام اللازمة لتربية النفس، هي الجهة التي خلقت بنية الإنسان الوجودية وأحاطت بها إحاطة تامة؛ أي الله تعالى، الذي يعلم دقيقة هذه البنية، وحاجاتها الفطرية، وسبل صلاحها وفلاحها، والأسباب التي تؤدي إلى انحطاطها وابتعادها عن الكمال.
وتنسجم أحكام الشريعة في جوهرها مع الفطرة التوحيدية للإنسان. فإذا وجد الإنسان مشقة في تقبّل حكم شرعي أو الامتثال له، فقد يكون ذلك ناشئًا عن غلبة رغبات المراتب الدنيا في وجوده، أو عن هيمنة الأنا الوهمية على فطرته التوحيدية. فالشريعة لا تلغي الأبعاد النباتية والحيوانية والعقلية في الإنسان، وإنما تعيد تحديد موقع كل منها ووظيفته، بحيث تصبح هذه الأبعاد أدواتٍ خادمةً لنمو الأنا الحقيقية وارتقائها. كما أن منظومة الحلال والحرام والمستحب والمكروه ليست إلا نظامًا دقيقًا لتنظيم هذه الأبعاد وضبطها، بحيث تُوجَّه طاقة الإنسان الوجودية نحو تنمية بعده الإلهي وتحقيق كماله الحقيقي. هذه المنظومة الدقيقة في تنظيم وجود الإنسان وسلوكه، تقوده إلى التوازن والسكينة والطمأنينة، وتهيّئه للاضطلاع بالأدوار والمسؤوليات الحضارية التي تتطلبها مسيرة بناء الحضارة الإلهية.
ولا يقتصر أثر التشريع على إصلاح الفرد وتربيته؛ بل يمثل كذلك الأساس الأخلاقي والحقوقي والهوياتي اللازم لتحقيق “الحضارة الإلهية والدولة الكريمة”. المنظومة التشريعية لا تتكفل بترسيخ التوحيد وطهارة الفرد فحسب، وإنما تسهم أيضًا في غرس روح الأخوة والإيثار والعدل والتوحيد الاجتماعي في كيان المجتمع. ومن ثم يتحرر المجتمع تدريجيًا، من خلال الأحكام والتعاليم التشريعية، من مراتب المادية المنحطة، ومن جعل اللذة الحيوانية غايةً للحياة، ومن الغرور العلمي والاستعلاء المعرفي، وينتقل إلى مسار التنمية الإنسانية والتقدم الحقيقي
ومن منظور علم الإنسان الذي يقوم على فهم حقيقة الإنسان وغاية وجوده، يمكن النظر إلى المجتمع والحضارة بوصفهما رَحِماً لتربية الإنسان وتهيئته للدخول السليم في الحياة الأبدية. أما الحضارة التي تفتقر إلى الحدود والأحكام الإلهية المنظمة، وتقوم على أهواء الإنسان وقوانينه التي يضعها بنفسه، فلا يمكنها أن تهيّئ لأفرادها شروط النضج الروحي وبلوغ السعادة الأبدية. ومن ثم، فإن تأسيس أي حضارة حقيقية وإلهية يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بـ “منظومة التشريع الإلهي” الشاملة، التي تمثل الأساس الذي تقوم عليه عملية تنظيم حياة الإنسان والمجتمع وتوجيههما نحو الغاية الإلهية المنشودة.
[1] . سورة آل عمران، الآية 19.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.