مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

ما وراء وهم الدنيا: قراءة وجودية في تهذيب النفس واستئصال الآفات الأخلاقية

لنفترض أن مسافرًا يعتزم الهجرة الدائمة إلى منطقة مجهولة تمامًا من حيث ظروفها المناخية والبيولوجية. إذا أنفق هذا الشخص كامل طاقته ووقته وأمواله على تجهيز مقصورة قطار وتزيينها بأفخم الأثاث، مع أن هذا القطار لن يستغرق سوى بضع ساعة لإيصاله إلى وجهته، فإن تصرّفه سيصبح موضع تساؤل لدى كل مراقب عاقل. فالتركيز على ديكورات عربة القطار، مع الإغفال التام عن متطلبات البيئة التي يقصدها، يُعدّ مثالًا واضحًا على الخطأ في تقدير العلاقة بين «المسار» و«الوجهة النهائية».

هذا المثال التمثيلي يجسّد حياة الإنسان في إطار العالم المادي بصورة دقيقة. فالإنسان كائن خُلق، بالنظر إلى اتساع أبعاده الوجودية، بما يجعله متناسقًا مع عالم التكوين بأسره، إلا أنه يظل عرضة للأخطاء المعرفية والنزعة المفرطة إلى اختزال حقيقة ذاته. وتتمثل القضية المحورية في هذا المجال في ضرورة إعادة تعريف علاقة الإنسان بالخلود، وإدراك الصلة المباشرة بين تهذيب النفس والحياة الأبدية. فمن دون ضبط البنية الإدراكية للإنسان وتنظيم علاقته بالأفق الذي ينتظره، تنحدر حياته الدنيوية إلى هاوية السلبية والاستغراق في تفاصيل الحياة اليومية الخالية من الغاية.

الاختزالية وضرورة إعادة قراءة القيمة الوجودية

تظل البنية الإدراكية والسلوكية للإنسان متأثرة باستمرار بميول المستويات الأدنى من وجوده. فالإنسان، في طبيعته التكوينية، يمتلك قدرات متعددة المستويات؛ غير أن الغفلة عن طبقته الوجودية الأصيلة تدفعه إلى الانحدار نحو مستويات أدنى من الميول والرغبات. هذه الميول، كما أوضحنا بالتفصيل في الدروس المقال السابقة، يمكن تصنيفها وتمييزها ضمن المجالات الأربعة الآتية:

– المستوى الجمادي: الميل إلى السكون، وتكديس المادة، والجمود عند حدود الممتلكات والأشياء المادية غير الحية.

– المستوى النباتي: الانشغال المفرط بالنمو المادي المحض، والتغذية، والمحافظة على البقاء الفسيولوجي.

– المستوى الحيواني: إعطاء الأولوية لإشباع الغرائز البيولوجية، والتكاثر، والشهوات الحسية، والوقوع في أسر المنافسات الشكلية، والاعتبارات الاجتماعية الوهمية، والتوهّم بالتفوّق على الآخرين.

– المستوى العقلي: إعطاء الأولوية لاكتساب العلم، والميل إلى اكتشاف القوانين الحاكمة للعالم، من دون مراعاة المنشأ والمصدر الحقيقيين للقوانين الرياضية التي يقوم عليها الخلق.

إن التوقف عند هذه المستويات يحصر الإنسان في دائرة ضيقة من الأدوات والملابس والمال والعلم والمظاهر الخارجية. ويعود السبب الجوهري لهذه النزعة الاختزالية إلى خاصيتين نفسيتين ووجوديتين لدى الإنسان، هما: «شدة النسيان لحقيقة الذات» و«الجحود بالقيمة الغائية للوجود».

وتكشف العبارة الصريحة في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾،[1] عن هذه الحقيقة؛ إذ إن النفس الإنسانية، إذا تُركت من دون تهذيب أو مراقبة، سرعان ما تقع في جحود نعمة الوجود والضياع عن حقيقة الذات.

وانطلاقًا من ذلك، فإن أول مقتضى عقلي للخروج من هذا الاختزال هو تصميم منظومة متكاملة للتذكير المستمر. فإذا لم تُنظَّم جميع المرئيات والمسموعات والمقروءات والتفاعلات الاجتماعية بطريقة تذكّر الإنسان باستمرار بمكانته الحقيقية وكرامته، فإن النفس ستنزلق حتمًا إلى غياهب نسيان الغاية من الخلق.

ومن ثمّ، فإن التلقين والتذكير المتواصلين ليسا مجرد أمرين تكميليين أو شكليين، بل يشكّلان العمود الفقري للحفاظ على وعي الإنسان بخلوده وحقيقته الأبدية.

سنخيّة الوجود الإنساني مع اتساع عالم الخلق

ليس الإنسان ظاهرةً معزولةً ومنفصلةً عن سائر مراتب الخلق، بل إن اتساع وجوده قد نُظِّم على نحو يجعله مرتبطًا بجميع مكوّنات عالم التكوين، ومشتركًا معها في السنخيّة الوجودية. وتشمل هذه السنخيّة المجالات الآتية:

  • الظواهر المادية والطبيعية: بدءًا من الجمادات والنباتات والحيوانات، وصولًا إلى الأصوات والألوان والروائح.
  • الظواهر غير المادية وغير المحسوسة: مثل الملائكة والجن.
  • مظاهر الهداية والمعرفة المقدّسة: ومنها الكتب السماوية والأنبياء الإلهيون والحقائق المقدّسة.

إن هذه السنخيّة الشاملة تثبت أن الإنسان كائن جامع لجميع مراتب الوجود؛ أي إن كل مدخل حسي أو تجريدي أو معنوي يستثير استجابةً مباشرةً في بنيته الداخلية.

وبعبارة أخرى، فإن ما يتلقّاه الإنسان من محيطه، سواء أكان بصريًا أم سمعيًا أم سلوكيًا، يرتبط سريعًا بإحدى طبقاته الداخلية، ويسهم في تقويتها. وإذا لم تُوجَّه هذه الروابط نحو مراتب الوجود العليا، فإن الطبقات الدنيا ستتعزّز وتستولي على زمام النفس وتتحكّم في توجّهاتها.

الأهمية الاستراتيجية لتهذيب النفس والحياة الأبدية في منظومة الحسابات الإنسانية

إذا تحوّلت حقيقة العالم غير المادي والعوالم التي تلي الموت، في وعي الإنسان، من مجرد مفهوم نظري إلى يقين وجداني راسخ، فإن بنية اتخاذ القرار لديه ستشهد تحولًا جذريًا.

إن الإيمان العميق بحتمية هذا المسار يدفع الإنسان إلى إعادة تعريف حياته اليومية، والنظر إليها بوصفها ورشةً لإصلاح حياته الأخروية والاستعداد لها.

أما الغفلة عن باطن النفس والتهرّب من مواجهتها، فيفضيان إلى خسائر لا يمكن تداركها؛ لأن الصورة النهائية التي يتشكّل عليها الإنسان في العوالم الأبدية ليست إلا حصيلة الملكات النفسية التي رسّخها في باطنه خلال حياته في هذا العالم.

يرسم لنا الأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾[2] معالم الطريق بوضوح: أن يتولى الإنسان رعاية نفسه، ويتعهد حقيقة وجوده بالمراقبة والإصلاح، فذلك واجب لا يُعفى منه أحد. وليست العبرة بما يجمعه المرء من معارف، بل بما تُحدثه هذه المعارف في أعماقه من يقظة ووعي بالمسؤولية، وما تثمره من سعي حقيقي إلى إصلاح النفس. أما المعرفة التي لا تتجاوز حدود الذهن، ولا توقظ في الإنسان هاجس التغيير ولا تدفعه إلى العمل، فليست إلا حصيلة من المعلومات الخاملة، التي لا تصنع تحولًا في حياته ولا تنقذه في نهاية المطاف.

إعادة تعريف تهذيب النفس والحياة الأبدية في ميدان العمل

يقوم المبدأ الأساسي في إدارة الوقت وتنظيم نمط الحياة على ترتيب الأولويات وفقًا لمعيار التأثير الأبدي. ففي الخطوة الأولى، يكون الإنسان ملزمًا بالتخلّص من الانشغالات الباطلة والأنشطة التي تستنزف عمره من دون جدوى. غير أن الاختبار الحقيقي يظهر في المرحلة الثانية، ويتمثّل في «تقديم الأمر الضروري على الأعمال المهمة، ولكن غير المصيرية». وفقًا للمنطق العقلي، فإن إصلاح الروح من جذورها مقدّم على كل فضيلة أو سلوك ظاهري. ولتوضيح ذلك، يمكننا الاستعانة بمثال طبي: فالمصاب بسرطان متقدّم لا ينشغل بتعلّم مهارة تخصصية أو بأعمال جانبية على حساب علاجه. وبالمثل، فإن الرذائل الأخلاقية والانحرافات الباطنية أشبه بسرطانات فتاكة تصيب القلب.

إذا دخل الإنسان عالم البرزخ وهو يحمل خُلُقًا سيئًا أو رذيلةً لم يعالجها، فقد يبقى في عذاب البرزخ قرونًا، وفقًا لنظام الجزاء العادل ومبدأ التناسب بين باطن الإنسان ومآله. ومن ثمّ، يقتضي العقل أن تكون العناية بالقلب وتهذيب الباطن أولى من بعض الأعمال المقدّسة، حتى مثل الحفظ الشكلي للقرآن الكريم؛ ذلك أن حافظ القرآن الذي يفتقر إلى الأخلاق الحسنة وسلامة الباطن، ويصبح دينه عرضةً للتلف بسبب سوء خُلُقه، لن يجني ثمرةً حقيقية من الاكتفاء بالمظهر الخارجي لحفظه. فالأولوية الأولى هي إنقاذ أصل الدين ومعالجة النفس معالجةً جذرية.

إن بلوغ السلامة الباطنية والسكينة القلبية المستدامة يتوقف على تطبيق برنامج منظّم يتجاوز حدود التفاعلات الاجتماعية المحضة. فمعظم العلاقات الاجتماعية لا تمتلك القدرة على «هندسة الحب» وتهدئة قلب الإنسان. ولتحقيق هذه الغاية عمليًا، لا بد من توافر مجموعة من الركائز الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في نمط حياة المؤمن:

❶ الاستعانة بأستاذ مرشد: للتعرّف على الآفات الخفية للنفس وتجنّب الأخطاء في تشخيصها.

❷ تخصيص وقت يومي للخلوة: لإيجاد فرصة للتفكّر، وتقييم الأعمال، واستعادة الوعي في أجواء الصمت والانقطاع عن الانشغالات المتكاثرة.

❸ المداومة على الأنس بالقرآن الكريم وكلام الوحي: من خلال إعادة استحضار حقائق الوجود باستمرار، لإزالة غبار النسيان عن القلب.

❹ تعميق الأنس بالله تعالى ومناجاته: من خلال إقامة العبادات الليلية، ولا سيما صلاة الليل والاستيقاظ وقت السحر، لتعزيز الاتصال الباطني بالله.

❺ إقامة صلة راسخة بأهل البيت عليهم السلام: والارتباط بنماذج الإنسان الكامل، بوصفهم قنوات للفيض والهداية.

❻ بناء شبكة من العلاقات ذات الأفق الأخروي: عبر إعادة تنظيم جميع العلاقات الاجتماعية، وانتقاء الأماكن والمواقف التي يتعرّض لها الإنسان، على نحو يجعل كل ظاهرة تذكيرًا بالغاية النهائية والأبدية.

إن حياة القلب لا تتحقق إلا بالتغذّي من هذه المنابع، ومن دون الالتزام بهذه الركائز، سيظل الإنسان حبيس الطبقات السطحية من الحياة الدنيا. ولكي نتمكن من استعادة المسار الفلسفي الذي يبيّن ضرورة تهذيب النفس ومراحله، ثم تطبيقه في واقع حياتنا اليومية، يمكن الاستعانة بالمراحل الأربع الآتية بوصفها خارطة طريق عملية:

ولكي نستعيد التصور الفلسفي الذي يوضح ضرورة تهذيب النفس ومراحله، ونحوّله إلى ممارسة عملية في حياتنا اليومية، يمكننا الاستعانة بالخطوات الأربع الآتية بوصفها خارطة طريق:

الخطوة الأولى: تشخيص مواطن الخلل

تحديد الانشغالات الزائفة في المستويات الجمادية والحيوانية والوهمية، وتقييم الوقت الذي نهدره في أعمال تفتقر إلى غاية حقيقية.

الخطوة الثانية: تنقية العلاقات والمؤثرات

تنظيم ما نراه ونسمعه، ومراجعة طبيعة علاقاتنا الاجتماعية، بما يساعدنا على البقاء في أجواء تذكّرنا باستمرار بحقيقة الخلود.

الخطوة الثالثة: إعادة ترتيب الأولويات وتقديم الأهم

إعطاء الأولوية لمعالجة أمراض القلب الأخلاقية، حتى لو اقتضى ذلك إعادة النظر في الوقت المخصص لأعمال مهمة، لكنها ليست مصيرية، وذلك قبل الانتقال إلى الحياة الأخروية.

الخطوة الرابعة: الالتزام بركائز حياة القلب

تخصيص وقت ثابت لا نقبل التنازل عنه أو إلغاءه للخلوة بالله والأنس به، وأداء صلاة الليل، وتعميق الارتباط بأهل البيت عليهم السلام، وإدراج هذه الممارسات ضمن جدولنا اليومي.

 

[1]  سورة الحج، الآية 66

[2]  سورة المائدة، الآية 105

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.