مدرسة المنتظر لعلم الإنسان

محتوى الدورة
البداية الحقيقية للحياة
0/12
منظومة الهداية في القرآن الكريم
0/12
تزكية النفس لأجل الأبدية
حول الدرس

ما العلاقة بين الإيمان والبهجة القلبية والسكينة والمحبة؟

إن الإيمان بالحياة الأبدية والتعرّف إلى آثار الإيمان يدفعاننا إلى إدراك أهميته في حياتنا إدراكًا أعمق. فمنذ اللحظة التي يعقد فيها الإنسان العزم على تحصيل الإيمان الحقيقي، ويختار أن يجعل حياته منسجمة مع المنهج الإلهي، يبدأ رحلةً تتخلّلها تجارب متنوّعة وتحديات متباينة، تنشأ من التنازع بين فطرته السامية وميوله المادية ونزعاته الحيوانية. ومن خلال هذه الرحلة، يخوض الإنسان صراعًا متواصلًا في سبيل تحقيق الغاية التي خُلق من أجلها. ومع ما ينطوي عليه هذا الطريق من تحديات، فإنه يفتح أمام الإنسان آفاقًا عميقة من التحوّل والنمو الروحي؛ فكلما ترسّخ الإيمان في قلبه، أخذ يلمس آثاره في حياته، ويتذوّق حلاوة الارتقاء الروحي، ويقترب أكثر من معاني الرحمة والسكينة والبهجة الحقيقية. لكن كيف يبلغ الإنسان الإيمان الحقيقي؟ وهل يكفي أن يقلّد الآخرين ليكون مؤمنًا؟ وما الفرق بين مجرّد الاعتقاد بشيء وبين الإيمان الذي يترسّخ في القلب ويترك أثره في حياة الإنسان وسلوكه؟

يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال توضيح حقيقة الإيمان، وبيان سبل اكتسابه وتعزيزه، واستكشاف أبرز آثاره وانعكاساته في حياة الإنسان.

الإيمان ليس تقليدًا!

إن بلوغ الإيمان الحقيقي يقتضي، قبل كل شيء، تحديد ماهيته تعريفًا دقيقًا. ويرى الإمام الخميني (رحمه الله) أن حقيقة الإيمان تتمثّل في علمٍ يبلغ مرتبة القلب والوجدان، ويقترن باليقين والخضوع. وبعبارة أخرى، يتحقّق الإيمان حين تنتقل حقيقةٌ ما، بعد أن يصدّق بها العقل، إلى القلب، فيتقبّلها الإنسان بوجدانه ويتوحّد معها في باطنه. ومن ثمّ، فإن القلب هو موطن الإيمان ومركز تحقّقه في الإنسان.

أما المعتقدات العادية، فإن منشأها الذهن؛ وهي معارف قد نصدّق بصحتها من دون أن تربطنا بها صلة وجدانية أو تعلّق قلبي. ويندرج ضمن هذا النوع كثير من المعلومات التي نكتسبها في حياتنا اليومية من خلال الكتب ومختلف العلوم ومصادر المعرفة الأخرى.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.[1] جاء أعراب البادية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقالوا: إننا آمنا، فأوحى الله إلى نبيّه أن يقول لهم إنكم لم تؤمنوا بعد، وإنما أسلمتم؛ إذ لم يدخل الإيمان قلوبكم حتى الآن. أي إن أقصى ما توصّلتم إليه في هذه المرحلة هو الاقتناع بأن الإسلام هو دينٌ إلهي، وأنني رسول الله وحامل رسالته إليكم، ولذلك قبلتم طاعتي والامتثال لأوامري والتسليم لتعاليم الدين. غير أن الانقياد لأوامر الدين والتسليم بها ظاهريًا يختلف عن الإيمان بها إيمانًا قلبيًا راسخًا؛ فهما أمران متمايزان لا ينبغي الخلط بينهما.

تدلّ هذه الآية بوضوح علی أن منشأ المعتقدات يكون في البداية هو الذهن؛ إذ نتوصّل، من خلال ملاحظة الشواهد والقرائن الظاهرة وتحليلها ذهنيًا، إلى الحكم بصحة قضيةٍ ما أو خطئها من الناحية المنطقية. ولكن هذه القناعة قد تتطوّر، مع مرور الوقت، إلى يقينٍ راسخ يتحوّل إلى اعتقاد قلبي. وعندئذٍ، لا يعود الإنسان يتّبع ذلك المعتقد ويدافع عنه استنادًا إلى التحليلات المنطقية والتقييمات المتعارفة فحسب، بل انطلاقًا من إيمانه القلبي وشهوده الباطني، كما يتّخذ موقفًا حازمًا في مواجهة المعتقدات المناقضة له.

غير أن الحفاظ على الإيمان وتعزيزه عملية مستمرة لا تنقطع؛ فالمؤمن مطالب بمواصلة السعي إلى ترسيخ جذور الإيمان في قلبه وتقويتها. ومن هنا، يخاطب الله تعالى أهل الإيمان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾.[2] كما ورد في آيات كثيرة التعبير عن الإيمان بصيغة الفعل المضارع، بما يشير إلى استمرارية هذه العملية وتجددها.

وبذلك يتّضح أن ما يمكن أن نقلّده عن الآخرين هو القضايا والمعتقدات الذهنية، لا الإيمان القلبي! فعلى الرغم من أن إيماننا ومعتقداتنا القلبية تتشكّل في ظل ظروف وبيئات قابلة للتغيّر، وأن جهذه الظروف يمكن التأثير فيها بالتلقين والتكرار، فإن أحدًا لا يستطيع التدخّل مباشرةً في أعماق قلوبنا، أو أن يزيد في قائمة معتقداتنا الإيمانية أو ينقص منها. فالإيمان والاعتقاد القلبي، في جوهرهما، أمران يرتبطان بالشهود الباطني والتجربة الوجدانية؛ ولذلك لا يستطيع أحد أن يُكرهنا على الإيمان بشيءٍ ما إيمانًا قلبيًا حقيقيًا.

كثيرون هم الذين يتبنّون شعارات معيّنة ويدافعون عنها لمجرّد أن أسرهم أو أصدقائهم أو رفاقهم في الحزب يؤمنون بها. والأمر نفسه ينطبق على أنماط الحياة التي يتّبعونها، إذ تتشكّل في كثير من الأحيان وفقًا للأعراف والتقاليد السائدة في الأسرة أو العائلة أو بيئة العمل وغيرها من الأوساط الاجتماعية. ولا شكّ في أن كثيرًا من هذه المواقف والمعتقدات، وما يترتّب عليها من سلوكيات، ينشأ عن تقليد الآخرين ومحاكاتهم. غير أن الأفكار التي يتبنّاها الإنسان بالتقليد قد تتغلغل في نفسه، بفعل التلقين والتكرار، حتى تتفاعل مع مشاعره وعواطفه، وتتحوّل إلى تعلّق قلبي حقيقي. وعندئذٍ، لا يعود الأمر مجرّد تقليد؛ إذ يكون التعلّق الوجداني قد نشأ في أعماق النفس بصورة تلقائية، من دون أن يكون الإنسان قد اختاره بإرادته أو تعمّد الوصول إليه.

ويتجلّى الفرق بين المعتقدات القائمة على التقليد والإيمان الراسخ في القلب بوضوح في واقعة عاشوراء. فقد اتّسمت رَجَزات أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) بالأصالة والارتجال، وكان لكلّ واحد منهم، بمعزل عن سائر رفاقه في القتال، منطقه الخاص الذي يعبّر عنه ويجسّده؛ لأن كلماتهم كانت تنبع من حماسةٍ صادقة وإيمانٍ عميق بالهدف الذي يقاتلون من أجله. وعلى النقيض من ذلك، لم يُبدِ جنود عمر بن سعد رغبةً تُذكر في الارتجاز، وكانت شعاراتهم جماعيةً مكرّرة تفتقر إلى التعبير عن موقف فردي مستقل. وحين كان الإمام الحسين (عليه السلام) يسألهم: لِمَ تستحلّون دمي؟ لم يكن جوابهم يتجاوز قولهم: «بغضًا لأبيك».

كيف تكتسب المعتقدات طابعًا إيمانيًا؟

بوجه عام، تترسّخ المعتقدات الذهنية في قلب الإنسان تدريجيًا، بفعل التكرار والاستمرار، وكذلك كل ما ينبثق عنها من اختيارات وعلاقات وأفكار وسلوكيات. ومن هنا، كان الإمام الخميني (رحمه الله)، بوصفه عارفًا ربانيًا في عصرنا الحاضر، يؤكّد باستمرار أن الإنسان لا يبلغ مراده من دون التلقين. فما يرتقي بالإنسان إلى مراتب أعلى في مسيرته الإنسانية ليس مجرّد امتلاك كمٍّ واسع من المعلومات أو التخصّصات العلمية، بل هو الإيمان الراسخ في القلب والتعلّق الوجداني بالمعتقدات؛ إلى الحدّ الذي تصبح فيه هذه المعتقدات جزءًا لا يتجزّأ من كيان الإنسان، وتتحوّل إلى دافع داخلي يحثّه على التضحية في سبيلها، وبذل النفس والمال والأسرة وغيرها من كل ما يملك.

إذا سلّمنا بأن حقيقة الإنسان تكمن في قلبه، لا في ذهنه، اتّضح أن مسيره نحو غاية الخلق مسيرٌ قلبي، لا ذهني؛ فالذهن وما يشتمل عليه من معارف وأفكار ليس إلا مقدّمةً لتهيئة القلب وتحريكه. ومن هنا، يعرّف الله تعالى رأس مال الإنسان الحقيقي في الحياة الأبدية بأنه القلب السليم، إذ يقول سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.[3] أي إن يوم القيامة هو اليوم الذي لا يغني فيه المال ولا الأبناء شيئًا، إلا لمن أتى الله بقلبٍ سليم.

وحين تنتقل المعتقدات الدينية من حيّز الذهن واللسان إلى أعماق القلب، ويتحوّل النطق بها والاستدلال عليها إلى حماسة وجدانية تنبض بها المشاعر، عندئذٍ يمكن توقّع ظهور أولى آثار الإيمان في شخصية المؤمن. من أبرز الآثار التي يتركها الإيمان في شخصية الإنسان ما يأتي:

السكينة والطمأنينة

تُعدّ السكينة والطمأنينة من أبرز مقوّمات السعادة الإنسانية في الدنيا، بل لعلّهما أهمّها على الإطلاق. فمَن يفتقر إلى الطمأنينة لا يستطيع أن يجد لذّةً حقيقية في أيّ نعمة، مهما عظمت؛ سواء أكانت صحةً جسدية، أم ثروةً وفيرة، أم منصبًا وجاهًا، أم شهرةً ومكانةً اجتماعية، أم عزّةً ومحبةً في قلوب الآخرين. وقد شهدت مختلف العصور، من الماضي البعيد إلى يومنا هذا، أناسًا حظوا بمظاهر السعادة وأسبابها المادية، لكنهم كانوا يعانون من سخطٍ داخلي عميق، حتى لجؤوا، وما زال بعضهم يلجأ، إلى الكحول والمخدّرات، والانغماس في الملذّات الجنسية المنفلتة، أو على الأقل إلى الإفراط في الطعام والنوم، هربًا من شعورهم بالفراغ وعدم الرضا. وغالبًا ما يحاول هؤلاء إظهار أنفسهم بمظهر السعداء، غير أن ملامح وجوههم تكشف عن مشاعر البؤس والإحباط التي تعتمل في داخلهم. وما يفتقدونه في حقيقة الأمر، وما يشكّل الحلقة المفقودة في حياتهم، هو السكينة والطمأنينة.

العشق

إن الإنسان الذي يرى الوحدة في خضمّ الكثرة الظاهرية للعالم، ولا يرى شيئًا أو أحدًا منفصلًا عن الله تعالى، لا يسعه إلا أن يعشق هذا العالم بكل ما فيه. وقد أشار كبار العرفاء، بعبارات وأساليب شتّى، إلى هذه الحقيقة في آثارهم؛ ومنهم الشاعر الفارسي الشهير سعدي الشيرازي، في بيته المعروف:

أنا في الدُّنيا سعيدٌ، لأنَّ الدُّنيا سعيدةٌ به

وأنا عاشقٌ للعالَمِ كلِّه، لأنَّ العالَمَ كلَّه منه

وكذلك الشاعر حافظ الشيرازي، المعروف بعذوبة شعره، إذ يقول:

أنا الذي اشتهرتُ في المدينة بالعشق

وأنا الذي لم أُدنِّس بصيرتي بسوء الظنّ

إن إساءة النظر تعني أن ننسب العيب والنقص إلى مخلوقات الله تعالى، وأن نتذمّر منها ونشكوها؛ أمّا النظر بعين الجمال والعشق، فيعني أن نرى الخلق كلَّه تجلّيًا لكمال الله سبحانه وجماله، وألّا ننسب العيوب والنقائص إلى ذاته المقدّسة المنزّهة، بل أن نردّها إلى ما في أنفسنا من عيوب ونقائص. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[4].

وبناءً على ذلك، من الطبيعي أن تزداد محبّة الإنسان لمخلوقات الله تعالى كلّما ازداد إيمانه رسوخًا وقوّةً؛ فهي تجلّيات متنوّعة الجمال للمحبوب الأزلي. ومن هنا جاء في المأثور: كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ إِيمَانًا ازْدَادَ حُبًّا لِلنِّسَاءِ، أي: كلّما ازداد إيمان العبد، ازدادت محبّته لزوجته.[5] ويأتي في طليعة تجلّيات الجمال الإلهي النبيّ الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام)، فهم الوسائط في إفاضة الوجود على عالم الخلق. ومن هنا نقرأ في زيارة آل ياسين: لَا حَبِيبَ إِلَّا هُوَ وَأَهْلُهُ.

في عالمٍ لا تزال القوميات المتعصّبة والانحيازات العرقية والطبقية، منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، تهيمن على أفكار البشر وقلوبهم، علّمنا النبيّ الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) أن دائرة المحبّة التي ينبغي أن تتّسع لها قلوبنا لا تقتصر على المؤمنين، مهما اختلفت أعراقهم وطبقاتهم الاجتماعية، بل تمتدّ لتشمل جميع خلق الله، من صديق وعدوّ، ومؤمن وكافر، وجميل وقبيح. وهذا أحد أبهى تجلّيات الإيمان، ومن المعاني السامية التي تعجز المدارس الفكرية غير الإلهية عن استيعاب حقيقتها. وقد قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في هذا الشأن: «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ»[6]. وهذه الخصلة من أفضل المعايير التي يُقاس بها صدق إيمان الإنسان، بصرف النظر عن مقدار ما يأتيه من أذكار وعبادات؛ فمن الطبيعي أن يشعر كلّ من يتعامل مع إنسانٍ يتحلّى بها بالأمان والطمأنينة. وفي هذا المعنى، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا؟ لِإِيمَانِهِ النَّاسَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.[7]

فهل يُعقل، بعد هذا كلّه، أن يكون الإنسان الذي امتلأ قلبه بالمحبّة غير مكترثٍ بما يعانيه بنو جنسه من محنٍ وآلام، وألّا يسعى إلى إنقاذهم والتخفيف من معاناتهم؟ من هنا، يتّضح مغزى قول النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ.[8]

يعيش الإنسان، طوال حياته الدنيوية، صراعًا داخليًّا بين هويّته الحقيقية وهويّته الاعتبارية. فحقيقته الوجودية هي الروح الإلهية التي نُفخت فيه، أمّا هويّته الاعتبارية فتتمثّل في بُعده الدنيوي المادّي، وما يشتمل عليه من مراتب وجودية: الجمادية والنباتية والحيوانية، بل وحتى العقلية. وتتمثّل مهمّة الإنسان في هذه الحياة في التحرّر من التعلّق بهذه الأبعاد المادّية الزائلة، والتوجّه نحو بُعده الحقيقي الأبدي، والتعلّق به.

يسعى العبد العاشق، لكي تتجلّى النفخة الإلهية في وجوده تجلّيًا تامًّا، وتنكشف حقيقته الأصيلة، إلى إخضاع أبعاده المادّية الزائلة وذاته الزائفة لزمام إرادته، فلا يدعها تستولي على كيانه وتحجب عنه حقيقته. وفي هذا المعنى، يقول الشاعر الفارسي: “قلتُ: إلى متى الفراق؟ قال: ما دمتَ أنتَ.” والمقصود بـ«أنت» في هذا البيت هو الذات الزائفة المادّية التي تحجب وجه الروح عن الإنسان. فما دامت هذه الذات الاعتبارية هي المهيمنة على وجوده، ظلّ يعاني ألم الفراق والبعد عن المحبوب. حيث تنتهي هذه الرحلة، في نهاية المطاف، إلى مقامٍ يسمّيه العرفاء مقام الفناء؛ وهو مقام وصال العبد العاشق وبلوغه غايته المنشودة، حيث يتلاشى كيانه المحدود في رحاب الرحمة الإلهية. وعندئذٍ، تتخذ هويّة العبد وشخصيّته بأسرها صبغةً إلهية، فلا يرى في ذاته ولا في العالم المحيط به شيئًا سوى الله تعالى وتجليّاته القدسية. وقد لخّص الشاعر؛ هاتف الأصفهاني، في شعره الشهير، مجمل ما يرمي إليه العرفاء من أشعارهم وأمثالهم ورموزهم وإشاراتهم، في هذه الحقيقة الجامعة: «إنّه واحدٌ، وليس في الوجود سواه؛ وحده، لا إله إلا هو.»

في هذه المرتبة، يغدو باطن الإنسان ونظره وكلامه وسلوكه كلّها إلهية، وتصبح منسجمةً مع إرادة الله تعالى ورضاه؛ فيكون مصداقًا لهذه المناجاة العذبة: «اللهمّ اجعلني ممّن تناجيه سرًّا، ويعمل لك جهرًا».

وتتجلّى أسمى مراتب الفناء في مقام الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، إذ لا يرون في أقوالهم وأفعالهم إلا الإرادة والتدبير الإلهيّين. وحين يؤدّون عباداتهم، يُقبلون على لقاء المحبوب بكلّ كيانهم، ويستغرقون في مناجاته بقلوبهم وأرواحهم. وفي هذا المعنى، ورد عنهم: «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا، وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ، وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ…»؛ [9] وأمّا القول المأثور: القرآن شراب المؤمن، فمعناه أنّ نشوة المؤمن وسُكْره الروحيّ إنما ينبعان من مجالسة المحبوب الحقيقي والأنس به، ومن الارتواء من كلامه تعالى.

النشاط والحيوية

إنّ الله تعالى هو مصدر السكينة والفرح والقوّة والنشاط، والإيمان سبيلٌ إلى التقرّب منه، والتخلّق بأسمائه وصفاته، والاتّصاف بما يليق بالإنسان من كمالاتها. ومن ثمّ، كلّما ازداد إيمان الإنسان قوّةً ورسوخًا، كان من الطبيعي أن تزداد حيويّته ونضارته؛ إذ تزداد ملاءمة روحه لمصدر الفرح والسكينة والخير المطلق، وتشتدّ صلته به. ومن هنا، يقول النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) في وصف المؤمن: الْمُؤْمِنُ… دَائِمٌ نَشَاطُه.[10]

ومن جهة أخرى، فإن الإيمان بالحياة الأبدية، وإدراك الإنسان لمكانته بوصفه محورًا في عالم الوجود، من شأنهما أن يعزّزا لديه الثقة بالنفس والشعور بالكرامة والعزّة والحيوية؛ ذلك أنّ الإنسان المؤمن يدرك الغاية من خلقه، وينظر إلى الحياة الدنيا بوصفها مهمّةً تمهّد لبناء حياته الأبدية. ومن ثمّ، يجد في الاقتراب من غاية الخلق والسير على طريق السعادة والازدهار الحقيقي مصدرًا للفرح والرضا.

أمّا الإنسان الذي يفتقر إلى الإيمان، ويحصر وجوده في حدود الحياة الدنيا، وينكر البُعد الإلهي في هويّته، فإنه غالبًا ما يرى الحياة بلا غاية ولا معنى. ولذلك، إذا واجهته الصعوبات في مسعاه إلى تحسين هذه الحياة التي يراها خاليةً من المعنى، فقد يستسلم بسهولة لليأس والإنهاك والاكتئاب. وحتى إذا استطاع هذا الإنسان أن يوفّر لنفسه حياةً مرفّهة، فإنّ الإمكانات المادّية والملذّات الدنيوية، بحكم محدوديّتها وما يكتنفها من مشقّات، لا تستطيع إشباع حاجاته الحقيقية. وقد يؤدّي ذلك إلى تعميق شعوره بالفراغ والعبثية وتفاقم اكتئابه، حتى إنّه قد يدفعه، في بعض الحالات، إلى حافّة الانتحار.

كيف يؤدّي انعدام الإيمان إلى القلق والاضطراب؟

يقف الخوف والقلق في الجهة المقابلة للإيمان؛ فهما ينشآن من استرسال الذهن المنفلت في التفكير، بالإضافة إلى الاستغراق في الهواجس والانشغالات والتخيّلات المتواصلة بشأن الماضي والمستقبل. فالإنسان الذي يفتقر إلى الإيمان يجد نفسه مضطرًّا إلى الاعتماد على ذاته وحدها، وشقّ طريقه بنفسه في عالم أشبه بالغابة، حيث يتعيّن عليه أن ينتزع أسباب البقاء والنجاح من بين براثن الصراع والتنافس. إنّه يرى نفسه كائنًا وحيدًا، متروكًا لمصيره وتائهًا في عالمٍ تتعدّد فيه الموجودات وتتضارب فيه المصالح، ويسعى كلّ فرد فيه إلى تحقيق أكبر قدر من المنفعة لنفسه. إنّه عالم يرى فيه القويّ الضعيفَ فريسةً له، ويغدو فيه الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان، على حدّ تعبير توماس هوبز.[11] ولا يترك انعدام الإيمان للإنسان سبيلًا سوى الاتّكال على ذهنه وتدبيره الشخصي، مع أنّه يدرك ما ينطوي عليه من قصورٍ ذاتيّ في المعرفة والعجز عن بلوغ الأهداف المنشودة. فهو يرى، يومًا بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، كيف تخطئ توقّعاته بشأن المستقبل؛ إذ قد يقع في أيّ لحظة حدثٌ غير متوقّع يقلب حساباته كلّها رأسًا على عقب. وقد اختبر مرارًا أنّ خططه، مهما أُحكم إعدادها ودقّ تدبيرها، لا تضمن له النجاح بالضرورة. ومن هنا، تتشكّل جذور الخوف والقلق في أعماق نفسه. إنّه يشعر باستمرار بأنّ الآخرين، وكذلك الأحداث الخارجة عن سيطرته، يمثّلون تهديدًا له، ويجد نفسه مضطرًّا إلى خوض منافسة عدائية مع العالم ومن فيه، كي يحقّق ما يصبو إليه. وحتى حين يحرز نجاحًا، ويُظهر الفرح به، يظلّ القلق يساوره؛ إذ يخشى ألّا يتكرّر نجاحه، أو أن يفقد ثمار ما حقّقه من إنجازات. ويمكن تشبيه حال الإنسان الذي يفتقر إلى الإيمان بحال شخصٍ تُقدَّم إليه أشهى أصناف الطعام، بشرط أن يتناولها ممزوجةً بخلاصة شديدة المرارة؛ مرارةٍ تحول بينه وبين تذوّق نكهاتها الطيّبة والاستمتاع بعبيرها. فالاضطراب هو ذلك السمّ المرير الذي يضطرّ الإنسان المفتقر إلى الإيمان إلى تجرّعه مع كلّ متعة ينالها، فيفسد عليه لذّتها ويحجب عنه حلاوتها. وهكذا، يغدو هذا الإنسان كائنًا تائهًا في عاصفة الأحداث الدنيوية التي لا يملك السيطرة عليها؛ وكما تشبّهه الصورة القرآنية، بفريسةٍ ضعيفة لا حول لها ولا قوّة، تتنازعها الطيور الجارحة في الفضاء، وتنقضّ عليها من كلّ جانب، فيختطفها بعضها من بعض.

كيف يبعث الإيمان السكينة في النفس؟

إنّ الإنسان الموحّد المؤمن لا ينظر إلى نفسه بوصفه جزءًا صغيرًا عاجزًا في هذا الوجود، بل يراها خليفةَ الله ومظهرًا من مظاهر حضوره في العالم المادّي. فهو ليس مجرّد فريسة ضعيفة في غابة الدنيا، بل كائن كرّمه الله وجعله موضع عنايته في عالم الخلق؛ ويرى أنّ العالم، بإذن الله وتسخيره، واقعٌ في نطاق قدرته ومسؤوليته. وخلاصة القول، أنّ الإنسان المؤمن حقًّا يرى نفسه سيّدًا في عالم الوجود، ومستخلفًا من قِبَل الله تعالى للقيام بمهمّة إعمار العالم وتدبير شؤونه.

وقد خاطب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام الإنسانَ بهذه الأبيات:

أَتَزْعَمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ.[12]

إنّ التأمّل في نظرة العرفاء الربّانيين إلى ذواتهم والعالم المحيط بهم يمدّنا بدروس عميقة، ويفتح أمامنا آفاقًا واسعة للتفكّر. فسيرتهم العملية تكشف عن أنّهم كانوا ينظرون إلى الإخفاقات والمصائب بوصفها تجلّيات لما تنطوي عليه نفوسهم، وإشاراتٍ من الله تعالى ترشدهم إلى تزكية أنفسهم وتهذيبها. وكان أولياء الله يرون في الأحداث كلّها انعكاسًا خارجيًّا لما يسكن دواخلهم من نورٍ وظلمة، ووسيلةً من وسائل الهداية الإلهية. ولذلك، لم يكونوا يفرطون في الابتهاج بملذّات الدنيا، كما لم يستسلموا للحزن والقلق عند حلول مكارهها؛ بل ظلّوا ينعمون بالسكينة والبهجة. ومن هنا، يبيّن الله تعالى مرارًا وتكرارًا المعيار الذي يُعرَف به أولياؤه، فيقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛[13] كما يصرّح الله تعالى في مواضع عديدة بأنّ الإيمان المقترن بالعمل الصالح هو سبيل الطمأنينة والسعادة، فيقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛[14] وهكذا، فإنّ السكينة والسعادة معياران أساسيان ودائمان للاستدلال على مدى رسوخ الإيمان في نفوس الناس.

الخاتمة

إنّ الإيمان الحقيقي حقيقةٌ قلبية وشهودية، لا سبيل إلى تحصيلها بالتقليد، ولا يمكن نقلها مباشرةً إلى قلب الإنسان. فالتقليد لا يثمر سوى قناعات ذهنية قد تتحوّل تدريجيًّا، بفعل التلقين والتكرار، إلى إيمانٍ راسخ في القلب. ومن هنا، فإنّ صيانة الإيمان وتعزيزه عملية مستمرّة لا تنقطع، وهو ما تؤكّده آيات القرآن الكريم التي تحثّ على تجديد الإيمان وترسيخه.

غير أنّ هذه الرحلة الباطنية تثمر نتائج مدهشة؛ فالمؤمن الحقيقي، بقلبه السليم المطمئن، يفيض حبًّا على جميع مخلوقات الله، ويأمن الناس على أنفسهم وأموالهم من جانبه. ولأنّ روحه تزداد انسجامًا مع مصدر الخير والفرح المطلق، ينعم بحيوية متجدّدة ونشاط دائم. وعلى النقيض من ذلك، يعيش الإنسان المفتقر إلى الإيمان، الذي يُلقي على عاتق ذهنه القاصر وحده عبءَ البحث عن المعنى وتدبير المستقبل، أسيرًا للخوف والقلق والشعور بالعبثية والفراغ؛ حتى إنّه قد يعجز عن الاستمتاع بالملذّات الظاهرية نفسها. وبناءً على ذلك، تظلّ السكينة والسعادة معيارين دائمين للاستدلال على حقيقة الإيمان وعمق رسوخه في النفس؛ فالقلب الذي استقرّ فيه الإيمان واقترن بالعمل الصالح، هو قلبٌ لا يستولي عليه الخوف، ولا يثقل كاهله الحزن، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

 

[1] . سورة الحجرات، الآية 14.

[2] . سورة النساء، الآية 136

[3] . سورة الشعراء، الآيتان 88–89

[4] . سورة النساء، الآية 79

[5] . بحار الأنوار، ج 100، ص 228

[6] . الكافي، ج 2، ص 643

[7] . علل الشرائع، ج 2، ص 523

[8] . الكافي، ج 2، ص 163

[9] . الكافي، ج 2، ص 83

[10] . الكافي، ج 2، ص 230

[11] . توماس هوبز.

[12] . ميبدى، حسين بن معين الدين، ديوان أمير المؤمنين عليه السلام، تحقيق وتصحيح مصطفى زماني، ص 175، قم، دار نداء الإسلام للنشر، الطبعة الأولى، 1411هـ.

[13] . سورة يونس، الآية 62

[14] . سورة المائدة، الآية 69

التعليقات والأسئلة

اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.

0مناقشات
مناقشات الدرس
لا توجد مناقشات بعد

كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.