من الثروة إلى العبودية لله: أسطورة التناقض بين الروحانية والرفاه
لنتخيّل مهندسًا معماريًا يريد تشييد بناء متين ومهيب. فإذا امتنع عن إقامة أساس راسخ له، ظنًّا منه أن ذلك يثبت عدم تعلّقه بالأرض، وأقام جدرانه على الهواء أو على أرض رخوة، لانتهى به الأمر إلى انهيار البناء بأكمله مع أول ريح عاصفة.
والأمر في حياة الإنسان لا يختلف كثيرًا عن ذلك. فكثيرًا ما اعتقدنا أن التديّن والروحانية يقتضيان خلوّ اليد من المال، وضيق العيش، والإعراض عن الدنيا. وكأننا رسمنا، من حيث لا نشعر، خطًّا فاصلًا بين «التقوى» و«الفقر»، وافترضنا أن الإنسان الصالح لا بدّ أن يكون قليل ذات اليد. غير أن تأمّل حياة الأئمة في واقعها يكشف لنا صورة مغايرة تمامًا؛ فهم لم يكونوا مجرد أناس فقراء أو منعزلين عن الحياة، بل كانوا، بحسب ما يطرحه هذا التصوّر، من أغنى الناس في زمانهم. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن للإنسان أن يكون ملتزمًا بالقيم الروحية، وفي الوقت نفسه من أكثر أفراد مجتمعه ثراءً؟ وهل ثمة تناقض حقيقي بين الثروة والروحانية؟
الزهد هو التحرّر من أسر المال، لا الهروب من العمل والإنتاج
لعلّ أكبر أخطائنا أننا خلطنا بين «الزهد» و«عدم امتلاك المال والعجز عن تحصيل الثروة». وقد استطاع مفكّرون كبار، من أمثال الشهيد مطهري والأستاذ صفائي حائري، أن يزيلوا هذا الالتباس الفكري بأسلوب بديع. فهم يرون أن الزهد حالة باطنية يعيشها الإنسان، قوامها ألّا يتعلّق قلبه بأموال الدنيا ومناصبها، وألّا يقع أسيرًا للمال. فالزهد، بهذا المعنى، لا يعني أن يكفّ المرء عن العمل، أو أن يزجّ بنفسه في الفقر والتشرّد.
فعليّ بن أبي طالب عليه السلام، حين كان يعمل، كان من كبار أصحاب رؤوس الأموال والمنتجين؛ إذ كان يستصلح الأراضي البور بيديه، ويحفر القنوات، وينشئ بساتين النخيل، ويسهم في إنتاج الثروة. ومع ذلك، كان يكتفي في حياته الشخصية بأبسط الطعام، ويرتدي أبسط الثياب. لماذا؟ لأنه كان هو المتصرّف في ثروته والمتحكّم فيها، لا أن تكون الثروة والدنيا هما المتحكّمتين فيه. فقد كانت الثروة لديه وسيلةً لخدمة الناس ومدّ يد العون إليهم، لا قيدًا يأسر القلب ويستعبده.
المظهر اللائق والمكانة الاجتماعية؛ مظهر من مظاهر عزة المؤمن وكرامته
في منظور أئمة الدين، لم يكن الاهتمام بالمظهر والأناقة، وامتلاك البيوت الواسعة، والتمتّع بالإمكانات الجيدة أمرًا مذمومًا، بل كان يُعدّ مظهرًا من مظاهر عزة النفس لدى الإنسان المؤمن.
فقد عُرف الأئمة عليهم السلام في مجتمعاتهم بأنهم من أكثر الناس وجاهةً وحسنًا في المظهر وقوةً واقتدارًا. وكانوا يرون أن المؤمن لا ينبغي أن يعيش على نحوٍ يجعل الآخرين ينظرون إليه نظرة استصغار واحتقار، أو يجعل المتديّنين في موضع ضعف دائم. فعندما يعيش الإنسان في أبهى صور الأناقة، ويتمتّع بالقدرة المالية، من دون أن يتعلّق قلبه بالدنيا، فإنه يحفظ للدين عزّته ومكانته، ويتيح للمجتمع في الوقت نفسه أن ينتفع بثروته وقدراته. فالفقر لم يكن يومًا موضع فخر؛ وإنما يكمن الفخر في القدرة والإنجاز، وريادة الأعمال، وصون كرامة الإنسان.
التجارة؛ محرّك البركة والاستقلال
إذا تأمّلنا المهن التي اختارها الأئمة عليهم السلام، وجدنا أن التجارة والعمل الاقتصادي كانا من أبرز مجالات اشتغالهم. وقد رُوي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال إن تسعة أعشار البركة في التجارة.[1]
ولكن لماذا التجارة؟ لأن التجارة تعني تحريك الأموال والثروات وضخّها في شرايين المجتمع. فالثروة أشبه بالدم في جسد الإنسان؛ إذا تجمّعت في موضع واحد وركدت، أصاب المجتمعَ الشلل. أمّا حين ينخرط المؤمن في العمل والزراعة والتجارة والإنتاج، فإنه يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد في المجتمع، ويعتمد على نفسه في الوقت ذاته. فالاستقلال الاقتصادي يمنح الإنسان حرية الفكر والعمل، ويجنّبه الخضوع لمنّة الآخرين أو الوقوع تحت وطأة تسلّطهم.
سعة المَسكن وسخاء اليد في ميدان الإِنفاق
لإدراك مدى واقعية ثروة الأئمة وملموسيتها، يكفي أن نتأمل نموذجين من الشواهد التاريخية: أولهما ما يتصل بالمسكن؛ إذ لم يكن أيٌّ من الأئمة مستأجرًا لمسكنه، بل كانت لهم جميعًا دورٌ واسعة ورحبة ومهيأة للراحة، تكفل لأسرهم الاستقرار والطمأنينة، وتتيح لهم في الوقت نفسه استقبال الضيوف والمسافرين والمحتاجين. وحين نقرأ في كتب التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام خاطب عمر بن سعد، الذي كان يخشى فقدان منزله، مطمئنًا إياه بأنه سيمنحه خير الدور والأراضي، تتجلى لنا بوضوح متانة ما كان للإمام من رصيد مالي وعقاري، وحقيقة ما امتلكه من إمكانات مادية راسخة.
وثانيهما ما يتعلق بالإنفاق والبذل؛ فقد تصدّق الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، في مناسبات متعددة من حياته، بنصف ثروته الخاصة في سبيل الله. وكان له دار ضيافة واسعة يأوي إليها كل مسافر ضلّ طريقه، فيجد فيها ملاذًا آمنًا ومأوى كريمًا. وهنا تبرز حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن هذه العطايا لم تكن من بيت المال، ولا من أموال الدولة، وإنما كانت من كسب الإمام الخاص، وثمرة تجارته وممتلكاته العقارية.
وهنا يتكشف جوهر المسألة: فمن لم ينتج بنفسه، ولم يمتلك من الموارد ما يفيض عن حاجته، يصعب عليه أن تكون له يدٌ سخية بالعطاء. أما إنفاق الإنسان الثري والمنتج، فينبع من موقع القدرة والسخاء، ويجسّد إسهامًا فاعلًا في توسيع دائرة الخير وإيصاله إلى الآخرين.
إن سيرة أئمة الدين تعلّمنا أن التديّن لا يعني الانصراف عن الثروة أو التراجع عن أسباب امتلاكها، بل إن نمط الحياة الإنساني القويم يقتضي أن يكون الإنسان:
- في الإنتاج وزيادة الأعمال، أشد الناس قدرةً واجتهادًا.
- في التجارة والاقتصاد، مستقلًّا وفاعلًا ومؤثرًا.
- في مظهره ومسكنه، عائشًا في أناقة وكرامة واقتدار.
- في استهلاكه وتعلّقه بالماديات، متحررًا من أسرها، زاهدًا فيها، سخيًّا بالبذل والإنفاق.
فالثروة في يد الإنسان المؤمن ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلةٌ لبناء حياة كريمة، وخدمة الناس، والوقوف في وجه المتسلطين. ذلك أن المؤمن الحق هو من تكون الدنيا تحت قدميه، لا مستقرةً في قلبه.
[1] . “البركة عشرة أجزاء: تسعة أعشارها في التجارة، والعُشر الباقي في الجلود”. بحار الأنوار، ج 103، ص 5، ح 13.
التعليقات والأسئلة
اطرح سؤالًا أو شارك تجربتك مع هذا الدرس.
كن أول من يطرح سؤالًا حول هذا الدرس.